Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تقبل أوروبا معادلة الطاقة الجديدة عبر هرمز؟

الخطوة إذا حدثت تهدد "البترو دولار" وتفتح الباب أمام "البترو يورو" و"البترو يوان"

وصل الارتفاع في أسعار الغاز بأوروبا إلى ما يقارب 100% (رويترز) 

ملخص

بدأ نظام "البترو دولار" منذ عام 1974 ضمن ترتيبات تسعير نفط الخليج أساساً بالدولار الأميركي، واعتُبر منذ ذلك الحين واحدة من دعامات هيمنة العملة الأميركية عالمياً، إلا أن ذلك النظام أخذ في "التخلخل" أخيراً لمصلحة تسعير النفط بعملات أخرى.

يبدو أن أوروبا بدأت تتصرف على أساس أن الولايات المتحدة لم تعد شريكاً في "علاقة خاصة" معها، ولا يقتصر ذلك على المسائل الدفاعية ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، على رغم حاجة أوروبا إلى المظلة العسكرية الأميركية، بل إن بعض الدول الأوروبية تتجه الآن إلى البحث عن مصالحها شرقاً، حتى لو كان ذلك مع الصين.

لعل ما نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" عن تعاون أوروبي – صيني في مجال الفضاء يعد مثالاً واضحاً على ذلك، إذ إن أبحاث الفضاء الأوروبية لطالما كانت تتم دائماً بالتعاون مع الولايات المتحدة. وفي ظل التنافس في مجال الفضاء بين أكبر اقتصادين في العالم، فإن اختيار أوروبا للصين يؤكد ذلك الابتعاد نسبياً عن حصرية العلاقة عبر الأطلسي.

لم يكن مستغرباً في هذا السياق ما حملته الأنباء، الأسبوع الماضي، من عرض إيران على الدول الأوروبية ترتيبات لمرور سفن الشحن وناقلات النفط والغاز إلى أوروبا من الخليج عبر مضيق هرمز. وبحسب ما نشر موقع "إنترناشيونال بزنس تايمز"، فإن طهران عرضت على دول أوروبية وآسيوية وعربية التفاوض بشأن مرور سفنها وناقلاتها عبر مضيق هرمز. ومنذ الإعلان عن ذلك في الثاني من أبريل (نيسان)، لم نسمع عن أي اتفاق بهذا الشأن، لكن ذلك لا يعني أن بعض الدول لا تتفاوض مع إيران بالفعل.

أزمة الطاقة في أوروبا

جاء العرض الإيراني على لسان رئيس مجلس المعلومات الحكومي، إلياس حظرتي، في كلمة له على التلفزيون الإيراني الرسمي. وبعدما أكد "سيطرة إيران على مضيق هرمز"، قال إن بلاده قد "تعلن اتفاقاً في شأن مضيق هرمز"، داعياً الدول التي تريد استخدام المضيق إلى "عقد اتفاقات معنا".

وبحسب تقرير "إنترناشيونال بزنس"، فإن ذلك عرض يصعب على دول أوروبا رفضه في ظل أزمة طاقة خانقة، فقد ارتفعت أسعار النفط، ووصل الارتفاع في أسعار الغاز بأوروبا إلى ما يقارب 100 في المئة، وعلى رغم أن دول أوروبا سعت في الأسابيع الأخيرة إلى توفير مصادر بديلة للطاقة، فإن ذلك كان بكلفة أعلى.

بلغت الزيادة في كلفة استيراد الطاقة لدول أوروبا أكثر من 16 مليار دولار في غضون أربعة أسابيع منذ بدء الحرب نهاية فبراير (شباط) الماضي. ويبدو أن خيار عودة أوروبا لاستيراد الطاقة من روسيا، التي حظرتها منذ حرب أوكرانيا عام 2022، ليس مطروحاً. وحذر البنك المركزي الأوروبي، الذي يضع السياسة النقدية لدول الاتحاد الأوروبي، من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يدفع اقتصادات الدول المعتمدة بقوة على استيراد الطاقة، ومنها ألمانيا وإيطاليا، نحو ركود اقتصادي بنهاية العام الحالي 2026.

في كلمة له أمام مؤتمر في العاصمة الإيطالية روما مطلع الشهر الحالي، قال عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، فابيو بانيتا، إن الصراع في الشرق الأوسط تسبب في "اضطرابات غير مسبوقة في سلاسل إمداد وتوريد الطاقة". وأشار إلى أنه حتى لو توقفت الحرب بسرعة، فإنه من الصعب تخطي الأضرار التي وقعت.

بحسب تقديرات البنك المركزي الأوروبي، فإن معدلات التضخم في منطقة اليورو يُتوقع أن ترتفع إلى 3.1 في المئة للربع الثاني من العام الحالي، وتوقع البنك أن تعافي إمدادات الطاقة ربما لن يحدث قبل مطلع العام القادم 2027.

