ملخص
الأسواق العالمية تشهد تقلبات حادة في الأسهم والسلع الأساس مع ارتفاع منسوب الأخطار، ويتجه المستثمرون عادة إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار، فيما تتعرض الأسواق الناشئة ولا سيما في الشرق الأوسط وآسيا لضغوط متزايدة.
مع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، عقب ضربة أميركية – إسرائيلية على طهران والرد الإيراني الذي طاول عواصم خليجية، لم يعد السؤال مقتصراً على مآلات المعركة ميدانياً، بل امتد إلى كلفة هذا التصعيد على الاقتصاد العالمي في لحظة لا يزال فيها التعافي هشاً من أزمات سابقة.
التصعيد الحالي لا يمثل مجرد احتكاك جيوسياسي، بل يحمل أبعاداً اقتصادية مباشرة تشمل الإنفاق العسكري المتصاعد، وضغوطاً حادة على أسواق الطاقة، واختلالات في حركة التجارة والطيران، وتقلبات مالية قد تعيد رسم أولويات السياسات النقدية والمالية عالمياً.
الطاقة في قلب المعادلة
تقف أسواق النفط في صدارة التأثر بالأحداث، فإيران على رغم العقوبات الممتدة منذ عقود لا تزال ضمن أكبر 10 منتجين للنفط عالمياً، بإنتاج يبلغ نحو 3.1 مليون برميل يومياً وفق بيانات منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك"، وتمتلك ثالث أكبر احتياط نفطي في العالم.
أي ضرر يصيب بنيتها التحتية للطاقة أو يعطل صادراتها يخلق فجوة فورية في سوق عالمية شديدة الحساسية، ويزداد الأمر تعقيداً بالنظر إلى أن كلفة إنتاج البرميل الإيراني تبلغ نحو 10 دولارات فحسب، مقارنة بما بين 40 و60 دولاراً في كندا والولايات المتحدة، مما يمنح طهران قدرة على الاستفادة من أي ارتفاع في الأسعار، خصوصاً مع استمرار الصين كمشترٍ رئيس لأكثر من 80 في المئة من صادراتها.
مضيق هرمز… نقطة الاختناق العالمية
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب 20 في المئة من الاستهلاك العالمي للنفط، وهو ما يجعله أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي.
حتى في حال عدم إغلاقه فعلياً، فإن مجرد احتمال التعطيل يخلق ما يعرف بـ"علاوة الأخطار الجيوسياسية"، إذ تتحرك الأسواق بناءً على التوقعات بقدر تحركها وفق المعروض الفعلي.
وفي حال تعطل الإمدادات جزئياً، قد تتجاوز الأسعار 150 دولاراً للبرميل، مما يعني موجة تضخمية عالمية جديدة.
أما السيناريو المتشدد الذي يتحدث عن أسعار بين 200 و300 دولار، مقارنة بنحو 70 دولاراً في الأسواق الأسبوع الماضي، فسيضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار شبيه بصدمة سبعينيات القرن الماضي، لكن في بيئة مثقلة بالديون وتباطؤ النمو.
انعكاسات مباشرة على التجارة والطيران
لم يقتصر الأثر على أسواق الطاقة، فقد انعكس التصعيد فوراً على حركة الطيران في الشرق الأوسط، مع إغلاق مجالات جوية وتعليق رحلات وإعادة توجيه مسارات.
هذه الإجراءات تترجم اقتصادياً إلى زيادة استهلاك الوقود، وارتفاع أسعار التذاكر وتأخير الشحن الجوي.
خلال الوقت ذاته، ارتفعت أسعار الشحن البحري بنحو ثلاثة أضعاف منذ بداية 2026، مع تجاوز معدلات نقل النفط عبر ناقلات VLCC مستوى 170 ألف دولار يومياً، نتيجة ارتفاع أقساط التأمين وكلف التشغيل.
التأمين في أوقات الحرب لا يحتسب كنسبة اعتيادية، بل يصنف ضمن أخطار استثنائية، مما يضاعف كلفة النقل، وينقل العبء في النهاية إلى المستهلك النهائي في آسيا وأوروبا وأفريقيا عبر أسعار الطاقة والسلع.
الأسواق المالية تحت الضغط
الأسواق العالمية تشهد تقلبات حادة في الأسهم والسلع الأساس مع ارتفاع منسوب الأخطار، ويتجه المستثمرون عادة إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار، فيما تتعرض الأسواق الناشئة ولا سيما في الشرق الأوسط وآسيا لضغوط متزايدة.
ارتفاع أسعار الطاقة يعني تضخماً أعلى والتضخم يقود إلى تشديد نقدي والتشديد يؤدي إلى تباطؤ في النمو، بهذا التسلسل تتحول شرارة إقليمية إلى سلسلة تداعيات مالية عالمية قد تربك سياسات البنوك المركزية، التي لم تتعاف بالكامل من آثار أزمات سابقة.
