لماذا يختار رؤساء تونس الجزائر كأول وجهة خارجية؟

تميزت العلاقة بينهما بالتفاهم والاستقرار و ضمان المصالح المشتركة

الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التونسية تعلن نتائج جولة الإعادة يوم 14 أكتوبر 2019 (أ.ف.ب)

أصبحت زيارة رؤساء تونس للجزائر في أول نشاط خارجي، عادة رئاسية، بعد أن اعتمدها الراحل الباجي قايد السبسي ثم الوافد الجديد على قصر قرطاج قيس سعيد، الذي قال بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية منذ يومين، إن "الجزائر ستكون أول وجهة له خارج تونس"، وهو الأمر الذي يطرح استفهامات عدة.

"العادة" التونسية

تختلف التفسيرات حول "عادة" انفراد الجزائر بشرف زيارة رؤساء تونس، في أول نشاط دبلوماسي خارجي، بين التاريخ المشترك والعلاقات القوية. غير أن التبريرات تبقى في نظر الكثيرين غير منطقية، لما يجمع تونس وليبيا والمغرب ودول الخليج والشرق الأوسط وحتى أميركا اللاتينية وأفريقيا، من مصالح وتاريخ وعلاقات، ليستقر الحال عند وصف "الشقيقة الكبرى" التي يفضل "التوانسة" إطلاقه على الجزائر.

تبادل رسائل "العشق"

وعلى الرغم من أن الرئيس الجديد قيس سعيد، وجّه رسائل مطمئنة للداخل والخارج، حين أكد التزام تونس بتعهداتها الدولية واتفاقياتها المبرمة، مشيراً إلى أن بلاده ستبقى منفتحة على محيطها الأفريقي وانتمائها العربي الإسلامي وهويتها المتوسطية، غير أنه تعهد بأن تكون زيارته الأولى خارج تونس للجزائر، ما يكشف عن حقيقة مكانة الجزائر في قاموس ساسة تونس على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم.

وسارعت الجزائر إلى التعاطي مع "الحب التونسي"، وبادلت قيس سعيد عبارات الود والشكر والامتنان، بعد أن أجرى رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، مكالمة هاتفية مع الرئيس الجديد، هنأه فيها على فوزه في الانتخابات الرئاسية، مؤكداً له عزمه الثابت على تعزيز علاقات الأخوة والتعاون بين البلدين، واعتبر أن "التزكية الواسعة التي منحه إياها الشعب التونسي الشقيق دليل قاطع على النضج الذي أظهره الشعب وإدراكه لأهمية هذا الاستحقاق التاريخي"، معرباً له عن "كل الشكر والتقدير على ما أبداه من مشاعر طيبة وعبارات الود والإخاء تجاه الجزائر وشعبها". وتابع قائلا إنه يشاطره "نفس المشاعر تجاه الجارة الشقيقة تونس وشعبها، لما يربط البلدين والشعبين من علاقات أخوية تاريخية متجذرة ونضال مشترك".

الراحل بورقيبة أسس لـ"العادة"

وخلال المناظرة التي جمعت قيس سعيد ونبيل القروي، في آخر ساعات الحملة الانتخابية الخاصة بالدور الثاني، جرت الإشارة إلى الجزائر، حين أبدى سعيّد تعلقه بالجزائر، وروى  قصة حصلت مع "الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، الذي أمر بعزف النشيد الجزائري خلال مباراة بين بلاده تونس، وفريق جبهة التحرير الجزائرية إبان الاستعمار الفرنسي". في المقابل، دعا القروي إلى تدخل بلاده الى جانب الجزائر لحل الأزمة الليبية.

ولتوضيح كيف ومتى بدأت هذه "العادة التونسية"، أوضح البرلماني الجزائري نور الدين بلمداح في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أنها "مرتبطة بعمق العلاقات التي تجمع الدولتين والشعبين. ومن المعروف عن الرئيس التونسي الجديد حبه واحترامه للجزائر والجزائريين، وعليه يجب استغلال الفرصة للعمل على تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين"، وقال إن "زيارة الجزائر كأول وجهة خارجية لا يعني أن علاقات تونس مع باقي الدول غير جيدة"، نافياً أن يكون الأمر يتعلق بالدعم المالي والعسكري، فالعلاقات وطيدة.