عرض إيراني ملغوم

في اليوم الذي أعلنت فيه إيران عرضها، كان أكثر من 40 بلداً، من بينهم دول كثيرة من أعضاء الاتحاد الأوروبي، يشاركون في مؤتمر استضافته العاصمة البريطانية لندن لبحث استراتيجيات تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز متى ما توقفت الحرب، إلا أن المؤتمر انفض من دون بيان ختامي أو الإعلان عن أي اتفاق أو إجراءات محددة.

لكن العرض الإيراني لا يبدو بادرة "حسن نية" بقدر ما هو مقترح ملغوم تماماً، إذ نقلت شبكة "سي أن أن" عن مسؤول إيراني رفيع قوله، إن إيران تدرس السماح لعدد من ناقلات النفط بعبور مضيق هرمز، بشرط تسعير حمولتها النفطية باليوان الصيني وليس بالدولار الأميركي، ويذكر التقرير أن بعض الناقلات التي عبرت المضيق دفعت بالفعل رسوماً باليوان الصيني.

في مذكرة لها هذا الأسبوع، كتبت الاستراتيجية في "دويتشه بنك" مليكة ساشديفا، أن الصراع الحالي في الشرق الأوسط "يضع نظام التسعير المعروف بالأمن مقابل النفط موضع اختبار، وهو النظام الذي حافظ على تسعير النفط عالمياً بالدولار الأميركي منذ سبعينيات القرن الماضي"، وحذرت من أن الحرب قد تُذكر في التاريخ بأنها بداية "تآكل" نظام "البترو دولار"، وربما التحول إلى "البترو يوان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدأ نظام "البترو دولار" منذ عام 1974 ضمن ترتيبات تسعير نفط الخليج أساساً بالدولار الأميركي، واعتُبر منذ ذلك الحين واحدة من دعامات هيمنة العملة الأميركية عالمياً، إلا أن ذلك النظام أخذ في "التخلخل" أخيراً لمصلحة تسعير النفط بعملات أخرى، ليس اليوان فقط، بل واليورو وبعض العملات الخليجية كذلك.

إثر فرض الحظر على موسكو بسبب حرب أوكرانيا قبل أربعة أعوام، بدأت روسيا تسعر نفطها باليوان وبعملتها الروبل، وبعملات أخرى غير الدولار، كما أن دولاً مستوردة للطاقة، مثل الهند، تسعر مشترياتها من النفط الروسي بعملات خليجية كالدرهم والريال.

قوة الدولار

إضافة إلى ذلك، فإن دول مجموعة "بريكس" تسعى لحسم مدفوعاتها ومعاملاتها الخارجية بغير الدولار الأميركي، وليس فقط مسألة تسعير النفط. مع ذلك، ينقسم المحللون بشأن التحول إلى "البترو يوان"، أو حتى تسعير النفط باليورو "البترو يورو"، وما إذا كان التخلي عن "البترو دولار" سينال من قوة العملة الأميركية وهيمنتها عالمياً.

برأي غالبية المحللين، فإن قوة الدولار الأميركي وهيمنته في النظام المالي العالمي لا تعتمدان فقط على تسعير النفط به أو نظام "البترو دولار"، وإنما تعود قوته بالأساس إلى مرونة وسيولة الأسواق المالية الأميركية وعمقها بما لا تضاهيه أي أسواق أخرى في العالم.

على سبيل المثال، حققت سوق الائتمان الدولاري الخارجية نمواً من 2.5 تريليون دولار عام 2000 إلى 14.2 تريليون دولار العام الماضي 2025، وأن من الصعب إزاحة الدولار عن عرشه بسرعة، بخاصة أن دولاً كثيرة تربط عملاتها بالدولار. حتى الصين، التي يُروَّج أن تأخذ عملتها مكانة الدولار عالمياً، لا تزال تفرض قيوداً على رأس المال تحول دون تحول اليوان إلى عملة عالمية.

ثم إن كثيراً من الدول، حتى تلك التي لا تتفق مع سياسات الولايات المتحدة، ليست مستعدة لاستبدال النظام الدولاري بنظام آخر في معاملاتها الخارجية. مع ذلك، فإن التخلي عن "البترو دولار" وغيره من الخطوات البسيطة للابتعاد عن الدولار في التعاملات المالية العالمية يمكن أن يؤثر سلباً على الولايات المتحدة، ولو بشكل طفيف.

مما يزيد من المخاوف في شأن النيل من نظام "البترو دولار"، وغيره من الخطوات من جانب دول "بريكس" وغيرها، وضع الدين الأميركي المقوم بالدولار، فعند منتصف الشهر الماضي، اقترب حجم الدين الأميركي من الـ40 تريليون دولار (أكثر من 39 تريليون دولار). وفي ظل إبقاء "الاحتياطي الفيدرالي" (البنك المركزي) الأميركي أسعار الفائدة كما هي قرب أربعة في المئة، فإن مدفوعات خدمة الدين تثقل كاهل الميزانية الفيدرالية الأميركية، في أسرع نمو لخدمة الدين على مدى الأعوام الـ10 القادمة.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز