ملخص
يعتمد العراق على الغاز الإيراني في أكثر من 30 في المئة من إجمال إنتاجه الكهربائي، بحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بينما أفاد متحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية بأن إيران توفر ما بين ثلث و40 في المئة من حاجات البلاد من الغاز والطاقة.
أعلنت وزارة الكهرباء العراقية أمس انقطاعاً شاملاً للشبكة الكهربائية في جميع المحافظات، عازية ذلك إلى انخفاض مفاجئ في إمدادات الغاز المغذي لمحطة الرميلة الغازية في محافظة البصرة جنوب البلاد، مما أدى إلى فقدان سريع في القدرة التوليدية وانهيار المنظومة الكهربائية على مستوى العراق، تزامناً مع بدء إجراءات إعادة التشغيل تدريجاً.
واليوم عاد التيار الكهربائي المبرمج وزادت فترات التقنين، ولم يوضح بيان الوزارة أسباب هذا التراجع المفاجئ في الإمدادات، سواء كان مرتبطاً بمصدر الغاز أو بخطوط النقل، أو بخلل تشغيلي داخل شبكة الغاز.
وأشارت الوزارة إلى أن الانخفاض أدى إلى خسارة تقارب 1900 ميغاوات دفعة واحدة، مما سرع في انهيار المنظومة الكهربائية. وبدأت عمليات إعادة التشغيل وفق آلية تدريجية.
ويعتمد العراق على الغاز الإيراني في أكثر من 30 في المئة من إجمال إنتاجه الكهربائي، بحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بينما أفاد متحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية بأن إيران توفر ما بين ثلث و40 في المئة من حاجات البلاد من الغاز والطاقة.
ويعاني قطاع الكهرباء في العراق فجوة مزمنة بين الإنتاج والطلب على رغم ارتفاع القدرة المتاحة خلال الأعوام الأخيرة، إذ تقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية المعروض الأقصى المتاح وقت الذروة في العراق الاتحادي خلال عام 2024 بنحو 25 غيغاوات، مقابل حاجة صيفية تقارب 48 غيغاوات لتغطية الطلب في أوقات الذروة، وهو ما يفسر استمرار التقنين والانقطاعات.
وتواصل بغداد الاعتماد على الغاز الإيراني لتشغيل محطات رئيسة، إذ تنص الترتيبات الممددة مع طهران على إمدادات تصل إلى 50 مليون متر مكعب يومياً بحسب حاجة المحطات.
ونقلت "رويترز" عن مسؤولين عراقيين أن فقدان هذه الإمدادات يمكن أن يخفض إنتاج العراق الكهربائي اليومي بنحو الثلث من مستوى يدور حول 27 ألف ميغاوات. وبحسب مسؤول عراقي، فإن واردات الغاز الإيراني بلغت 9.5 مليار متر مكعب خلال عام 2024.
لماذا يهدر العراق غازه ويستورده؟
على رغم امتلاك العراق احتياطات غاز مثبتة تقدر بنحو 131 تريليون قدم مكعب ضمن بيانات عام 2023، فإن قطاع الغاز لا يزال يواجه اختناقات تنظيمية واستثمارية وبنيوية حدت من نمو الإنتاج المتاح للبيع منذ أعوام.
وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو ثلثي إنتاج العراق الغازي يأتي من الغاز المصاحب لاستخراج النفط، فيما ارتفع إجمال إنتاج الغاز إلى 372 مليار قدم مكعب عام 2023، مقابل استهلاك محلي أعلى بكثير بلغ 682 مليار قدم مكعب، معظمه موجه لتوليد الكهرباء.
وفي الوقت نفسه، أحرق العراق نحو 625 مليار قدم مكعب من الغاز عام 2023 بسبب ضعف قدرات النقل والمعالجة والبنية الوسطية، ليبقى ثاني دولة في العالم في حرق الغاز بعد روسيا، مما يفاقم الخسائر الاقتصادية والضغط البيئي، وفق المتخصص الاقتصادي محمد عنبر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويؤكد أن العراق يهدر كميات ضخمة من الغاز خلال وقت يعاني فيه عجزاً كهربائياً ويواصل البحث عن إمدادات إضافية، مما يجعل الحرق جزءاً من أزمة الكهرباء نفسها.