استقلالية قراراته

من جانبه، قال السياسي التونسي مولدي فاهم في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، إن "الجزائر هي الشقيقة الكبرى لتونس وهي درعها وحامية ظهرها، وتميزت العلاقة بينهما بالتفاهم والاستقرار وضمان المصالح المشتركة"، وتابع "هناك مجال جدي لتطوير الروابط في المجالات كافة، وهو رهن إرادة الطرفين السياسية"، ورأى أنه "عندما يعلن الرئيس المنتخب عزمه زيارة الجزائر في أول نشاط خارجي له، بهدف التأكيد على استقلالية قراراته عن الحزب الفائز بالتشريعية أي حزب النهضة".

وواصل مولدي "تونس بحاجة إلى علاقات أكثر ارتباطاً بالجزائر، وقد حدث أن تعرض الراحل الحبيب بورقيبة إلى وعكة صحية عام 1974، حينها هاتفه الرئيس الهواري بومدين من أجل طمأنته بأنه حامي ظهرها ودرعها"، وخلص قائلاً "نحن نطمح إلى علاقات من نوع الدفاع المشترك والشريك الاقتصادي المميز، تمهيداً لوحدة اقتصادية وانشاء سوق مغاربية وعربية موحدة، ولو بعد عشرات السنين".

أكبر من روابط أو دعم

وقام الرئيس التونسي الراحل قائد السبسي، بزيارة إلى الجزائر هي الأولى له خارج تونس بعد توليه السلطة. وكان قد قال للصحافيين الجزائريين خلال حملته الانتخابية للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، إن "الجزائر ستكون أول بلد يزوره في حال فاز بالرئاسة".

وفي وقت اعتبر البعض أن خطوة السبسي جاءت بسبب علاقات شخصية قوية بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تمتد لعقد السبعينات، حين كان السبسي وزيراً للداخلية في تونس، وكان بوتفليقة آنذاك وزيراً للخارجية في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، لكن خطوة الرئيس الجديد قيس سعيد في خضم وضع حساس تعيشه الجزائر، تكشف أن "العادة" أكبر من أن تكون مرتبطة بعلاقات شخصية أو دعم مالي أو مساعدة عسكرية.

وحدها الجزائر

"الجزائر أول دولة ساعدتنا ووقفت معنا في محنتنا"، بحسب الإعلامية التونسية هاجر عزوني التي أعلنت في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أنه "أحد المسؤولين الأمنيين أعرب اليوم عن امتنانه للجزائر لوقوفها مع تونس، لا أحد من الدول ساعد تونس، الجزائر هي الوحيدة التي وقفت معنا دون غيرها في مواجهة الإرهاب، والمشاكل التي لحقت بالتونسيين بسبب الحرائق، بالإضافة إلى الخطوة الكبيرة التى لا ينساها أحد، حين نزح الشعب الجزائري سائحاً إلى تونس وقد هجرها الجميع بعد الضربات الإرهابية التي أضرت بالسياحة، وعليه فنحن والجزائر بلد واحد".

في المقابل، يعتقد المحلل السياسي الجزائري اسماعيل معراف في حديث لـ"اندبندنت عربية"، أن "العادة التونسية لها أسباب عدة، منها أن الحدود لصيقة جداً مقارنة بحدود تونس مع باقي دول المنطقة، ثانياً لأن الدور الاستخباراتي الجزائري متغلغل داخل الدوائر السياسية والمدنية، وثالثاً الجزائر تعتبر تونس الحديقة الخلفية، رابعاً الجزائر دولة كبيرة ونفطية ومن مصلحة تونس أن تكون هناك علاقات قوية. وختم معراف قائلاً إن "الجزائر تزود تونس بكل احتياجاتها من الكهرباء والغاز، أضف الى ذلك الدعم السياحي والمساعدات الاقتصادية والأمنية والعسكرية".

المزيد من العالم العربي