Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تسريبات إقالة شقيقي الشرع... تصحيح مسار أم جس نبض؟

كان تعليق والد الرئيس السوري كفيلاً بنقل مستوى المنشورات إلى التأكيدات العائلية وعلى رغم أن المصدر الرسمي لا يزال غائباً

تسريبات إقالة شقيقي الشرع تعيد طرح معضلة التوظيف العائلي والمحسوبيات في سوريا (أ ف ب)

ملخص

قال أحد الموظفين المركزيين في وزارة رئاسة الجمهورية السابقة في حكومة الأسد "جرت العادة طيلة أعوام في العمل الرئاسي والحكومي، أن تصدر الأخبار الحساسة أولاً عبر تسريبات لا تأكيدات في محاولة لجس نبض الشارع وقياس حرارة الرأي العام وتفاعله. فالتسريب يحمي السلطة من تبعات أية مفاجأة سياسية غير متوقعة، ويكون مهد لها أرضية رؤية واضحة لخلفيات الأمر.

نشرت أخيراً، بعض المواقع الإخبارية السورية المحسوبة على السلطة السورية الحالية، ما سمته بتسريبات مؤكدة تتعلق بنية الرئيس أحمد الشرع عزل إخوته من مواقع القرار والمسؤولية التي عهدت إليهم عقب سقوط النظام السابق.

الحديث بحد ذاته في هذا الأمر بدا قنبلة سياسية على اعتبار أن التسريبات لم تطل شخصيات عادية يمكن استبدالها في إطار روتيني، وإنما جاءت لتشمل ماهر الشرع الذي يشغل منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية، والقائم بأعمال رئيس الحكومة في الظل، باعتبار عدم تسمية رئيس للحكومة السورية منذ إعلانها قبل عام. أما الاسم الثاني، وهو الأخ الثاني حازم الشرع، الذي يشغل منصباً أكثر خصوصية وحساسية، وهو رئاسة مجلس التنمية الاقتصادية بصورة غير مباشرة، ورئيس هيئة الاستثمار، والصندوق السيادي، ومناصب أخرى تتعلق بصلب الاقتصاد الحيوي المباشر، ما ظهر منه وما خفي. ماهر يتحكم في إدارة الشؤون الرئاسية، وحازم يمسك مفاصل الاقتصاد والموارد.

التسريبات ربطت بين إبعاد الأخين عن موقع المسؤولية تحت وطأة الضغط الشعبي المتململ من حالة المحسوبيات، التي باتت قائمة في سوريا، والتي افترضت أن يقوم المسؤول بتعيين إخوته وأقاربه وأبناء عشيرته حوله في كل مفصل مهم. حالة المحسوبيات تلك تعارضت بصورة بينة مع وعود المرحلة الجديدة بإنهاء إرث العائلة الحاكمة وتفكيك صورة الولاءات، ولكن ما حدث كان العكس تماماً، ظل المعيار هو الولاء لا الكفاءة.

كان يمكن أن تمر التسريبات بصورة عادية، بخاصة أنها لم تنسب لمصادر صريحة، لكن والد رئيس الجمهورية، حسين الشرع، هو من تولى تفجير القنبلة على الملأ بوضعه تعليقاً من حسابه الموثق على "فيسبوك"، يؤكد فيه تلك التسريبات، معلناً أن أولاده "أدوا ما كلفوا به وخرجوا نظيفي اليد"، وأضاف "نعم، الخبر صحيح، ويجري البحث عن بديل". وكان هذا التعليق كفيلاً بنقل مستوى التسريبات إلى التأكيدات العائلية، وعلى رغم ذلك لا يزال المصدر الرسمي غائباً.