ويقول إن "المشكلة الأساس هنا أن العراق لم يستورد فقط وقوداً، وإنما استورد معه هشاشة القرار الخارجي. وكلما ارتفعت الحاجة داخل إيران، أو تتعقد المدفوعات، أو تتشدد العقوبات، ينتقل الخلل بسرعة إلى البيوت العراقية، إذ تسحب - مسرعة - إيران وتقيد إمدادات الغاز إلى العراق، حتى في أيام السلم وخلال مواسم ذروة الطلب الكهربائي بسبب ارتفاع الطلب الداخلي الإيراني وصعوبات العراق في الدفع المباشر".
كثير من الحقول النفطية أعيد تطويرها تاريخياً من دون منظومات كافية لجمع الغاز المصاحب وضغطه ومعالجته ونقله، ومن ثم أصبح تركيب هذه المنظومات لاحقاً مكلفاً ومعقداً.
يذكر معهد بيكر أن نقص البنية اللازمة لالتقاط الغاز ومعالجته ونقله إلى محطات الكهرباء هو السبب الأكبر لاستمرار الحرق الذي يحدث أيضاً بسبب نقص سعات الأنابيب والبنية الوسطية اللازمة لنقل الغاز ومعالجته من مناطق الإنتاج النفطي إلى مراكز الطلب.
لماذا تقطع إيران الغاز؟
خلال يناير (كانون الثاني) 2026، نقلت وزارة الكهرباء العراقية أن الإمدادات الإيرانية توقفت بسبب انخفاض الحرارة واحتياج إيران الداخلي للغاز، وأن العراق خسر من 4000 إلى 4500 ميغاوات نتيجة ذلك.
استؤنفت الإمدادات خلال فبراير (شباط) 2026، إلا أن المعدل المعلن لم يتجاوز 7 ملايين متر مكعب يومياً، وهو مستوى يقل كثيراً عن سقف 50 مليون متر مكعب يومياً المنصوص عليه في الترتيبات التعاقدية بحسب الحاجة. وتكررت الحالة نفسها خلال ديسمبر (كانون الأول) 2025، حين خفضت إيران الإمدادات لتلبية حاجاتها الداخلية. ولم يقتصر الأمر على هذين العامين، إذ درجت طهران على تقليص الصادرات بصورة دورية خلال فترات الذروة صيفاً وشتاءً.
ويعد هذا السلوك مفهوماً من منظور إدارة الموارد الوطنية، كما يوضح المتخصص الاقتصادي محمد عنبر، إذ تميل الدول إلى إعطاء الأولوية لطلبها الداخلي. غير أن هذه المقاربة، حين تتسم بالتذبذب، تضع العراق أمام أزمات كهربائية متكررة. ويضيف عنبر أن جوهر المشكلة يكمن في الجانب المحلي، الذي يبرم تعاقدات من دون بناء بدائل مستدامة، مما يكلف الخزانة مبالغ طائلة سنوياً. ويقول إن العراق لا يدفع ثمن الغاز الإيراني فحسب، بل يدفع أيضاً كلفة التأخر التاريخي في تطوير منظومة غاز وطنية قادرة على جمع الغاز المصاحب ومعالجته ونقله إلى محطات التوليد. وبذلك تتضاعف الفاتورة، عبر استيراد بمليارات الدولارات وهشاشة تشغيلية تجعل أية أزمة داخل إيران أو أي ارتباك سياسي أو مالي يتحول سريعاً إلى عجز كهربائي وانقطاعات داخل العراق.
وعلى رغم أن واشنطن كررت، عبر إدارات متعاقبة، دعواتها لبغداد إلى تقليص الاعتماد على الطاقة الإيرانية، واستمرت لأعوام في تجديد الإعفاءات مقرونة بضغوط سياسية قبل إنهاء إعفاء الكهرباء ومراجعة الإعفاءات الأخرى عام 2025، فإن استمرار التعاقد مع إيران يرتبط بعوامل فنية وجغرافية مباشرة. في مقدمها القرب الجغرافي، ووجود بنية ربط قائمة تغذي محطات قريبة من بغداد والبصرة بسرعة، فضلاً عن غياب بديل فوري قادر على تعويض الكميات المطلوبة على المدى القصير. أما البدائل الأخرى، مثل الربط الإقليمي أو استيراد الغاز المسال، فتتطلب وقتاً وبنية تحتية إضافية قبل أن تحدث أثراً ملموساً في مستوى التجهيز، بحسب عنبر.
