Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كشخة العيد في ورطة مع تأخر الشحن وإغلاقات الأجواء

قلق بين المتسوقين عبر الإنترنت يضعهم في حال ترقب ومتخصصون يرجحون تأخر الطلبات الإلكترونية

لا أحد يختزل التوترات في المنطقة بتأخر طرد بريدي، فالمشهد يتجاوز بكثير مسألة وصول شحنة ملابس في موعدها (أ ف ب)

ملخص

التوترات العسكرية في المنطقة تربك سلاسل الإمداد خلال رمضان، وتؤدي إلى تأخر الشحنات وارتفاع كلف النقل البحري والجوي. ومع تغيير مسارات السفن وفرض رسوم أخطار الحرب، تواجه الشركات خيارات مكلفة بين الرحلات الأطول أو الشحن الجوي، مما ينعكس على الأسعار وتوافر السلع مع اقتراب العيد.

مع حلول شهر رمضان وقبل أسابيع قليلة من موسم العيد، كانت المتاجر الإلكترونية ومراكز التسوق في المنطقة تستعد لذروة سنوية معتادة، عبر حملات ترويجية مبكرة وطلبات مكثفة من آسيا وأوروبا، وشحنات يفترض أن تصل تباعاً لتملأ الأرفف. فخلال هذا الموسم تقاس حركة الشحن بالدقائق، ويرصد سباق "كشخة العيد" قبل حلوله بوقت كافٍ.

لكن هذا العام يسير بإيقاع مختلف، فخريطة الموضة لم تعُد تمر فقط عبر خطوط القصات والألوان، بل عبر خرائط أكثر تعقيداً ترسمها الجغرافيا السياسية، إذ إن التوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة وما تبعها من اضطراب في مسارات الشحن البحري والجوي ألقيا بظلالهما على سلاسل الإمداد، لتتحول "سلة المشتريات" إلى مرآة تعكس هشاشة التجارة أمام النزاعات، مع تأخر في وصول الطرود وارتفاع في كلف النقل وقلق يتصاعد بين التجار والمستهلكين في وقت يفترض أن يكون عنوانه الاستعداد والفرح.

هل يتأثر العيد؟

لا أحد يختزل التوترات في المنطقة بتأخر طرد بريدي، فالمشهد يتجاوز بكثير مسألة وصول شحنة ملابس في موعدها، غير أن أثر الأزمات لا يبقى في العناوين الكبرى، بل يتسلل بهدوء إلى التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية.

تقول لطيفة، وهي أم لطفلين اعتادت أن تنهي تجهيزات العيد باكراً عبر التسوق الإلكتروني، إن الرسالة التي وصلتها من موقع الشراء كانت بمثابة تذكير شخصي بهذا الترابط الخفي. "وصلني إشعار بأن شحنتي قد تتأخر بسبب ظروف لوجستية مرتبطة بالأوضاع الحالية". ولم يكُن الأمر صادماً بقدر ما كان محزناً، إذ شعرت فجأة بأن حتى التفاصيل الصغيرة التي نخطط لها للعيد يمكن أن تتأثر.

وتضيف "أعلم أن هناك ما هو أهم وأخطر، لكن العيد بالنسبة إلينا طقس عائلي مهم يتحمس له الكبار قبل الأطفال. اشتريت الهدايا وملابس الأطفال باكراً حتى أتجنب الزحام، وأتجنب أيضاً فكرة تأخير الشحنات المعتادة خلال موسم رمضان. لكن مع الأحداث الحالية، حتى الشراء الباكر لم يبعد احتمال التأخير. فكرة أن تصل الشحنات بعد العيد تجعلني أشعر بأن الاستعداد نفسه لم يعُد مضموناً".

بالنسبة إليها لا يتعلق القلق بقطعة ملابس بحد ذاتها، بل بحال عدم اليقين، فنحن نتمم الطلب بضغطة زر، لكن خلف هذه الضغطة تمتد طرق وبحار وأجواء تتعطل ربما في أية لحظة.

كشخة العيد رهينة لمسارات الملاحة

يؤكد الخبير اللوجستي نشمي الحربي أن الشحنات الحالية أصبحت رهينة مسارات الملاحة، مشيراً إلى أن موسم العيد هذا العام يقدم مثالاً واضحاً على ذلك، إذ إن البضائع الموسمية في رمضان إما عالقة في طرق الشحن أو تصل بكلف مضاعفة، ويضيف أن "كشخة العيد" من ملابس وإلكترونيات وهدايا هي في الأصل نتاج سلسلة إمداد تمتد من آسيا إلى الخليج عبر ممرات باتت مضطربة، مما يجعل الحل لتخفيف هذه التبعية يتمثل في بناء مخزون استراتيجي مسبق وتطوير سلاسل إمداد إقليمية ومحلية أكثر استقلالية.

ويشرح أن البديل الأول للمسارات الحالية هو الدوران حول رأس الرجاء الصالح، وهو الخيار الأكثر استخداماً حالياً، لكنه يضيف ما بين 15 و20 يوماً إلى زمن الرحلة ويرفع الكلف نحو 40 في المئة. أما البديل الثاني، فهو الشحن متعدد الوسائط (Sea-Air)، أي نقل البضائع بحراً حتى ميناء آمن مثل سنغافورة أو عدن ثم شحنها جواً إلى الوجهة النهائية، وهو أسرع من الدوران حول أفريقيا لكنه أعلى كلفة.

أما الخيار الثالث، فهو الشحن الجوي المباشر وهو الأسرع على الإطلاق، لكنه الأغلى بفارق كبير، ويقتصر عملياً على البضائع العاجلة وعالية القيمة. ويشير الحربي إلى أن المشكلة الأعمق في الأزمة الحالية أن الاضطراب يطاول البحر والجو معاً، مما يضيق الخيارات أمام الشركات بصورة غير مسبوقة، مؤكداً أن الشركات التي تمتلك مخزوناً استراتيجياً مسبقاً هي الوحيدة القادرة على الصمود من دون خسائر كبيرة.

ويحذر من أن توقيت الأزمة شديد الحساسية، إذ يأتي في قلب موسم رمضان والعيد، موضحاً أن أي تأخير بنحو أسبوعين من الممكن أن يرفع كلف الشحن بين 25 و30 في المئة، ويعني ربما وصول البضائع الموسمية بعد انتهاء الموسم. لذلك تجد الشركات التي لم تبنِ مخزوناً مسبقاً نفسها أمام خيارين كلاهما مكلف، اللجوء إلى الشحن الجوي الطارئ أو خسارة الموسم بالكامل.

ويختتم الحربي بالإشارة إلى أن التعافي لن يكون فورياً حتى بعد انتهاء التوترات، مرجحاً أن تستغرق معالجة تراكم الشحنات وإعادة تموضع السفن والحاويات أسابيع أو حتى أشهراً، ولفت إلى أن تجربة أزمة البحر الأحمر بين عامي 2023 و2024 أظهرت أن الأسواق تحتاج إلى ما بين ثلاثة وستة أشهر لاستعادة التوازن الكامل بعد زوال التهديد.

ثقل اقتصادي

وفي السياق يؤكد المتخصص في الشأن المالي عبدالله الصقعبي أن رمضان والعيد لا يمثلان مجرد ذروة استهلاكية عابرة، بل إنهما اختبار ضغط سنوي لقدرة الأسواق على الاستجابة السريعة، فخلال أسابيع محدودة يتسارع الطلب على الغذاء والملابس والهدايا، وتتضاعف حركة الطرود والتجارة الإلكترونية، وتعمل سلاسل الإمداد عند حدودها القصوى. وعندما تتزامن هذه الذروة مع توتر جيوسياسي، لا يعود السؤال مقتصراً على حجم الطلب، بل يمتد إلى كيفية تسعير الأخطار في البحر والجو، وكيف تنتقل تلك الأخطار تدريجاً إلى كلفة السلع على الرف.

ويشير الصقعبي إلى أن الثقل الاقتصادي لأي تهديد للممرات البحرية الحيوية لا ينعكس فقط على أسعار الطاقة، بل يترجم مباشرة إلى ارتفاع في كلف الشحن والتأمين. فالسوق، كما يقول، لا تنتظر وقوع الإغلاق الفعلي، بل تبدأ بتسعير الاحتمالات عبر رفع أقساط التأمين واعتماد مسارات أطول وتحميل زمن إضافي على الرحلات، وهي كلفة تتراكم حتى تصل إلى المستهلك النهائي.

