عمرو موسى: "إيران وتركيا تسعيان إلى لعب أدوار طامحة ومتربحة في المنطقة العربية ولا يمكن لقطر أن تمتلك مقاليد السيطرة لأسباب جيوإستراتيجية" (الحلقة 2 ــ 3)

يحكي موسى للمرة الأولى عن أسرار علاقته المميزة بوزير الخارجية السعودي السابق الأمير سعود الفيصل على مدار عقدين من الزمن، وما الذي دار في المكالمة الهاتفية بينهما بشأن أزمة تيران وصنافير

الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى خلال المقابلة مع إندبندنت عربية (تصوير: صلاح رشيدي)

شدد الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية ووزير الخارجية المصري السابق عمرو موسى في الحلقة الثانية من حواره الحصري مع "إندبندنت عربية" على أنه كان من الطبيعي أن تفكر السعودية في الدفاع عن كيانها، وهذا حقها، بل واجبها في مواجهة التحركات الإيرانية التي تريد الالتفاف ومحاصرة السعودية والإمارات وعموم منطقة الخليج بتشكيل التحالف العربي العسكري، مشيراً إلى أن الدور التركي في المنطقة لا يقل خطورة عن الدور الإيراني بأي حال من الأحوال.

وأشار إلى الدور القطري في المنطقة بقوله "هناك علامات استفهام ترتبط بالسياسة القطرية النشطة منذ تسعينيات القرن الماضي، لكن في الوقت ذاته لا يمكن لقطر أن تمتلك مقاليد السيطرة في المنطقة مهما أوتيت من قوة لأسباب جيوإستراتيجية واضحة.

فيما وصف موسى من ناحية أخرى إستراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنها غامضة خاصة في ما يتعلق بدعوته لإنشاء حلف (ناتو عربي)، متسائلًا "ماذا يعني حلف ناتو عربي؟ والعرب أنفسهم لا يعلمون عنه شيئًا! كاشفاً عن تفاصيل الأسباب الحقيقية وراء الغزو الأميركي للعراق على الرغم من المساعي التي قام بها موسى بالتعاون مع كوفي أنان والتي أدت لعودة المفاوضات الناجحة بين صدام حسين والأمم المتحدة قبيل اتخاذ قرار الحرب بأيام قليلة.

 كما يحكي موسى للمرة الأولى عن أسرار علاقته المميزة بوزير الخارجية السعودي السابق الأمير سعود الفيصل على مدار عقدين من الزمن، وما الذي دار في المكالمة الهاتفية بينهما بشأن أزمة تيران وصنافير.

وإلى نص الحوار:

 

دفاع السعودية عن كيانها 

  كيف تنظر للدور الإيراني في المنطقة العربية وتشكيل التحالف العربي العسكري لمحاربة الإرهاب وحفظ السلم والأمن الدوليين بقيادة السعودية؟

-  إن تشكيل التحالف العربي العسكري حدث مهم، وقد تم في سياق حماية التوازن الإستراتيجي بالمنطقة في مواجهة التحركات الإيرانية التي تريد الالتفاف على السعودية والإمارات وعموم منطقة الخليج العربي وحصارها. فالسعودية وجدت نفسها محاصرة من الشمال والجنوب من قوى نفوذ إيرانية. وتذكري أنه صدرت تصريحات إيرانية في ذلك الوقت بأن لطهران نفوذًا في أربع عواصم عربية ( بغداد، ودمشق، وبيروت، وصنعاء)، فكان من الطبيعي أن تفكر السعودية في الدفاع عن كيانها، وهذا حقها بل واجبها، كما لا تزال قضية احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث تمثل انتهاكًا واضحًا للسيادة الإماراتية على جزرها، والواقع أن على إيران أن تستعد للتفاوض بشأن هذه الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها.

الملك سلمان بن عبد العزيز مع عمرو موسى والشيخ عبد الله بن زايد والشيخ خالد آل خليفة والأمير سعود الفيصل (أرشيف السيد عمرو موسى)
الملك سلمان بن عبد العزيز مع عمرو موسى والشيخ عبد الله بن زايد والشيخ خالد آل خليفة والأمير سعود الفيصل (أرشيف السيد عمرو موسى)

لكن ترمب تحدث مؤخرًا عن إنشاء تحالف عربي عسكري يُعرف بشكل غير رسمي باسم "الناتو العربي"، كما يحمل أيضا أسماء مثل "ميسا" و"تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي"، فهل يكون تحالفًا موازيًا أم ماذا؟

- هو يتحدث عن إستراتيجية إقليمية جديدة في المنطقة توجه ضد إيران، وقد بدا الحديث عن ملف الناتو العربي منذ فترة مع شيء كثير من الغموض، وقد تساءلت شخصيًا عن هذا الموضوع في (حوار المنامة) الذي عقد في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في مملكة البحرين. ماذا يعني حلف ناتو عربي؟ هل يمكن أن نخرج فجأة بحلف عسكري عربي عنوانه غربي من دون أن يعرف العرب أنفسهم من هو صاحبه، وما هي طبيعة هذا الحلف ومقوماته وإستراتيجيته وأهدافه وضد من ومع من؟ ومن الذي سيرسل قوات عسكرية وغيرها من التفاصيل، طبعاً هنا يجب أن نأخذ في الاعتبار أن العالم الآن يتغير بوضوح شديد جدًا، فمنذ عشرين عامًا كانت المطالب العامة ترتكز على خروج القوات الأميركية من المنطقة العربية، أما ما يحدث الآن فهو أن هناك مُطالبة عامة ببقاء القوات الأميركية في المنطقة، كما أن هناك دولاً أخرى عظمى موجودة مثل روسيا، والحديث عن الخروج الأميركي من سوريا، هو أمر بسيط وجزئي مقارنة بالوجود الأميركي الكثيف في المنطقة، والذي هو جزء لا يتجزأ من توازن عالمي يقوم على تموضعات جديدة وبأساليب مختلفة.

لا تزال قضية احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث تمثل انتهاكًا واضحًا للسيادة الإماراتية على جزرها، والواقع أن على إيران أن تستعد للتفاوض بشأن هذه الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها.

تحركات إيران المريبة

فى السياق نفسه فإن الدور التركى تجاه المنطقة ينطوي على مخاطر جمة فى ضوء تحركاته المريبة تجاهها، فهل ترى أنه يتعادل مع الخطر الإيراني؟

- طبعًا، هناك أطماع تركية في المنطقة، إيران وتركيا تسعيان للعب أدوار طامحة ورابحة بالمنطقة، والتحرك التركي في الوقت الحالي لا يقل في نزعته الإستراتيجية عن دور إيران، فهي تتحرك بخطط مدروسة، وهذا ما يجعلنا في العالم العربي نأخذ حذرنا ونتهيأ للاتفاق معًا على إستراتيجيات التعامل مع شركائنا الجغرافيين والتاريخيين، لا بد أن يكون عندنا تصور لهذا. ولقد قدمت في العام الأخير لي كأمين عام لجامعة الدول العربية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2010 مبادرة رسمية للقمة العربية بالنظر في إنشاء رابطة الجوار العربي، والتي تشمل كل الدول المجاورة والمحيطة بالعالم العربي، بداية من الحزام الإفريقي المحيط بدول شمال إفريقيا (تشاد، والنيجر، ومالي، وغينيا، والسنغال)، وشرق إفريقيا (إثيوبيا، وإريتريا، وجنوب السودان)، وكذلك جميع جيران السودان وفي آسيا، إيران، وتركيا، وإسرائيل، ونضيف إلى ذلك في إطار المضمون نفسه دول البحر المتوسط، مالطا وقبرص والبلقان وإيطاليا وفرنسا، مع ربط وجود إسرائيل بالتقدم لمصلحة القضية الفلسطينية. أما إيران فنتفاوض معها فيما يتعلق بموقفها من قضية احتلال الجزر الإماراتية، وموقفها من مبادرة السلام والقضية الفلسطينية، في حين لم تكن تركيا قد كشفت بعد عن وجهها وأطماعها في المنطقة، وإن كان هدفي آنذاك بالنسبة إلى تركيا أن ندعوها نحن للانضمام إلينا وبالشروط التي أجمعنا عليها.

بدأ الحديث عن ملف الناتو العربي منذ فترة مع شيء كثير من الغموض، وقد تساءلت شخصيًا عن هذا الموضوع في (حوار المنامة) الذي عقد في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في مملكة البحرين. ماذا يعني حلف ناتو عربي؟ هل يمكن أن نخرج فجأة بحلف عسكري عربي عنوانه غربي؟

ماذا كان موقف مصر؟ وما هي الدول التي رفضت المبادرة؟ ولماذا؟

-  مصر رفضت هذه المبادرة وكذلك دول أخرى، والسبب أنهم كانوا يرون أنها موضوع كبير جدًا لن نقدر عليه. وقال أحد الرؤساء "إن الوقت مبكر لذلك". وكان رأيي هو العكس تمامًا، بل نحن كنا متأخرين، فقد كان يجب أن نفكر في سياسة إقليمية جديدة تناسب تطورات المنطقة، خاصة أن الوقت كان يُطبق علينا وسياسة الفوضى الخلاقة بدأت تظهر فعليًا ونحن لا نقدم أفكارًا جديدة ولا تظهر أي حيوية سياسية.

هناك أطماع تركية في المنطقة، إيران وتركيا تسعيان للعب أدوار طامحة ورابحة بالمنطقة، والتحرك التركي في الوقت الحالي لا يقل في نزعته الإستراتيجية عن دور إيران

ألا تعتقد أن ذلك الرفض كان له محل من الاعتبار في إطار ميراث تاريخي من غياب الثقة تجاه سياسات بعض هذه الدول في المنطقة؟

- لا ليس هذا ميراثًا تاريخيًا من غياب الثقة فقط، بل ميراث من الفكر المحافظ، المُمعن في المحافظة، لكن هذه المبادرة لاتزال حية، وأعتقد أن أي حركة عربية نحو نظام إقليمي جديد لن تقوم بعيدًا من هذه المبادرة العربية.

تركيا تدعم الإخوان منذ أربكان

لكن الدور التركي لم يعد فقط يرتكز على أطماع وطموحات للنفوذ، فملف جماعة الإخوان المسلمين الذي تدعمه السياسة التركية يمثل خطرًا مُضاعفًا؟

- هذا صحيح، فالسياسة التركية بدأت تتماهى مع توجه جماعة الإخوان المسلمين منذ عدد من السنين. وليس صحيحاً أنه وليد السنوات الأخيرة في ظل حكم أردوغان. وهناك واقعة شهيرة تحدثت عنها في مذكراتي حدثت أثناء الزيارة التي قام بها الرئيس المصري السابق حسني مبارك في النصف الثاني من عام 1996 إلى تركيا، خلال الفترة القصيرة التي تولى فيها نجم الدين أربكان رئاسة الحكومة، وكانت زيارة مشحونة لاعتراضنا على التعاون العسكري التركي - الإسرائيلي، ولذلك حرصنا على ألا تطول عن يوم واحد، وكان البرنامج لا يتضمن إلا لقاءً بروتوكوليًا مع رئيس الحكومة أربكان. ومن ثم  طلب الأخير لقاء الرئيس مبارك للترحيب به، وبعد عبارات الترحيب، قال أربكان لمبارك: سيادة الرئيس أنا لي عندك طلب، فرد مبارك: تفضل يا دولة الرئيس. قال: أرجو أن تُخرج قيادات الإخوان المسلمين في مصر من السجون". فاعتدل مبارك في جلسته، وقال له: ماذا؟ كرر أربكان طلبه: أرجو أن تُفرج عن قيادات الإخوان المسلمين. فباغته مبارك برد شديد الحدة: وأنتم مالكم؟ أنتم عايزينهم هنا؟ إحنا مش عايزينهم. خدوهم، وإن دلت هذه الواقعة على شيء فإنها تدل على أن ارتباط أربكان، ومن بعده تلميذه أردوغان بالإخوان المسلمين أمر ممتد منذ عقود طويلة.

قطر وعلامات الاستفهام

الدور القطري في المنطقة العربية يمثل علامة استفهام كبيرة، بمَ تفسر ذلك؟

- طبعاً هناك علامات استفهام ترتبط بالسياسة القطرية النشطة منذ تسعينيات القرن الماضي، لكن في الوقت الذي لا يمكن لقطر أن تمتلك فيه مقاليد السيطرة في المنطقة مهما أوتيت من قوة لأسباب جيوإستراتيجية واضحة، فإنها في الواقع تعتمد على أنشطة اقتصادية ضخمة من شأنها أن تخلق نفوذًا كبيرًا، وأصبح للقطريين أبواب مفتوحة في معظم عواصم العالم بالبناء على هذه الثروة الطائلة، خصوصاً أنها خلقت لنفسها "لوبي" خاصاً بها في الولايات المتحدة، وكان يدير استثماراتها رجل أعمال أميركي معروف، وهو رجل سهل الحركة سريع التواصل منفتح على كثير من الأوساط المتنفذة أميركياً وعربياً وكان يتباهى بذلك، ولكنه كان قادراً على الوصول إلى أعلى مستويات السلطة الأميركية لتأمين المصالح القطرية، بما فيها اللقاءات السياسية العالية المستوى. ما يحدث الآن أن عدداً من الدول لديها علامات استفهام إزاء سياسات قطر تجاهها، وربما كان العكس صحيحاً، والسؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا هو: متى يمكننا أن ننتهي من الخلافات العربية العربية، وتصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الأخيرة في إطار زيارته للمنطقة، قال فيها صراحة إن التحالفات الجديدة في المنطقة يجب أن تأخذ في اعتبارها وجود قطر.

 السياسة التركية بدأت تتماهى مع توجه جماعة الإخوان المسلمين منذ عدد من السنين. وليس صحيحاً أنه وليد السنوات الأخيرة في ظل حكم أردوغان

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ألا ترى أن الموقف الأميركي المُعلن عقب زيارة وزير خارجيتها أخيرًا هو محاولة لفرض الوجود القطري عنوة على الرغم من المقاطعة العربية؟

- الفرض عنوة لا يؤدي الغرض وخصوصًا إذا كانوا يتحدثون عن "حلف"، فلا يمكن أن يكون هناك تحالف و"الناس متخانقين مع بعض"!

هل هذا يعطي مؤشرًا أن الوساطة الكويتية لحل الأزمة مع قطر قد تثمر قريباً؟

- آمل ذلك، والوساطة لا تنتهي بين يوم وليلة، وأنا أثق في حكمة أمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح وصبره، وهو رجل دولة ولديه خبرة كبيرة جدًا.

هل ُطلب منك بشكل شخصي التدخل في الأزمة القطرية ومحاولة إيجاد نقط التقاء مع أطرافها؟

- لا لم يحدث، أتكلم فقط في إطار الصداقات الشخصية التي جمعتني مع الآخرين بحكم عملي الدبلوماسي المصري والعربي على مدار سنوات طويلة. وليس بالضرورة أن يتم الأخذ به بكل تأكيد، لكن لم يطلب مني أحد مشورة رسمية. 

هناك علامات استفهام ترتبط بالسياسة القطرية النشطة منذ تسعينيات القرن الماضي، لكن في الوقت الذي لا يمكن لقطر أن تمتلك فيه مقاليد السيطرة في المنطقة مهما أوتيت من قوة لأسباب جيوإستراتيجية واضحة

موسى والفيصل (أرشيف السيد عمرو موسى)
موسى والفيصل (أرشيف السيد عمرو موسى)

جمعت بينك وبين وزير الخارجية السعودي السابق الأمير سعود الفيصل مهمات عمل كثيرة، فما هي أبرز المواقف التي تتذكرها له؟

- الأمير سعود رحمه الله، كان من أقرب أصدقائي في عالم الدبلوماسية، وكنت معجبًا به منذ بداية عملي الدبلوماسي في سنواته الأولى، وكان وقتذاك وزيرًا للخارجية السعودية، مرورًا بعد ذلك بما توليت من مناصب رسمية كسفير لمصر في الهند، ثم مندوب مصر في الأمم المتحدة وصولاً لمنصب وزير الخارجية ثم أمين عام لجامعة الدول العربية، فعلى مدار 20 عامًا تولى فيها منصب وزير الخارجية كان يلفتني فيه عقله، وتوازنه، وأناقته في التعامل الإنساني والدبلوماسي، فضلاً عن حنكته الدبلوماسية وخبرته الطويلة في عالم الدبلوماسية العربية والدولية، كنا شريكين وصديقين بالمعنى الحقيقي للكلمة، وكان يهمني جدًا أن نكون على توافق وبالدرجة نفسها من التفاهم طوال العشرين عامًا.

موسى والفيصل في إحدى اجتماعات جامعة الدول العربية (أرشيف السيد عمرو موسى)
موسى والفيصل في إحدى اجتماعات جامعة الدول العربية (أرشيف السيد عمرو موسى)

هل حدث أن اختلفتما يومًا ما على مدار تلك السنوات الطويلة في بعض وجهات النظر؟

-  لست أذكر مواقف خلافية على مدى العقدين اللذين قضيناهما معًا في العمل السياسي والدبلوماسي العربي، حتى في صدد أزمة تيران وصنافير، حادثني هاتفياً يوماً في أواخر التسعينيات وقال لي من بين أمور أخرى "تعالَ نشوف موضوع تيران وصنافير"، فقلت له: "ليه نفتح أبواب الآن يا سمو الأمير"؟ فقال لي: "طيب خلاص". وانتقلنا إلى موضوع آخر، كانت بيني وبينه كيمياء في التعامل مع القضايا الخطيرة جدًا، مثل القضية الفلسطينية، وفي السنوات الأخيرة ما بين أعوام ( 2005-2011) أثناء عملي كأمين عام لجامعة الدول العربية كان مجلس وزراء جامعة الدول العربية قد أخذ في يده زمام المبادرة فيما يتعلق بتفاوض الفلسطينيين مع إسرائيل، وكان موقف المجلس هو أن التفاوض يعني إضاعة المزيد من الوقت، ولولا وجود الأمير سعود ودعمه، لما كان لنا أن نأخذ ذلك الموقف الجماعي بطرح (فيتو) على عملية التفاوض التي كنا نراها في ذلك الوقت عملية (نصب) . كما لا يمكن أن ننسى دوره المهم بشأن مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة بيروت 2002، فقد كان دوره رئيسًا في تهيئة الموقف العربي للتقبل الجماعي لهذه المبادرة، وإقناع سوريا التي كانت مترددة في تأييدها.

إبان فترة حرب الخليج الأولى لتحرير الكويت من الغزو العراقي، هل تذكر بعضًا مما قدمته دبلوماسية الفيصل آنذاك؟

- في ذلك الوقت كنت رئيساً للوفد المصري في الأمم المتحدة، وكنت أتابع الأمير سعود الفيصل وتحركاته بصفته وزيرًا للخارجية السعودية، وكان له دور متميز جدًا في تعبئة الموقف العربي نحو تحرير الكويت، خاصة أنه كان هناك حالة انقسام عربي تجاه حرب الخليج الأولى.

 الأمير سعود رحمه الله، كان من أقرب أصدقائي في عالم الدبلوماسية، وكنت معجبًا به منذ بداية عملي الدبلوماسي في سنواته الأولى، وكان وقتذاك وزيرًا للخارجية السعودية

على الرغم من أن الفيصل كان له دور مهم تجاه العراق (استعان وزير خارجية العراق حينذاك طارق عزيز بدبلوماسية الفيصل لدعم بلاده في الحرب العراقية - الإيرانية)، لكن عام 1990 أصبح حلفاء الأمس أعداء اليوم؟

-  الفيصل كان له دور مهم في القرار السعودي بالحصار الدبلوماسي ضد إيران 8 سنوات لإيقاف الحرب ضد العراق والانصياع للقرارات الدولية. لكن في النهاية هذا هو عالم السياسة لا شيء ثابتٌ أو أبديٌّ به، والجدير بالذكر أنه في ذلك الوقت حدث نوع من التآلف في الرأي بين مصر والسعودية في موضوع الحرب العراقية - الإيرانية، وكان الوقوف مع العراق في مراحله الأخيرة لحماية دولة عربية مهمة هو قرار مشترك، وفي مثل هذه الظروف لا يُنقذ الموقف إلا بتحالف مصري - سعودي بما لهما من ثقل وزخم كبيرين في المنطقة العربية ودوليًا.

موسى وكوفي أنان (أرشيف السيد عمرو موسى)
موسى وكوفي أنان (أرشيف السيد عمرو موسى)

عام 2002 كان لك تصريح شهير عن وجود تحرك دبلوماسي عربي لمنع تعرض العراق لضربة أميركية، وأننا لن نقف مكتوفي الأيدي، لكن ما حدث كان عكس ذلك.. فما الذي حدث؟

-  لم يكن التصريح هكذا، ولكن كان غزو العراق سوف يفتح أبواب جهنم في الشرق الأوسط. وهو ما حدث، ومن المهم أن تعرفي في هذا الصدد أنني منذ عام 2001 عندما كنت أنتقل من منصبي كوزير للخارجية إلى منصبي كأمين عام لجامعة الدول العربية، وتحديداً في يونيو (حزيران) 2001، وكان لديّ صداقة طويلة الأمد مع أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان، وتواصلت معه في ذلك التوقيت، وقلت له "سأزور 22  دولة بصفتي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية وسوف يكون العراق آخر زيارة حتى نكون قد تفاهمنا بشأن رسالة منك إلى العراق، وبالفعل بدأت بتونس ثم باقي دول المغرب العربي ودول المشرق العربي، وقبل الوصول للمحطة الأخيرة وهي العراق، زرت أنان في نيويورك وقلت له: "أرى أن أحمل رسالة منك إلى صدام في شأن موضوع المراقبين الدوليين وما يتردد بشأن التسلح النووي". وبالفعل حملت هذه الرسالة من أنان يوم 19 يناير (كانون الثاني) 2002 إلى الرئيس العراقي، وقلت له "سيادة الرئيس، موضوع القدرة النووية والمراقبين هو الأساس في خلافك مع الأمم المتحدة، وهو أمر يتعين الاهتمام به والانتباه له، فهل لديك مشروع نووي؟ فقال لي "لا"، وأعدت السؤال على صدام مرتين بعد استئذانه في أن أكرر السؤال، وكانت الإجابة نفسها. لا. لدرجة أن أحمد بن حلي وكان وقتذاك يشغل منصب مساعد الأمين العام للجامعة العربية، كان معي في هذا اللقاء، سألني مازحًا لماذا سألته السؤال نفسه مرتين، "كنت عايز تضيعنا"؟، فقلت له: "يا سيادة السفير لا بد أن أتأكد من الإجابة لأن الوضع حساس جداً ضد العراق"، ثم سألت صدام حسين: إذن لماذا ترفض عودة المراقبين الدوليين؟ فقال لي: "لأنهم كلهم من CIA (المخابرات المركزية الأميركية)"، فقلت له: "وإذا كانت هناك إمكان تأكيد عدم وجود ذلك من خلال التفاوض بينك وبين الأمم المتحدة وفق ضمانات معينة بشأن المراقبين الدوليين". فقال لي "لا مانع لدي"، وبعد اللقاء ذهبت لمقابلة الملك عبد الله الثاني (ملك الأردن) باعتباره رئيس القمة العربية، وقدمت له تقريرًا بما حدث. والتقيت لاحقاً كوفي أنان لاطلاعه على تفاصيل اللقاء، فقال لي" هذا كلام مهم، ولا بد من التشاور فيه مع الأميركيين"، كما حادثت وزير الخارجية الأميركي وقتذاك كولن باول لاطلاعه على ما حدث، لكن رد باول كان صادمًا، إذ قال "صدام حسين ضحك عليك أنت وكوفي أنان، وصدام عنده أسلحة نووية"، ومع ذلك بدأت مفاوضات ناجحة ما بين الأمم المتحدة وصدام حسين بناء على ذلك اللقاء الذي جمعني به، لكن ويا للأسف كان قرار الحرب قد اتُخذ وكانت مسألة وقت، وحدث ما حدث.  

