ملخص
ناقش المنتدى السعودي للإعلام تصاعد تأثير صحافة المواطن وحدودها المهنية، وسط تأكيد قيادات إعلامية دولية أن التحقق يظل خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل.
ضمن أعمال اليوم الثاني من المنتدى السعودي للإعلام في نسخته الخامسة، عقدت جلسة حوارية بعنوان "كيف تعيد صحافة المواطن تشكيل مشهد الأخبار؟"، ناقشت أثر صعود المحتوى غير المهني في بيئة العمل الصحافي وحدود التداخل بين الصحافة التقليدية وصحافة المواطن.
وأدارت الجلسة الكاتبة السعودية د.وفاء الرشيد بمشاركة قيادات إعلامية دولية، هم رئيس تحرير صحيفة "ذا تايمز" توني غالغر، والمستشار والشريك في شركة "وورلد بريس" الإعلامية لودوفيك بلشير، ورئيس تحرير صحيفة "اندبندنت عربية" عضوان الأحمري، والمدير التحريري في صحيفة "أل بايس" مارتن أغويري، إذ ركز النقاش على الصدقية والمسؤولية المهنية في مواجهة التضليل.
الصحافة المنضبطة
في رده على سؤال حول كيفية التوازن بين الصحافة المنضبطة وصحافة المواطن، قال رئيس تحرير "اندبندنت عربية" عضوان الأحمري، إن التحولات المتسارعة في المشهد الإعلامي، وتوسع المنصات الرقمية، فرضا واقعاً جديداً تتقدم فيه الصورة والمعلومة السريعة على حساب التحقق. وأوضح أن الصحافي المحترف يعمل ضمن منظومة واضحة من الشروط والمعايير التحريرية، بينما يتحرك الصحافي المواطن خارج هذه الأطر، مما يجعل الفارق بين الطرفين جوهرياً.
وأشار إلى أن انتشار مقاطع كاميرات المراقبة في الأعوام الأخيرة حوَّل حوادث فردية محدودة إلى قضايا رأي عام تضخم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتقدم أحياناً كظواهر أمنية، على رغم محدودية عددها، مما قد يخلق انطباعات مضللة عندما تفصل المواد المصورة عن سياقها الحقيقي، واعتبر أن هذا النمط من النشر يندرج ضمن ما وصفه بـ"العفوية غير المنضبطة".
وتطرق الأحمري إلى مفهوم صحافة المواطن، موضحاً أن المصطلح ليس جديداً كما يعتقد، إذ يعود أول استخدام له، وفقاً لمراجع موثقة، إلى مطلع الألفية في كوريا الجنوبية، قبل أن يتغير شكله مع اختفاء المدونات التقليدية وانتقاله إلى منصات مثل "تيك توك"، وأكد أن خطورة هذا التحول تكمن في تسليم الجمهور بصحة المحتوى المتداول من دون تحقق.
وشدد على أن الصحافة المهنية تقوم على القلق المشروع من الخطأ، وتخضع لمراحل عدة من التدقيق، محذراً من تصاعد التزييف باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، الذي يزيد من احتمالات التضليل في القضايا السياسية والرياضية على حد سواء، وأضاف أن المحتوى الذي يقدمه الصحافي المواطن قد يشكل مصدراً أولياً للرصد، لكنه لا يصلح مرجعاً نهائياً من دون إخضاعه لعمليات تحقق صارمة، يكون فيها تتبع المسار والتدقيق الفاصل بين الخبر والشائعة.
وأشار إلى أن المراسل الميداني يظل الركيزة الأساسية للعمل الصحافي، لقدرته على الاستمرار وتوفير المعلومة حتى في الظروف التي يتعطل فيها دور صحافة المواطن، مثل انقطاع الإنترنت أو القيود التقنية. وختم بالتأكيد أن المسؤولية تمثل جوهر الفرق بين الصحافة المؤسسية وصحافة المواطن، إذ تخضع الأولى لسلسلة من الفلاتر التحريرية والمحاسبة المهنية، لا بوصفها رقابة، بل باعتبارها ضماناً للصدقية.
التحقق أولاً
قال رئيس تحرير صحيفة "ذا تايمز"، توني غالاغر، إن تسارع تدفق المعلومات في العصر الرقمي جعل التحقق من المحتوى أكثر تعقيداً، محذراً من الانسياق وراء كل ما يتداول على المنصات الرقمية، وأشار إلى أن صحافيين تلقوا خلال أزمات سياسية وأمنية، من بينها الأزمة الإيرانية، مقاطع فيديو جرى تداولها على نطاق واسع، ليتبين لاحقاً أنها مواد قديمة أعيد نشرها خارج سياقها الزمني.
كلمة رئيس تحرير "اندبندنت عربية" عضوان الأحمري، خلال مشاركته في جلسة بعنوان "كيف تعيد صحافة المواطن تشكيل مشهد الأخبار؟"، ضمن المنتدى السعودي للإعلام 2026#نكمن_في_التفاصيل | @Adhwan pic.twitter.com/TwnWoEhWtQ
— Independent عربية (@IndyArabia) February 3, 2026
وأوضح غالاغر أن دور الصحافي المحترف يظل قائماً في التحقق من صحة المواد المتداولة، مهما بدا مصدرها موثوقاً، مؤكداً أن طلب الإثبات والتحقق ليس عرقلة للنشر، بل شرط أساس للصدقية، واستشهد بحوادث عالمية، بينها أحداث أمنية في باكستان، وقضايا أثارت ضجة إعلامية كبرى، حين اختلطت الروايات والمشاهد المصورة بالشائعات.
وأضاف أن صحافة المواطن قد تسهم في تسريع الوصول إلى المعلومة، كما حدث في بعض القضايا الجنائية في بريطانيا، لكنها لا تغني عن دور المؤسسات الإعلامية في غربلة المحتوى ورسم الحدود بين السرديات المتداولة والخبر المهني القابل للنشر.
الصحافي المحترف لا ينشر كل ما يصل إليه
قال المدير التحريري في صحيفة "أل بايس" مارتن أغويري، رداً على سؤال حول الفروق بين صحافة المواطن والعمل الصحافي المهني، إن خبرته الممتدة ثلاثة عقود داخل غرف الأخبار تؤكد أن الصحافة ليست مجرد نقل معلومات، بل ممارسة مهنية تقوم على الفهم والسياق والمسؤولية، وشبه النظرة الشائعة إلى صحافة المواطن بكرة القدم، إذ يعتقد كثيرون أن بإمكانهم أداءها أفضل من المحترفين، على رغم ما تتطلبه من مهارة وخبرة.
وأوضح أغويري أن وفرة المعلومات اليوم منحت المواطنين قدرة أكبر على المشاركة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية استخدام هذه المعلومات وتقديمها للجمهور من دون فوضى أو تضليل.
وأضاف أن الصحافي المحترف لا ينشر كل ما يصل إليه، بل يضع المادة في إطارها الصحيح ويحدد قيمتها العامة وتأثيرها.
وأشار إلى أن الأعوام الأخيرة شهدت تحولات عميقة أثرت في العمل الصحافي، من غزة إلى قضايا دولية أخرى، مما فرض واقعاً جديداً لا يمكن تجاهله. ولفت إلى أن الاستدامة في صحافة المواطن لا تتحقق من تلقاء نفسها، بل عبر أطر واضحة للتعامل معها داخل المؤسسات الإعلامية، وتعزيز دور المنصات والمنظمات المهنية في التحقق والتحرير.
وأكد أن المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها، بل أيضاً على الأفراد الذين ينتجون المحتوى، مشدداً على أهمية الشفافية في ما يتم تصويره ونشره، وعلى شرح ما يجري خلف الكواليس من عمليات تحقق وتدقيق، وقال إن تشجيع صحافة المواطن على الوضوح مع جمهورها أسهم في تعزيز الثقة والصدقية لدى المؤسسات التي تتبنى هذا النهج.
وفي ما يتعلق بالضغط بين السرعة والدقة، أوضح أن السبق الصحافي لا يمكن أن يكون على حساب الصدقية، معتبراً أن الثقة هي القاعدة الأساسية التي يقوم عليها العمل الإعلامي. وأضاف أن الجمهور والعملاء يعتمدون على المؤسسات الصحافية لتقديم محتوى دقيق يمكن الوثوق به، مهما اشتدت المنافسة أو تسارع تدفق الأخبار.
النسخة الخامسة
وتمتد أعمال المنتدى الذي يأتي برعاية العاهل السعودي، ثلاثة أيام، وهو منصة سنوية تجمع صناع الإعلام وصناع القرار لمناقشة أبرز القضايا والتحديات التي تواجه القطاع، واستشراف مسارات تطويره في عالم يشهد تحولات متسارعة.
ويطرح المنتدى نقاشات تتناول مستقبل المهنة، وأدوار الإعلام في ظل المتغيرات الرقمية والسياسية، وكيفية مواكبة التحولات المتسارعة في بيئة الاتصال وصناعة المحتوى.
وتزامناً، جرى تدشين معرض مستقبل الإعلام "فومكس"، بمشاركة واسعة من شركات ومؤسسات إعلامية ورواد ابتكار وتقنيات، في إطار تسليط الضوء على أحدث الاتجاهات والأدوات التي تعيد تشكيل الصناعة الإعلامية، وتعزز حضور التكنولوجيا والابتكار في رسم ملامح إعلام أكثر تأثيراً واستدامة.