ويشرح أن أثر الاضطراب اللوجستي لا يمر عبر قناة واحدة، بل عبر ثلاث قنوات متزامنة، أولها ارتفاع كلفة النقل والتأمين ضمن بيئات الأخطار، وثانيها كلفة الزمن، إذ يصبح التأخير في موسم قصير مرادفاً لفقدان نافذة بيع أو نفاد مخزون، مما يدفع التجار إلى بدائل أعلى كلفة مثل الشحن الجوي أو الشراء العاجل من أسواق أقرب. أما القناة الثالثة، فتتمثل في التوافر وجودة البدائل، فمن المحتمل ألا يظهر الأثر في صورة زيادة سعرية مباشرة، بل في نقص بعض الأصناف أو التحول إلى بدائل أقل جودة.

ويضيف أن ما يبدو للمستهلك تأخراً بسيطاً في التسليم قد يكون في حقيقته كلفة أخطار انتقلت من البحر إلى الرف، ففي قطاع الغذاء، تتزايد الحساسية في السلع المستوردة سريعة الدوران أو المرتبطة بجداول تسليم دقيقة، بينما يكون أثر التأخير في قطاع الملابس مضاعفاً بسبب قصر الموسم، مما يدفع الموردين إلى تسعير الأخطار مقدماً. وبين هذين القطاعين تنشط التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، حيث يصبح الشحن جزءاً من قرار الشراء نفسه.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يرى الصقعبي أن أسعار الشحن البحري قد تشهد ارتفاعات تدريجية نتيجة إطالة المسارات وزيادة التأمين، مع احتمال قفزات أكبر إذا تعطلت نقاط اختناق بحرية رئيسة، ومن الممكن أيضاً أن تنتقل بعض السلع الحساسة زمنياً إلى الشحن الجوي، مما يضغط على السلعة ويرفع الكلفة، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع إغلاق أو إعادة توجيه للمجال الجوي، فتتآكل ميزة السرعة أمام عبء الكلفة.

ويؤكد أن رسوم أخطار الحرب التي تفرضها شركات الشحن أو التأمين في المناطق عالية الخطورة لا تبقى عند حدود تلك الشركات، بل تنتقل عبر سلسلة التوريد حتى تصل إلى السعر النهائي. وقد لا يرى المستهلك بنداً واضحاً بهذا الاسم، لكنه يلمس أثره في زيادة السعر أو كلفة التوصيل أو محدودية التوافر.

خيارات صعبة

وفيما أظهرت تقارير منشورة في صحيفة "بزنس إنسايدر"  Business Insider أن التوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة أثرت بصورة مباشرة في حركة الشحن الدولية، وأجبرت شركات عالمية على تغيير مسارات السفن وتأخير الشحنات، شهد مضيق هرمز تراجعاً حاداً في حركة السفن، مما دفع عدداً من شركات نقل الحاويات إلى تجنب المرور عبر المياه الخليجية تماماً أو تحويل رحلاتها إلى مسارات أطول مثل الدوران حول رأس الرجاء الصالح، مما يزيد أمد الرحلات أياماً ويرتّب كلفاً إضافية.

ويوضح التقرير أن بعض شركات الشحن الكبرى، من  بينها  "أمس أس سي"MSC و"ميرسك"Maersk  و"سي أم أي سي جي أم"CMA CGM   علقت السفر عبر المسارات التقليدية أو أضافت رسوم أخطار الحرب لتعويض ارتفاع الكلف وأخطار الملاحة، بينما تتفكك شبكات الشحن الجوي بسبب الإغلاق المفاجئ للمجال الجوي في أجزاء من الشرق الأوسط، مما أدى إلى تعليق أو إعادة توجيه رحلات الشحن الجوي وتقليص القدرة الاستيعابية في هذا القطاع.

وتشير البيانات إلى أن غالبية شركات الشحن التي كانت تعتمد على الممرات التقليدية تواجه الآن اختيارات صعبة بين الرحلات الأطول والأكثر كلفة أو التعليق الكامل للخدمات إلى بعض الموانئ الخليجية، مع انعكاس ذلك على تدفق السلع الاستهلاكية والإلكترونيات وقطع الغيار والمواد الغذائية إلى الأسواق الإقليمية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير