يا أنصار البقاء في أوروبا... ماذا لو نجح جونسون في التوصل إلى صفقة  للخروج؟

تُوجّه المدفعية حالياً في الاتجاه الخطأ، لكن الاستعداد للمعركة ضد صفقة رئيس الوزراء المعدلة قليلاً يمكن أن يساعد في توحيد صفوف المجموعة المنقسمة

  جدارية في أحد أحياء لندن تصور رئيس الحكومة بوريس جونسون أمام السؤال الذي يشغل بريطانيا منذ 2016 "اتفاق أو لا اتفاق" (رويترز)  

ماذا لو أن هناك صفقةً للخروج من الاتحاد الأوروبي؟ ماذا لو توصّل الطرفان إلى اتفاق، رغم تلميح الاتحاد الأوروبي وحكومة جونسون في بادِئ الأمر بعكس ذلك؟ ربما ليس في القمة المزمع انعقادها في 17-18 أكتوبر (تشرين الأول) وإنما في موعد لاحق؟  لكن وفي خضم هذه التساؤلات، تستمر احتمالات التوصل إلى صفقة في التأرجح بشدة صعودا وهبوطا.

وباعتبار أن عملية بريكست  تُدار كما لو كانت مسلسلاً تلفزيونياً يومياً، فالخطوط العريضة للحبكة مهددة بالخروج من دائرة الاهتمام.  أما التحذيرات المخيفة من نتائج الخروج من دون صفقة، أو تهديدات مستشار جونسون دومينيك كامينغز، فقد حجبت الواقع الممل المتمثل في أن ذلك الخروج ما زال مستبعداً وأننا في الغالب نتابع حياتنا على افتراض أنه لن يحدث. وتتمثل الحقيقة الثابتة حالياً في أن الخروج من دون صفقة سيكون مخالفا للقانون ما لم يصادق عليه مجلس العموم، وهو أمر لن يحدث.

لا شك أن احتمال تأجيل الخروج مرة أخرى لمدة ثلاثة أشهر والضمانة التي يقدمها القانون ضد أي خروج من دون صفقة، كان لهما دور في خلق المزاج السائد هذه الأيام. لكن هل من المستبعد تماماً التوصل إلى اتفاق؟

من الصعب حقًا الحكم بما إذا كانت حكومة المملكة المتحدة صادقة، أم أنها تمهد الطريق لانتخابات سيكون محورها الخروج من دون اتفاق مقابل البقاء في الاتحاد الأوروبي، وستتركز على المواجهة بين الشعب و البرلمان؛ وبريطانيا الصغيرة المحظوظة وجالوت أيرلندا المدعومة من قبل أصدقائها البلطجيين في الاتحاد الأوروبي.

هناك وزراء في الحكومة والعديد من النواب المحافظين و40 نائبا من حزب العمال على ما يبدو ممن يعتقدون، على النقيض من ذلك، أن "صفقة" جونسون جادة وقابلة للتفاوض. ربما يخدعون أنفسهم لكن لا يمكننا أن نفترض أنهم كذلك.

وإذا ارتقت فعلاً مقترحات جونسون إلى مستوى الصفقة، فهل نعرف كيف سيحدث ذلك؟ سيتطلب ذلك من حكومته التراجع عن شروطها، مع الحرص على حفظ ماء وجهها من خلال خطاب جسور مليء بعبارات التحدي. كما سيستلزم ذلك من الاتحاد الأوروبي إزالة كلمة "باكستوب" (الحاجز الخلفي) المشينة من مفرداته، بما في ذلك في اتفاقية الانسحاب.

سلَّمت حكومة المملكة المتحدة بالفعل بضرورة الحفاظ على جزيرة أيرلندا بأكملها ضمن السوق الأوروبية الموحدة. وأُعلن، بشكل باهت دون قناعة كبيرة، عن شرط الحصول على موافقة برلمان إيرلندا الشمالية؛ إذ حُجّمت قدرة الحزب الوحدوي الديمقراطي على الإصرار على الموافقة بعد فقدان حكومة جونسون أغلبيتها في البرلمان، مما يعني أن أصوات الحزب الوحدوي لم تعد حاسمة بالنسبة لها، ولم يعد برلمان ايرلندا الشمالية يجتمع في أي حال. وبالتالي لن يستغرق الأمر الكثير من الوقت للانتقال من "الموافقة" إلى "التشاور".

وتتمثل الخطوة الثانية والحاسمة، في تقديم المملكة المتحدة وعدا أكثر صرامة باحترام معايير الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالبيئة والعمل والمستهلكين. سيستشيط عتاة المؤيدين للخروج من الاتحاد الأوروبي غضباً لكن لن يستقيل أحد من حيث المبدأ بسبب "استعادة السيطرة"  من أجل خفض المعايير؛ إذ من المؤكد أن جونسون نفسه لا يهتم أبدا بالمعاير. لكن الأوروبيين يهتمون وكذلك نواب حزب العمال. فاتفاق الانسحاب يُلزم فعلاً المملكة المتحدة بأربع سنوات بموجب قواعد المساعدات الحكومية. وبالتالي لا يجب أن نُفاجأ عند إضافة معايير "متكافئة" أخرى.

وهذا يُبقي عمليات التفتيش الجمركية المقترحة والحدود الأيرلندية للجمارك، ما جعل النقاش يأخذ اتجاها لاهوتيا في محاولة الإجابة على أسئلة على غرار متى يكون التفتيش افتراضيا أو حقيقياً؟ ما هي طبيعة الحدود عندما لا تكون حيث يجب أن تكون؟  لكن يجب العلم أن اللاهوت قد قسّم أيرلندا لعدة قرون، وعلينا ألا نستهين بمفعوله. ومع ذلك، هناك خطوة واضحة يمكن اتخاذها وتتمثل في موافقة المملكة المتحدة على وجود مرافق مؤقتة، وليست دائمة، للتفتيش الجمركي على حدود بريطانيا العظمى، وليس عبر أيرلندا، والتي يمكن استبدالها عند توفر التكنولوجيا المضمونة الموعودة للقضاء على التفتيش المادي (قد لا يحدث ذلك أبدا.. لكن هذا كله يتعلق بالرمزية، وليس الجوهر).

ربما أبالغ في تقدير قدرة بوريس جونسون على المناورة، وهو المعروف بالمرونة. ربما هو محاصر حقًا من قبل حزب البريكست ومن يجسده في مقر رئاسة الوزراء، دومينيك كامينغز. لقد قيل لنا، وليس للمرة الأولى، إن الانتخابات وشيكة. لكنها قد تفرز نتيجةً لا تختلف كثيرا عن الوضع الراهن (إذا فاز حزبي، بطبيعة الحال، فإن بريكست سينتهي في اليوم التالي، لكن للأسف من المستبعد أن يحدث هذا).

إن ما يقلقني بشكل جدي هو أن مؤيدي البقاء يوجّهون مدفعيتهم حاليا في الاتجاه الخطأ. إنها مصوّبة جيدا لإسقاط خيار الخروج من دون صفقة، وليس لخوض معركة مع صفقة جونسون المعدّلة قليلاً. أما أهوال الخروج من دون اتفاق فيجري الحديث عنها كثيرا بصراحة (سواء من قبل الحكومة أو حزب العمال) حتى أن بعض مؤيدي البقاء، أو المحايدين، سيوافقون الآن على أي صفقة مهما كانت. وبالنسبة لشعار "نفذوا البريكست،" فمهما كان مخادعاً وغير مألوف، إلا أن له صدى.

لا يجب أن نغفل حقيقة أن الصفقة التي تفاوضت عليها تيريزا ماي، والتي أعيدت صياغتها الآن، هي صفقة سيئة للغاية. إنها لا تقدم أي ضمانات أو رؤية واضحة للأفراد أو للشركات، باعتبار أننا سنمضي السنوات القليلة القادمة في التفاوض على ترتيب جديد ينطوي على تعقيدات هائلة مع جيراننا الأوروبيين. والعنصران اللذان وفّرا ذات يوم إمكانية خروج "ليّن" بدون ضرر على الاقتصاد، وهما العضوية في السوق الموحدة والاتحاد الجمركي، قد اختفيا (تقريبا). أما ما كان يُطلق عليه "فرص" البريكست فقد باتت تتلخص أساساً في اتفاق بشروط مجحفة مع إدارة دونالد ترمب، والتي يبدو أن آفاقها الآن للتوصل إلى اتفاق تجاري كبير على المدى الطويل أصبحت أكثر سوءاً. وبالتالي فإن قضية البريكست لن "تنتهي"؛ بل إننا فقط سنمضي عبر إحدى بوابات متاهتها.

وفي حال أعيد طرح صفقة ما في اللحظة الأخيرة قُبيل موعد الخروج، فإن الاستفتاء عليها سيكون ضرورة مطلقة. لذلك يجب الآن مضاعفة الجهود المشتركة بين الأحزاب من خلال حملة "الأفضل لبريطانيا" وغيرها للعثور على أغلبية تدعم تنظيم استفتاء "القول الفصل" للتأكيد على سلامة الاتفاق من عدمها. ستكون محاولةُ تمرير صفقة تيريزا ماي المعدلة من دون تدقيق عبر البرلمان بأغلبية ضئيلة وبدون تفويض من الجمهور، فضيحةً ديمقراطيةً.

إن مقترحات جونسون لا تتيح لبرلماننا التحكم بزمام الأمور ولا توفر لاقتصادنا الازدهار، بل تجلب لنا فقط سنوات من الغموض. وتبقى مهمة أولئك مِنا الذين يأملون بالبقاء في الاتحاد الأوروبي هي إقناع الجمهور بهذه الفكرة. بات الرأي العام يميل في اتجاهنا، لكن قوات مؤيدي البقاء غير مهيأة ومشتتة في الوقت الحالي، ويتعين علينا إعداد أنفسنا لمعركة الاستفتاء أو الانتخابات المقبلة.

( شغل النائب السير فينس كيبل منصب زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار في الفترة 2017-2019، وهو وزير دولة سابق للأعمال)

© The Independent

المزيد من آراء