ثِقلُ الأشقاء

عبد حمد من أوائل الموظفين الحكوميين الذين انشقوا عن نظام الأسد في عام 2011 وغادر إلى تركيا، يقول "استمرت انتفاضتنا 14 عاماً، كان الهدف في كل لحظة ومفصل الإطاحة بنظام الأسد وشبكته العائلية الممتدة لتحيطه بنفوذ سياسي وأمني واقتصادي من حوله، ثم لتمتد أكثر نحو المجتمع في معادلة الولاء والمحسوبيات وتقديم شروط الطاعة. نحن أردنا سوريا جديدة بالكامل، فكانت المطالب بنيوية ملحة، لكن الواقع بعد التحرير جاء مغايراً، فقد أعيد تدوير الأسماء فقط وكأن النظام لم يسقط، كل مسؤول جاء بعائلته وسلمها مفاتيح القرار حول مركزه. هناك مسؤول واحد عين خمسة من إخوته في مواقع قرار، ونقيس على ذلك، فهل تغيرت البنية أم الرأس؟ نحن نقرأ الوقائع من إطار الرموز ونستفهم الواقع".

يقول أستاذ علم الاقتصاد المصرفي حيان عربي، إن "سوريا تعيش أزمات داخلية خانقة على الصعد السياسية والاجتماعية والأمنية، وهنا، بعيداً عن محاولة إثبات وقائع فساد، ولكن الشبهة تظل حائمة حين تستبعد الكفاءات لمصلحة الدوائر الضيقة. وقد فهم السوريون أن ‘هيئة تحرير الشام‘ لا تثق إلا بنفسها من أجل التجانس في المرحلة الأولى، ولكن كاد ينقضي على وصولها إلى الحكم عام ونصف العام، ألم تجد كفاءات من خارج إدلب؟ هذه كانت مشكلة الأسد، ذات يوم قال في اجتماع حزبي، وأنقل هنا حرفياً عن أحد الحاضرين الذي سأله عن أداء الحكومة السيئ، فأجابه الأسد: ‘من أين آتي بحكومة شريفة، الحكومة من الشعب وهذا هو الشعب‘، فإذا كنا نقاد بالمنطق ذاته الآن فنحن ذاهبون إلى كارثة".

تصحيح أم امتصاص احتقان؟

تطرح الدوائر السياسية السورية المستقلة أسئلة حول أسباب إعفاء الشقيقين من مهامها السيادية العليا، وتتفاوت آراؤهم بين أن تكون الدوافع جدية في منع احتكار السلطة للعائلة ومن ثم فهي مراجعة داخلية فعلية لمسار الإدارة، أم إن الأمر يتعلق بكونه خطوة نظرية تهدف لامتصاص الغضب الشعبي.

الخبير السياسي عباس شرف يقول، "إن كان الهدف هو تصحيح المسار فهذا يعني أن السلطة فهمت بوضوح ضرورة التضحية بأسماء مقربة للغاية ضمن مسار براغماتي يخلص إلى أن الدولة تدار بعقلية المؤسسات لا الشراكات العائلية، وهذا أمر محمود إن كان عن قناعة فعلية لا صورية. أما لو كان الهدف فقط هو امتصاص الغضب وإرسال رسائل داخلية وخارجية، فهنا تختلف الرؤية السياسية جذرياً للقرار، فالاستبعاد هنا هو رضوخ لمطالب شعبية متصاعدة يصنعها الرأي العام، وقد يكون جزء منها نابعاً من صراع داخل أجنحة السلطة نفسها. السوريون يعرفون أن قادتهم اليوم ليسوا في أحسن وفاق، والأمور تدار بينهم بالمراضاة والموافقة على محاصصة المناصب، وهذا الخيار يعني الابتعاد عن الحوكمة الرشيدة والاقتراب من إعادة تموضع آخر، أو لنقل: انتقال الدور من العلن إلى الظل، وهذا الأخطر".

وأضاف، "هناك سيناريو ربما هو الأسوأ أن يكون طلب التغيير حصل داخلياً بين دوائر القرار الأمنية والعسكرية والسياسية، في سياق المطالبة بإعادة توزيع الأدوار وضبط المعادلة، خصوصاً في ظل حديث متداول عن اقتراب تشكيل حكومي جديد يستبعد وجوهاً قديمة راسخة ليضعها في أماكن أفضل بعيداً من قضايا الشارع، أي حكومة جديدة في وجه الشارع، وحكومة في الظل. وعليه من المستبعد أن يدير الشرع عائلياً بلداً كسوريا حاز قيادته بجهوده وجهود من وصل معه إلى دمشق، من هذا المنطلق أتحدث عن إمكانية أن تكون الضغوط داخلية في هذا التغيير".

جس النبض

تتساءل شريحة واسعة من السوريين: لماذا صدر الخبر كتسريب صحافي وهو بهذا الحجم من دون نسبه لمصدر صريح، ثم ليعود والد الشرع ويؤكده في تعليق على مواقع التواصل، وقد مضى أيام على الأمر من دون أن تصدر مؤسسة الرئاسة تعليقاً يتضمن توضيحاً يؤكد أو ينفي، تاركة الأمر في سياق التسريبات المؤكدة عائلياً لا رسمياً، على رغم أن الخبر بحد ذاته ليس بالأمر الصغير في مجريات الواقع السوري.

أحد الموظفين المركزيين في وزارة رئاسة الجمهورية السابقة في حكومة الأسد، صرح لـ"اندبندنت عربية" مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، بالقول "جرت العادة طيلة أعوام في العمل الرئاسي والحكومي، أن تصدر الأخبار الحساسة أولاً عبر تسريبات لا تأكيدات في محاولة لجس نبض الشارع وقياس حرارة الرأي العام وتفاعله، ولاختبار ردود فعله الأولية، وكذلك كرسائل لمراكز القرار الداخلية والخارجية. فالتسريب يحمي السلطة من تبعات أية مفاجأة سياسية غير متوقعة، ويكون مهد لها أرضية رؤية واضحة لخلفيات الأمر. وبعد قياس التفاعل يتخذ القرار، وقد يكون الأمر حتى الآن لا يزال مطروحاً للتداول والنقاش".

ويتابع "حين يكون الأمر لا يزال قيد التداول الداخلي الضيق، قد يجري حينها تسريبه من طرف آخر خارج الرئاسة بهدف الضغط عليها وتحويل الصراع إلى إعلامي محرج لا يمكن التراجع عنه، فترسيخه شعبياً يجعل من نفيه لاحقاً مكلفاً سياسياً وشعبياً. وقد يكون التزام الصمت الرئاسي جزءاً من خطة تتيح لها ألا تتراجع عن قرار لم تعلنه بنفسها، وكثيراً ما كانت ماكينات الأسد الإعلامية تفعل ذلك، التي كانت تدار من المكتب الإعلامي والسياسي في القصر الجمهوري. دائماً كانت تعتمد أساليب مشابهة في قضايا أقل أو أخطر شأناً، ولو على مستوى رصد الرأي العام حول رفع سعر الخبز مثلاً قبل إقرار الرفع فعلياً".

التأكيد الأبوي

يُقرأ تأكيد حسين الشرع والد الرئيس، الخبر، على أنه مساحة واسعة تشرح تفصيلاً، على رغم اقتضابها أن التغيير ليس لشبهات فساد أو خلافه، إنما لأسباب إدارية بحتة، وأن ولديه دخلا المنظومة وخرجا منها نظيفي الكف، أي إن الاستبعاد لم يكن محمولاً على تقصير أو سوء أداء، وبذلك يمنح ابنه الرئيس صك شرف سياسي، ويمنع الإحراج عن ولديه الآخرين، بحسب متابعين سياسيين.