وبدأ العراق استيراد الغاز من إيران عام 2017، بعدما سبق نمو الطلب تطور البنية التحتية الغازية المحلية، لدعم تشغيل محطات رئيسة قرب بغداد والبصرة. وفي المقابل، نقلت "رويترز" عن مسؤولين عراقيين عام 2025 أن بغداد لا تملك بديلاً فورياً يعوض واردات الطاقة من إيران، على رغم اتجاهها إلى خيارات مثل استيراد الغاز المسال عبر خور الزبير بطاقة أولية تقل كثيراً عن مستويات الإمداد الإيراني المعتادة.
وخلال أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وقعت بغداد عقداً مع تركمانستان لاستيراد الغاز عبر شبكة الأنابيب الإيرانية، مع الإقرار بأن العبور عبر الأراضي الإيرانية قد يطرح تحديات إضافية. وبدأ العراق خلال عام 2024 استيراد الكهرباء عبر روابط جديدة مع تركيا والأردن، ويعمل على مشاريع ربط مع مجلس التعاون الخليجي والسعودية. غير أن هذه المسارات تخفف الضغط تدريجاً ولا تعوض وحدها الوزن النسبي للغاز الإيراني في تشغيل المحطات.
قبل أيام من الانطفاء الشامل، أكد المتحدث باسم وزارة الكهرباء أحمد موسى أن صادرات الغاز الإيراني إلى العراق مستمرة على رغم التوترات الإقليمية والحرب. وكانت "رويترز" نقلت عن مسؤولين في قطاع الطاقة أن العراق يدفع لإيران ما بين 4 و5 مليارات دولار سنوياً مقابل واردات الغاز، مع إمدادات قد تصل إلى 50 مليون متر مكعب يومياً بحسب الحاجة ضمن عقد ممدد. ويعادل ذلك نحو 333 إلى 417 مليون دولار شهرياً، أو ما بين 11 و13.7 مليون دولار يومياً إذا استمر الإنفاق بالمعدل ذاته طوال العام. كذلك صرح نائب وزير النفط الإيراني لشؤون الغاز مجيد جكني عام 2024، بأن صادرات بلاده إلى العراق منذ عام 2017 بلغت نحو 52 مليار متر مكعب بقيمة تقارب 15 مليار دولار.
ويرى عنبر أن استمرار الحرب سيزيد، بلا شك، من ساعات الانقطاع ما لم توفر بدائل حقيقية، وقد يصل الأمر إلى مراحل أكثر خطورة. ويشير إلى أن العراق يسعى قبل عام 2030 إلى الاقتراب من الاكتفاء الذاتي عبر رفع إنتاجه من حقول الغاز. ووفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، دخل عدد من مشاريع معالجة الغاز حيز التشغيل بين نهايتي عامي 2023 و2024، فيما ينتظر دخول مشاريع أخرى قبل عام 2030 لتعزيز طاقة المعالجة المحلية. ومن بين المشاريع المنجزة محطة معالجة غاز حقل الحلفاية في ميسان التابعة لشركة CNPC، بطاقة قصوى تقارب 300 مليون قدم مكعب يومياً. أما مشروع استثمار غاز الناصرية والغراف في ذي قار، المنفذ بالتعاون بين شركة غاز الجنوب وBaker Hughes، فكان مدرجاً ضمن مشاريع عام 2026، قبل أن تعلن وزارة النفط العراقية أن تشغيله سيُرجأ إلى الربع الأول من عام 2027 مع دخول مرحلة نصب المعدات التخصصية.
ولم يصدر حتى الآن تصريح رسمي من وزارة الكهرباء في شأن عودة الطاقة إلى المدن والمحافظات العراقية.