الكلفة العسكرية المباشرة
إلى جانب التداعيات الاقتصادية غير المباشرة هناك فاتورة عسكرية مباشرة، وتشير تقديرات متداولة في الإعلام الأميركي إلى أن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من مليار دولار خلال ستة أسابيع فحسب على التحشيد العسكري ونشر حاملات الطائرات وأنظمة الدفاع في الخليج.
تشغيل حاملة طائرات أميركية واحدة يكلف نحو 10 ملايين دولار يومياً، بين وقود وصيانة وتشغيل منظومات مرافقة.
أما في الجانب الإسرائيلي، فتشير تقارير سابقة إلى أن مواجهة واسعة مع إيران قد تكلف ما يصل إلى 400 مليون دولار يومياً، خصوصاً مع تفعيل أنظمة الدفاع الجوي واعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة.
وقدرت تقارير اقتصادية أن حرباً قصيرة امتدت أقل من أسبوعين كلفت نحو 20 مليار شيكل، أي ما يقارب 6 مليارات دولار.
الاقتصاد الإيراني تحت ضغط مضاعف
يعيش الاقتصاد الإيراني أصلاً تحت وطأة عقوبات دولية ممتدة، مع تضخم يتجاوز 40 في المئة وتراجع حاد في قيمة العملة المحلية، وأي تصعيد إضافي يعني ارتفاع كلفة الواردات وتآكل القدرة الشرائية، واتساع فجوة التمويل الحكومي في حال تراجعت الصادرات النفطية.
صدمة عابرة أم أزمة ممتدة؟
إذا بقيت الإمدادات النفطية مستقرة، فقد تتحول القفزات السعرية إلى "علاوة حرب" موقتة.
أما إذا تحول التصعيد إلى تعطيل فعلي للممرات الحيوية أو البنية التحتية، فإن العالم قد يواجه موجة تضخمية جديدة تعيد تشكيل السياسات الاقتصادية.
في عالم مترابط مالياً، لا يتحمل أطراف النزاع وحدهم كلفة المواجهة. فالحرب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها تنتهي دائماً بحساب اقتصادي واسع النطاق، يمتد أثره إلى موازنات الدول وسلاسل الإمداد وأسعار السلع، وقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام صدمة جيوسياسية جديدة.
من جانبه، أكد المستشار السياسي البحريني أحمد الخزاعي أن توصيف طبيعة الصراع الراهن يتأرجح بين احتمال أن يكون "حرباً خاطفة بأهداف محدودة" وأن يتطور إلى مواجهة طويلة الأمد، مشدداً على أن الحكم على مساره لا يرتبط بالنوايا المعلنة وحسب، بل بعوامل متشابكة تتجاوز التصريحات السياسية إلى تعقيدات البيئة الإقليمية وتفاعلات الميدان.
وأوضح أن الحروب المحدودة عادة ما تبنى على أهداف تكتيكية واضحة مثل ردع طرف معين أو إعادة رسم خطوط ردع جديدة، مع الحرص على تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، غير أن ديناميكيات المنطقة، بما فيها تشابك التحالفات وتعدد ساحات النفوذ وتداخل الفاعلين الإقليميين والدوليين، تجعل من الصعب ضمان بقاء العمليات ضمن نطاق ضيق، فكل تصعيد، حتى لو كان محسوباً، يحمل في طياته احتمال الخطأ في الحسابات أو سوء التقدير، مما قد يفتح الباب أمام مسار أطول وأكثر تعقيداً مما خطط له في البداية.
وأشار إلى أن احتمال تحول المواجهة إلى صراع ممتد ترتبط بقدرة الأطراف على ضبط ردودها المتبادلة، فالتاريخ الإقليمي يظهر أن الردود العسكرية والسياسية غالباً ما تتجاوز حدود الهدف الأولي، لتتحول إلى سلسلة من الأفعال وردود الأفعال التي يصعب احتواؤها أو إيقافها عند سقف محدد.
كما أن وجود أطراف غير مباشرة (سواء دول أو فواعل غير حكومية) يزيد من احتمالات توسع رقعة الاشتباك، ويجعل أية محاولة لحصره في إطار محدود أمراً محفوفاً بالأخطار.
وهنا، بحسب الخزاعي، لا يصبح السؤال مقتصراً على النوايا المعلنة، بل على القدرة الفعلية على إدارة التصعيد ضمن سقف سياسي وعسكري واضح.
وبيّن أن المؤشرات المبكرة التي تكشف عن اتجاه المسار يمكن رصدها في طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي، وحجم التدخل الدولي، سواء في الدعوة إلى التهدئة أو في دعم طرف على حساب آخر.
ويمثل نمط العمليات العسكرية مؤشراً حاسماً، هل هي عمليات مركزة ذات أهداف محددة بدقة، أم أنها تتوسع تدريجاً لتشمل جبهات متعددة ومواقع استراتيجية أوسع؟ كذلك فإن التحركات الدبلوماسية (مثل فتح قنوات تفاوض خلف الكواليس أو تصعيد المواقف في المحافل الدولية) تُعد إشارات مبكرة على ما إذا كان الصراع يتجه نحو الاحتواء أو نحو مزيد من الانفجار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهذه العلامات مجتمعة تساعد في استشراف ما إذا كانت المنطقة أمام مواجهة قصيرة المدى أو أمام صراع طويل يعيد ترتيب موازين القوى.
وفي سياق الحديث عن أهداف الحرب الأميركية–الإسرائيلية التي اندلعت فجر أمس السبت، أوضح الخزاعي أن النقاش يدور بين خيارين رئيسين، الأول يتمثل في فرض تعديل في سلوك إيران عبر إعادة ضبط قواعد الاشتباك وتقليص نفوذها الإقليمي أو الحد من أنشطتها النووية والصاروخية، أما الثاني فيتجاوز ذلك إلى إضعاف النظام تمهيداً لتغييره، وهو هدف أكثر استراتيجية وتعقيداً، نظراً إلى تشابك البنية السياسية والاجتماعية الإيرانية وصعوبة التنبؤ بمآلات أية محاولة لإعادة تشكيلها بالقوة.
وأضاف أن انعكاسات المواجهة على الخليج وأمن المضائق البحرية تبدو بالغة الحساسية، خصوصاً أن مضيق هرمز يمثل شرياناً رئيساً لتدفق الطاقة العالمية، وأي اضطراب في هذه الممرات سينعكس مباشرة على الاستقرار الإقليمي والدولي، فإذا كان الهدف يقتصر على تعديل سلوك إيران، فقد تسعى الأطراف إلى تجنب المساس المباشر بالملاحة البحرية حفاظاً على مصالحها الاقتصادية.
أما إذا اتجهت المواجهة نحو إضعاف النظام بصورة أعمق، فإن احتمالات التصعيد في هذه المضائق ترتفع، بما يهدد أمن الملاحة ويضاعف الأخطار على التجارة العالمية.
أما أسواق الطاقة، فهي الأكثر عرضة للتأثر الفوري، فمجرد التهديد لاستقرار الخليج أو لحرية الملاحة ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، وإذا بقيت العمليات ضمن نطاق محدود، فقد تشهد الأسواق تقلبات ظرفية مرتبطة بالمخاوف من التصعيد.
لكن في حال اتسع نطاق المواجهة ليشمل تهديداً فعلياً للبنية التحتية أو للممرات البحرية، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، ويضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات جديدة.
وختم الخزاعي بالتأكيد على أن مسار الحرب لن يكون شأناً عسكرياً صرفاً، بل عاملاً مؤثراً في النظام الاقتصادي والسياسي الدولي بأسره، وأن قدرة الأطراف على إدارة التصعيد ضمن حدود واضحة ستحدد ما إذا كانت المنطقة أمام حرب خاطفة تنتهي بترتيبات جديدة، أو أمام صراع طويل يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية لأعوام مقبلة.
الحرب ترفع أسعار الطاقة فوراً
من جانبه أكد المحلل الاقتصادي وأستاذ المحاسبة في جامعة الطائف الدكتور سالم باعجاجة أن اندلاع الحرب من شأنه أن يدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع الفوري، مدفوعاً بالمخاوف من اضطراب الإمدادات وحال عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية.
وأوضح أن أسواق النفط والغاز تتفاعل سريعاً مع أي تصعيد عسكري في مناطق حساسة، ولا سيما إذا كانت قريبة من ممرات بحرية أو دول منتجة للطاقة.
وأشار إلى أن أبرز مثال على ذلك ما حدث في بداية الحرب بين روسيا وأوكرانيا، حيث شهدت أسعار الطاقة ارتفاعات حادة نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات والعقوبات المتبادلة، مما انعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي ورفع معدلات التضخم في عدد من الدول.
وأضاف أن رد الفعل الأولي للأسواق يكون عادة عاطفياً وسريعاً، إذ تسعّر الأخطار قبل اتضاح الصورة الكاملة، غير أنه لفت إلى أنه في حال امتدت الحرب لفترة طويلة من دون تعطل فعلي ومستدام للإمدادات، فقد تبدأ الأسعار بالتراجع تدريجاً مقارنة بمستوياتها في بداية الأزمة، مع تكيف الأسواق وظهور بدائل في سلاسل التوريد.
وأكد باعجاجة أن مسار أسعار الطاقة سيظل مرتبطاً بمدى تأثير الحرب في تدفق الإمدادات، وبقدرة الأسواق على امتصاص الصدمات واستعادة قدر من الاستقرار.