قبل أشهر أكدت مصادر على اطلاع أن اجتماعاً عائلياً جرى داخل أسرة الشرع، وربما من هناك بدأت ملامح الاستبعاد، بعد أن أوضحت المصادر حينها امتعاض الشرع من أمور كثيرة تتعلق بمسؤولين لا يتطابقون و"الروح الثورية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"تلفزيون سوريا" المحسوب على السلطة، الذي يبث من تركيا كان أفاد حينها أيضاً بصحة الخبر، حيث نقل خبراً مفاده "عقد الرئيس الشرع اجتماعاً عائلياً، بحضور والده، حذر فيه أفراد الأسرة من استغلال اسم العائلة والكسب غير المشروع"، وكان ذلك بالتزامن مع تقرير "رويترز" نشر في أكتوبر (تشرين الأول) الفائت أشارت فيه إلى أن "الرئيس السوري، أحمد الشرع، ‘وبخ‘ مقربين وموالين له، بعد وصولهم لاستقباله بسيارات فارهة، فيما قيد النشاط التجاري لشقيقه، جمال الشرع، وأغلق مكتباً له ومنع الجهات الحكومية من العمل معه". ونقلت الوكالة عن أربعة مصادر مطلعة، طلبت عدم الكشف عن أسمائها، وشخصين حضرا لقاء عُقد في الـ30 من أغسطس (آب) الماضي، في مقر الشرع السابق في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، بعيداً من مكتبه الرسمي في دمشق، حيث ظهر الرئيس السوري محاطاً بمسؤولين أمنيين رفيعين. وخلال اللقاء، قال الرئيس الشرع مازحاً "لم أكن أعلم أن رواتب الحكومة مرتفعة إلى هذا الحد"، وذلك بعد وصول أكثر من 100 من الموالين إليه إلى مقره السابق، قادمين بسيارات فارهة من طراز "كاديلاك إسكاليد ورينج روفر وشيفروليه تاهو". وقال الشخصان إن الشرع "وبخ" المسؤولين ورجال الأعمال قائلاً "ألستم أبناء الانتفاضة؟ هل أغرتكم الدنيا بهذه السرعة؟".

مأزق السلطة والعائلة في سوريا

حساسية التسريبات المحتملة عن إقالة شقيقي الرئيس الشرع من مناصبهما العليا، تفتح أبواباً من التساؤلات عما هو أبعد وأعمق من ذلك بكثير، أي منطق التعيينات العائلية والعشائرية والمناطقية في سوريا والقدرة على بناء دولة مؤسسات لا دولة عائلات.

يقول الأكاديمي في العلوم السياسية إدريس فتاح إن "المشكلة لا تتعلق بمناصب إخوة الرئيس وتمددهم داخل مفاصل البلد فقط، بل هي تعكس توجهاً عاماً لكل مسؤولي سوريا الحاليين. أحد أوجه السلطة الفاعلة قال في حوار تلفزيوني أخيراً، إنه لو كان وزيراً لجاء بإخوته ليعينهم إلى جانبه. وما يحصل اليوم هو تكرار لتجربة حكم الهيئة في إدلب تماماً، وتلك التجربة لم تكن بأفضل حال، فالكاتب الأميركي الشهير مارك توين يقول: ‘التاريخ يمكن أن يعيد نفسه لكن تكلفته ستكون مضاعفة‘، والآن نحن أمام التكلفة المضاعفة".

ويختم "السلطة ترفض بصورة قاطعة الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو التوجه للمحاصصة باعتبار أنها يمكن أن تدمر الدولة، لكنها في المقابل تمارس المحاصصة الداخلية بأكبر صورها عبر امتداد شبكات النفوذ العائلية والطائفية داخل أدق مفاصل السلطة. وهنا نحن أمام مأزق هيكلي قائم على إرث محمول من الولاءات الشخصية التي لا تتوازن مع الكفاءة المؤسساتية. وفي هذا بحد ذاته نسفٌ لمفهوم العدالة الاجتماعية قبل العدالة الانتقالية، إذ لا يمكن للسلطة أن تظل تنظر لكل سكان المحافظات خارج إدلب على أنهم أشرار أو مشكوك بهم، ولا يمكنها أن تحكم سوريا بالنموذج الإدلبي الذي كان الناس فيه يتظاهرون ضد الهيئة قبل أشهر قليلة من سيطرتها على سوريا".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير