Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة اختفاء أبو نضال بعد مسيرة دموية

زعيم "المجلس الثوري" الفلسطيني الذي نفذ عمليات عنيفة ودموية في أوروبا والشرق الأوسط لكنه ظل غالباً بعيداً من الأضواء ووفاته تبقى غامضة في بغداد

يصنف "أبو نضال" بأنه شخصية محورية في تاريخ الجماعات (اندبندنت عربية)

ملخص

بعد عقود من النشاط المسلح والعمليات الدولية، انتهت حياة صبري البنا، المعروف بـأبو نضال وزعيم المجلس الثوري، في ظروف غامضة ببغداد عام 2002، لتفتح تساؤلات حول طبيعة وفاته ودوره التاريخي في الصراعات الفلسطينية والإقليمية.

يعد صبري البنا المعروف بـ"أبو نضال" زعيم ما سمي "المجلس الثوري" الفلسطيني شخصية محورية في تاريخ الجماعات، التي كانت منذ منتصف الثمانينيات تنفذ عمليات عنيفة ودموية في أوروبا والشرق الأوسط، بما في ذلك هجمات على مكاتب الخطوط الجوية البريطانية في روما ومدن أوروبية أخرى. وقاد المجلس الثوري في صراعه مع حركة "فتح" داخل لبنان، حيث تصاعدت عمليات القتل المتبادلة، وأدت إلى فقدان الشخصيات البارزة.

وطوال أعوام نشاطه، استخدمت الجماعة عدة أسماء حركية للتغطية على عملياتها، في حين كان البنا نفسه يظل غالباً بعيداً من الأضواء، متحركاً بين ليبيا والعراق والجزائر دون إقامة دائمة، وفقاً للتقارير الاستخباراتية البريطانية والأميركية. وهنا تسلط وثائق بريطانية الضوء على مسيرته المثيرة للجدل، إضافة إلى الملابسات الغامضة التي أحاطت بوفاته داخل بغداد عام 2002.

جماعة أبو نضال في وثيقة بريطانية (1985)

خلال الأول من ديسمبر (كانون الأول) 1985، أصدرت السلطات البريطانية وثيقة بعنوان "ملف تعريفي، جماعة أبو نضال"، عدت فيها هذه الجماعة من بين أخطر التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط، وربما الأكثر تنظيماً وفاعلية بين الجماعات الفلسطينية المتطرفة. وأوضحت الوثيقة أن الجماعة كانت تخطط عملياتها بعناية فائقة، محافظة على سرية معلوماتها ضمن نطاق ضيق ومجزأ بإحكام.

تقول الوثيقة إن الجماعة أظهرت مراراً قدرتها على تنفيذ عملياتها في أي بلد تختاره، إذ نفذت هجمات في 18 دولة عبر ثلاث قارات، وواصلت نشاطها في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وسجلت الوثيقة أن صبري البنا المعروف باسمه الحركي "أبو نضال" نفذ أكثر من 60 هجوماً إرهابياً خلال الثمانية أعوام الماضية، منها 30 هجوماً منذ بداية عام 1984. وخلال العام نفسه، وقع ثلثا الهجمات الـ17 التي نفذتها الجماعة في أوروبا الغربية، مما أدى إلى سقوط مواطنين أوروبيين ضحايا أبرياء بصورة متزايدة.

 

وتكشف الوثيقة عن أن خلال سبتمبر (أيلول) من عام 1985 فجرت الجماعة مكتب الخطوط الجوية البريطانية في روما، مما أسفر عن إصابة 15 شخصاً، كان كثير منهم من المارة. وخلال الشهر نفسه، ألقى عناصر من التنظيم قنابل يدوية على مقهى "كافيه دو باري" في روما، مما أدى إلى إصابة 38 سائحاً. ووقعت هجمات أخرى في إسبانيا خلال يوليو (تموز)، حين استهدفت عمليات لأبو نضال مكتب الخطوط الجوية البريطانية ومكتب تذاكر "عالية" القريب منه، مما أسفر عن مقتل شخص واحد وإصابة 24 آخرين من الزبائن والموظفين.

وخلال أبريل (نيسان)، أطلق أحد عناصر التنظيم صاروخاً على طائرة ركاب أردنية أثناء إقلاعها من مطار أثينا، فأصاب الصاروخ الطائرة لكنه لم ينفجر، وكان من الممكن أن يسقط مئات الضحايا لو نجحت العملية.

هل تعاونت جماعة أبو نضال مع "حزب الله"؟

كتب مراسل صحيفة التايمز البريطانية فيليب جاكوبس في باريس خلال الـ28 من فبراير (شباط) 1992، أن السلطات الأمنية الفرنسية كانت تطارد رجال أبو نضال بسبب هجوم استهدف سفينة سياحية يونانية خلال يوليو (تموز) 1988.