لكن الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش خرج بعد غزو العراق بسنوات ليعلن أن قرار الحرب كان وفق معلومات خاطئة!

- كان قد انتهى كل شيء، ولا أنسى أن وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول وقف في مجلس الأمن وقدم عرضًا مُصورًا لعربات نقل قال إنها مُحملة بصواريخ نووية، وأن هذا الوضع يُهدد باستخدام فعلي للأسلحة النووية وتاليًا نريد قرارًا يساعد على ردع صدام حسين.

الفيصل كان له دور مهم في القرار السعودي بالحصار الدبلوماسي ضد إيران 8 سنوات لإيقاف الحرب ضد العراق والانصياع للقرارات الدولية

تهديد بالقتل

هل صحيح أنك تعرضت لمحاولتي اغتيال، إحداهما في لبنان والأخرى في العراق؟

-  تردد ذلك أكثر من مرة، لكن الحقيقة أني تلقيت تهديدات كثيرة، لكن لم تصل إلى حد المحاولة الفعلية، وفي المجمل لم أهتم. فقد كانت الحراسة حولي مُشددة على الدوام، وفي العراق حيث كانت أكثرية التهديدات، خاصة عندما كنت مُصممًا على السفر في مواقيت صعبة أمنيًا فعلاً كانت الحراسة مشددة جدًا وقامت بها قوات البشمركة الكردية.

 

**غدًا في الحلقة الأخيرة من الحوار: يكشف موسى مزيدًا من التفاصيل عن ربيع الثورات العربي بعد مرور ما يقارب الثماني سنوات على اندلاعها. ولماذا يرفض مُصطلح المؤامرة الذي يُسميه البعض بها؟ ولماذا تم تقسيم السودان فيما لم تفلح محاولة تقسيم العراق؟ ولماذا وصف سياسة ترمب تجاه المنطقة بأنها تحمل من الأسئلة ما يفوق عدد الإجابات بكثير!

 كما يرد موسى للمرة الأولى على الاتهامات التي وجهها له البعض أخيرًا بأنه ساعد حلف الناتو على ضرب ليبيا ما قبل سقوط القذافي إبان فترة توليه منصبه كأمين عام لجامعة الدول العربية، ولماذا دبّر القذافي مخططًا لتقسيم السعودية وما سر أغنية "أراك عصي الدمع" لأم كلثوم معه.

المزيد من الشرق الأوسط