 

ويعتقد أن المتهمين الأربعة كانوا أعضاء في جماعة مرتبطة بأبو نضال، ويعتقد أن أحدهم كان مسؤولاً عن جميع العمليات الإرهابية التي نفذت باسم منظمة أبو نضال. وكان ثلاثة مواطنين فرنسيين من بين القتلى عندما تعرضت سفينة سيتي أوف بوروس (City of Poros) لهجوم في بحر إيجه قبالة اليونان، كما كان أكثر من 80 مواطناً فرنسياً آخرين بين الركاب الذين أصيبوا نتيجة إطلاق النار والقنابل اليدوية.

وعدت عمليات القتل على متن سفينة سيتي أوف بوروس، في بعض أوساط مكافحة الإرهاب، عملاً انتقامياً من إيران بعد إسقاط طائرة مدنية إيرانية بواسطة سفينة حربية أميركية في الخليج العربي قبل ذلك بأيام قليلة. وطرح احتمال أن يكون "حزب الله" تعاون مع أبو نضال في تنفيذ الهجوم، بدافع الثأر والانتقام.

الأسماء الحركية وخلفية جماعة أبو نضال

وتضيف الوثيقة أن نشاط الجماعة لم يقتصر على اسم واحد، فقد تبين من الوثيقة أنها استخدمت خلال الأعوام الأخيرة عدداً من الأسماء الحركية للتغطية على نشاطها، بدأت تحت اسم "حزيران الأسود" ثم استخدمت اسم "الألوية الثورية العربية" عند تنفيذ هجمات ضد أهداف في الخليج العربي، وتصرفت تحت اسم "أيلول الأسود" عند استهداف أهداف أردنية وفلسطينية، واستخدمت اسم "المنظمة الثورية للمسلمين الاشتراكيين" عند تنفيذ هجمات ضد أهداف بريطانية.

 

وتكشف الوثيقة عن أن جماعة أبو نضال نشأت من عناصر انشقت عن تنظيم "فتح" التابع لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وأنها تتبنى استخدام العنف بهدف إفشال الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق مصالحة بين إسرائيل والدول العربية، فضلاً عن دعوتها إلى إسقاط ما تصفه بالأنظمة "الرجعية" الحاكمة مثل الأردن ومصر ودول الخليج العربي.

التوترات والتصفيات داخل "فتح – المجلس الثوري"

في رسالة مرسلة من جانيت هانكوك من قسم الشرق الأوسط في إدارة البحث والتحليل بوزارة الخارجية البريطانية، إلى السيد كانينغ، تناولت الوثيقة البريطانية القلاقل التي تعيشها حركة "المجلس الثوري" المعروفة أيضاً باسم "فتح – المجلس الثوري". وأشارت الوثيقة إلى أنه يجري حالياً تقييم جديد للوضع بصورة منفصلة، مع تساؤلات حول طبيعة الخلافات الظاهرة داخل الحركات الفلسطينية، وما إذا كانت قد تكون مؤشرات إلى انقسام محتمل آخر في المجموعة.

وأكدت الوثيقة أن شيئاً ما يحدث بالفعل، لكنه من الصعب تحديد طبيعته بدقة، مشيرة إلى زيادة معدل عمليات القتل المتبادلة بين "فتح" و"المجلس الثوري" في لبنان منذ منتصف العام، وهو ما قد يعكس استمرار تصفية الحسابات عقب حملة التشويش التي قامت بها "فتح" قبل أعوام عدة.

وذكرت الوثيقة أن كلا الطرفين فقد شخصيات بارزة، وكان آخرها وليد خالد، مع استمرار فقدان الشخصيات العسكرية والسياسية رفيعة المستوى. ورجحت الوثيقة البريطانية أن "فتح" قد تطلق حملة جديدة للتشويش تهدف إلى تقويض هيكلية "المجلس الثوري" وتشجيع الانشقاقات. وأشارت الوثيقة إلى أن الصحافة اللبنانية ذكرت أحياناً "قيادة الطوارئ للمجلس الثوري"، لكن المنشقين الرئيسين، أبو بكر وعيسى، يحرصان على البقاء بعيدين من الأضواء، وإذا كان الهدف من الحملة هو دفع مزيد من الانشقاقات، لكان من المتوقع أن يكونا أكثر بروزاً.

 

وكشفت الوثيقة أن أي انقسام محتمل في "المجلس الثوري" قد يشكل خطراً على قيام فصيل من الخارج بحملة إرهابية، على رغم صعوبة ذلك من دون بنية تحتية أو دعم لوجيستي. وأوضحت الوثيقة أن من بين أسباب الهدوء النسبي للحركة أخيراً، وجود قيود من الدول الراعية وصعوبة الوصول إلى الملاجئ أو المخازن الآمنة، مؤكدة أن أي مجموعة من دون دعم تنظيمي من "المجلس الثوري" ستواجه صعوبة أكبر في العمل، مع احتمال انضمام أي فصيل منفصل إلى سياسات منظمة التحرير الفلسطينية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وورد في الوثيقة أن لا يبدو أن هناك أي تحرك كبير لنقل مقر "المجلس الثوري" من ليبيا، وأن صبري البنا نفسه موجود هناك على الأرجح. وأشارت الوثيقة إلى أنه لم يكن من المعتاد أن يسافر كثيراً، وعلى رغم احتمال زيارته العراق أو الجزائر، لا توجد دلائل على أنه أقام هناك بصورة دائمة، إذ اعتبر المحللون الأميركيون الذين تحدثت إليهم هانكوك الأسبوع الماضي أنه لا يزال في ليبيا.

وأخيراً، وثقت الوثيقة أن احتمال مسؤولية "المجلس الثوري" عن مقتل عاطف بسيسو يبدو أقل احتمالاً خلال الوقت الراهن.

تقييم بريطاني لمعلومات حول منظمة أبو نضال (1992)

خلال الـ13 من أغسطس (آب) 1992، أصدرت إدارة البحث والتحليل في قسم الشرق الأوسط وثيقة بخصوص رسالتكم إلى صندوق 500 بتاريخ السابع من أغسطس، التي طلبتم فيها تعليقات حول معلومات عن منظمة أبو نضال و"المجلس الثوري"، التي جرى تزويدنا بها من قبل السلطات اليونانية. وأكدت الوثيقة أن اليونانيين نسبوا المعلومات إلى مصدر في تونس، مشيرة إلى أن هذا المصدر قد يكون على الأرجح تابعاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما قد يؤثر في طبيعة المعلومات، لا سيما في ما يتعلق بنقل عناصر المجلس الثوري إلى الخارج.

وذكرت الوثيقة أن هناك آخرين أكثر دراية للتعليق على التحركات المتعلقة بالأفراد والتغيرات في توازن القوى داخل المنظمة. وأكدت أنه لا توجد بيانات مؤكدة حول أي اتفاق بين المجلس الثوري والمكتب اللبناني، لكنها رجحت أن يكون ذلك ممكناً، معتبرة إياه مجرد نسخة أخرى من نمط "حماية المصالح".

 

وأشارت الوثيقة إلى أن مصادر عدة، لبنانية وفلسطينية، أفادت بأن المجلس الثوري بدأ بتسييل بعض ممتلكاته العقارية في منطقة صيدا، التي يقدر حجمها بالهائل. وأوضحت الوثيقة أن أسباب تسييل هذه الأصول متباينة، وتشمل الحاجة لتعويض النقدية المفقودة في انهيار بنك BCCI، وتغطية خسائر ناجمة عن الأداء العام الضعيف للاقتصاد اللبناني، وإعادة تمويل مشاريع تجارية شرعية تأثرت بالتغيرات في أوروبا الشرقية، والحاجة إلى الأصول السائلة لتمويل الصراع المستمر مع حركة "فتح". وأكدت الوثيقة أن أياً من هذه الأسباب أو جميعها يمكن أن يكون مبرراً للتصرفات المذكورة.

وورد أيضاً أن آخرين هم أكثر قدرة على التعليق حول ما إذا كان المجلس الثوري يقوم بنقل عناصر إلى الخارج. وأكدت الوثيقة أنه إذا كان المصدر التونسي تابعاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، أو حتى إذا كان التونسيون غاضبين من تهديد المجلس الثوري، فقد يكون هناك دافع خفي لتصوير المجلس الثوري على أنه تنظيم خطر ويهدد مصالح الأوروبيين، مع تأكيد أن هذا ليس من الضروري الإفصاح عنه.

اجتماع أوروبي حول تهديد المجلس الثوري (1992)

خلال الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 1992، عقدت مجموعة العمل التابعة للمجلس الأوروبي السياسي اجتماعاً حول الإرهاب، إذ أشارت الوثيقة البريطانية إلى أن الهدف من الاجتماع كان تبادل وجهات النظر حول التطورات الأخيرة، وتذكير المشاركين بما جرى الاتفاق عليه في اجتماع المجلس الأوروبي السياسي خلال يونيو 1991.

وقدمت الوثيقة تقارير حول الخلافات داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وجماعة أبو نضال، و"المجلس الثوري"، مشيرة إلى وجود دلائل على انقسامات داخلية وإمكانية تشكيل مجموعات منفصلة، ورجحت احتمال أن تكون إحدى هذه المجموعات مسؤولة عن اغتيال عاطف بسيسو داخل باريس. وأظهرت الوثيقة وجود روايات متضاربة حول مدى مغادرة المجلس الثوري لطرابلس وانتقاله إلى مواقع أخرى مثل العراق أو السودان، وتصاعد عمليات القتل بين "فتح" و"المجلس الثوري" في لبنان.

 

وأشارت الوثيقة أيضاً إلى حادثة إطلاق النار على دبلوماسي كويتي داخل براغ خلال الـ27 من سبتمبر، إذ رجحت التقارير الأولية أن تكون الحادثة جنائية، إلا أن الأمر لم يتأكد بعد. وأكدت الوثيقة أنه لا يزال من غير الواضح ما تعنيه هذه الأحداث جميعها، أو ما إذا كان هناك مبالغة في تفسيرها، لكنها شددت على أن أي انقسام في "المجلس الثوري" سيكون له تبعات خطرة ويستدعي مراقبته من كثب، داعية المشاركين لإبداء آرائهم حول ذلك.

وذكرت الوثيقة أنه من المناسب تذكير الشركاء بالاقتراح الذي طرح خلال يونيو 1991 لاستبعاد ممثلي "المجلس الثوري" من أراضي الدول الـ12، موضحة أن الشركاء وافقوا على التفكير في الأمر. وأكدت الوثيقة أنه لم تقع أي هجمات خلال الفترة التي تلت ذلك، لكنها رجحت أن تطبيق هذا الإجراء سيبعث برسالة مهمة إلى "المجلس الثوري" (الذي هاجم مصالح المملكة المتحدة 19 مرة) وإلى رعاته.

غموض حول تحركات التنظيم ومكان صبري البنا

خلال الـ25 من سبتمبر 1992، أصدرت وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية وثيقة بخصوص منظمة التحرير الفلسطينية، وجماعة أبو نضال المعروفة أيضاً باسم "المجلس الثوري"، تناولت فيها التطورات الأخيرة داخل المنظمة. وأشارت الوثيقة إلى أنه، وكما نوقش في اليوم نفسه، ظهرت دلائل على احتمال وقوع اضطرابات داخلية في صفوف "أبو نضال".

وقدمت الوثيقة شرحاً تفصيلياً لأبرز المؤشرات، مشيرة إلى تصاعد عمليات القتل بين "المجلس الثوري" و"فتح" في لبنان، واغتيال عفيف بسيسو داخل باريس، والإشارات المتضاربة حول انسحاب المجلس من ليبيا وانتقاله إلى أماكن أخرى، إضافة إلى الغموض حول مكان صبري البنا، وحادثة إطلاق النار على دبلوماسي كويتي في براغ خلال اليوم السابق.

 

وأكدت الوثيقة أنه من الممكن ألا تكون حادثة بسيسو أو حادثة إطلاق النار في براغ مرتبطة بالمجلس الثوري، لكنها رجحت أن هناك مؤشرات كافية تستدعي دراسة دقيقة لما يجري، مشيرة إلى أن أي انقسام في "المجلس الثوري" قد يحمل تبعات خطرة على مصالح المملكة المتحدة. موضحة أنه سيكون من المفيد إعداد تقييم شامل حول المجلس الثوري يغطي كل تفاصيل الانقسامات الداخلية ومكان وجود قواته، موضحة أن هذا التقييم مطلوب بحلول نهاية الـ30 من سبتمبر، ليُأخذ في الاعتبار خلال اجتماع مجموعة العمل التابعة للمجلس الأوروبي السياسي حول الإرهاب، المزمع عقده في بروكسل خلال الثاني من أكتوبر.

بعد عقود من النشاط المسلح والعمليات الدولية، انتهت حياة صبري البنا، المعروف بـأبو نضال وزعيم المجلس الثوري، في ظروف غامضة ببغداد عام 2002، لتفتح تساؤلات حول طبيعة وفاته ودوره التاريخي في الصراعات الفلسطينية والإقليمية.

زعمت السلطات العراقية حينها أن وفاته كانت انتحاراً برصاصة في الفم أثناء مداهمة أمنية، وتشير تقديرات واتهامات أخرى، خصوصاً من داخل حركته، إلى أنه قُتل على يد الاستخبارات العراقية قبيل الغزو الأميركي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير