نتنياهو يستخدم صفقات السلاح والأمن لضمان كرسي رئاسة الحكومة

الشعار المركزي، الذي تدور حوله معركة نتنياهو الانتخابية، هو أنه في ظل قيادته أصبحت إسرائيل دولة قوية يحسب حسابها في العالم أجمع

يعتبر نتنياهو حتى اليوم أقوى شخصيات اليمين الإسرائيلي التي ستخوض الانتخابات البرلمانية (غيتي)

بعد لعب دور الضحية في مواجهة الشرطة واليسار والصحافة، لتمويه اتهامات الفساد الموجهة ضده، وبعد وضعه برنامجاً بسلسلة لقاءات سياسية مع قادة العالم، بما في ذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في فبراير (شباط) الحالي، والرئيس الهندي رام نات كوفيند، في الشهر المقبل، والرئيس الأميركي دونالد ترمب قبيل الانتخابات بأسبوعين، يسعى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى إبراز مكانته كرجل الأمن الأول في إسرائيل، ليضمن لنفسه كرسي رئاسة الحكومة، في الانتخابات الإسرائيلية التي ستتمّ في أبريل (نيسان) المقبل. والشعار المركزي، الذي تدور حوله معركته، هو أنه في ظل قيادته أصبحت إسرائيل دولة قوية يحسب حسابها في العالم أجمع.

ومع الإعلان عن نية المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، نشر قراره في ملفات الفساد المتعلقة بنتنياهو قبل الانتخابات، زار نتنياهو، خلال الأسبوعين الماضيين، أكثر من مرة الصناعات الجوية وقاعدة آبار الغاز "لفيتان"، في وسط البحر الأبيض المتوسط، التي تشكل اليوم نقطة ساخنة في الملف الأمني، خصوصاً في ظل تقدير إسرائيل احتمال استهدافها من قبل جهات معادية، إضافة إلى زياراته المتكررة إلى قيادة الشمال في الجيش الإسرائيلي وقواعد الطوارئ، مطلقاً تصريحات مطمئنة للإسرائيليين، من جهة، ومجنداً لمصلحته أكبر عدد من العاملين والخادمين في هذه المواقع، من جهة أخرى.

كان واضحاً أن نتنياهو في زيارته إلى الصناعات الجوية يسعى إلى إمساك أكثر من عصفور بيد واحدة: ضمان شعبية جماهيرية عبر إظهار حرصه على استمرار إسرائيل قوية عسكرياً، ودعم العاملين في الصناعات الجوية في الانتخابات الداخلية، خصوصاً أن غالبيتهم أعضاء في حزب الليكود. وراح يطمئنهم بأنه يسعى إلى إنجاز صفقات أسلحة تضمن لهم عملاً وافراً وربحاً كبيراً. والأهم من هذا كله أنه، بالمقارنة بمنافسه الأقوى الرئيس السابق لأركان الجيش بيني غانتس، يُبرز حرصه وقدرته على ضمان أمن الإسرائيليين، وإن كان من باب إتاحة انتقاد غانتس باعتباره المسؤول عن إخفاقات الحرب الأخيرة في غزة. 

وركز نتنياهو، في زيارته هذه، على الصفقة التي ينوي إبرامها مع الهند، وتبلغ قيمتها 3.5 مليار دولار، على الرغم من أن الاتفاق عليها لم ينجز بعد. كما تحدث عن محاولته إقناع رئيس الحكومة الهندية بصفقة أخرى تزوّد من خلالها إسرائيل بلاده بصواريخ "سبايك" المضادة للدبابات، التي تنتجها شركة "رفائيل" الإسرائيلية، وتقدر قيمتها بـ600 مليون دولار. وهي صفقة مجمدة منذ سنوات بسبب خلاف في شأنها داخل المؤسسة الأمنية في الهند، وفق مسؤول في حزب الليكود.

أما تدشينه منشأة صناعة الغاز "لفيتان"، فكان دلالة دامغة على مساعيه الأمنية. فمنشآت الغاز، التي ما زالت نقطة خلاف بين إسرائيل ولبنان، في شأن موقعها الحدودي، شغلت خلال الأشهر الماضية اهتمام معدي الأبحاث الأمنية والتقارير العسكرية، باعتبارها هدفاً متوقعاً لجهات معادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفق أمنيين، فإنه منشأة الغاز هذه، هدف أساس لحزب الله وإيران. وقد أجرى الجيش قبل أقل من أسبوع تدريبات خاصة لمواجهة سفينة تطلق صواريخ باتجاه البحر، وتحديداً آبار الغاز. وقال نتنياهو إن "الغاز يشكل مقوّماً حيويّاً في قوتنا الإستراتيجية والاقتصادية والدبلوماسية… وبتدشين (هذه المنشأة) نحوّل إسرائيل إلى دولة عظمى في مجال الطاقة، ما يجعلنا مستقلين في هذا المجال ويعطينا قوة عظيمة".

ووفق المخطط، سيخرج من هذه المنشأة أنبوب غاز يربط إسرائيل بسوق الغاز في أوروبا، والدول العربية أيضاً. ولطمأنة الإسرائيليين، أعلن نتنياهو أن هناك حاجة للدفاع عن آبار الغاز وحمايتها، لأنها ستنعش الاقتصاد الإسرائيلي من خلال التزوّد بمئات الملايين من الشواقل ( الشاقل: اسم العملة في اسرائيل).

وما إن تفاعلت تصريحات نتنياهو بين الإسرائيليين ومنافسيه في الانتخابات حتى وصل، مستغلاً منصبه كوزير دفاع، بزيارة مفاجئة إلى مستودعات الطوارئ التابعة لجنود الاحتياط ليعلن أن هؤلاء الجنود هم "رأس الحربة"، ويجب إبقاؤهم على أتم الاستعداد. وقد رافقه في هذه الجولة الرئيس الجديد لهيئة الأركان أفيف كوخافي وقياديون آخرون.

صحيح أن نتنياهو يعتبر، حتى اليوم، أقوى شخصيات اليمين التي ستخوض الانتخابات البرلمانية بعد حوالي الشهرين، لكن لجوءه إلى الجانب الأمني، لا يفسّره قلق الإسرائيليين من هذا الجانب فحسب، بل لأن منافسه الأقوى صاحب شخصية عسكرية قوية، وقد حظيت السياسات التي اتبعها خلال توليه منصبه السابق بدعم من عسكريين وأمنيين والجمهور الإسرائيلي أيضاً.

وغانتس، منافس نتنياهو الأقوى، على الرغم من لجوئه إلى السياسة، إلا أنه يبقى في ذهن الإسرائيليين شخصية عسكرية وأمنية قادرة على اتخاذ القرار الصحيح لضمان أمن إسرائيل، وفي بعض استطلاعات الرأي تمكّن من التفوق على نتنياهو.

ويخوض غانتس المعركة الانتخابية في حزب يضم العديد من الجنرالات، أطلق عليه "حصانة لإسرائيل"، لكن في المتداول بين الإسرائيليين يسمى حزب الجنرالات، إذ يضم موشيه يعالون، وزير الدفاع السابق، ويتوقع أن ينضم إليهما رئيس أركان آخر هو الجنرال في الاحتياط غابي أشكنازي. وحزب الجنرالات هذا، وفق استطلاعات الرأي، يمكن أن يتفوق وحده على نتنياهو، علماً أنه في حال تحالفه مع حزب "يوجد مستقبل"، برئاسة يائير لبيد، فإن فرص التفوّق ستتضاعف. 

وكانت استطلاعات الرأي بيّنت أن غانتس ونتنياهو يحصلان على تعادل بنسبة 42 في المئة لكل منهما، وهذه هي الانتخابات الأولى التي يتساوى فيها منافس مع نتنياهو، منذ توليه رئاسة الحكومة عام 2009. وما يخيف نتنياهو أن شعبية غانتس في تزايد مستمر. فعند تأسيس الحزب تبين أنه في حال خوضه الانتخابات سيحصل على 11 مقعداً. وبعد أقل من شهر، وفور انطلاق حملته الانتخابية، ارتفعت شعبيته لتتوقع استطلاعات الرأي حصوله على 24 مقعداً. وعندما طرح سؤال على الإسرائيليين في شأن من سيختارون إذا شُكل تحالف يضم غانتس ويعلون وأشكنازي ولبيد معاً، تبين أن حزب الجنرالات سيفوز بأكثرية 35 مقعداً مقابل 30 لنتنياهو.

هذه المعطيات وواقع الأجواء الانتخابية، تدفع نتنياهو إلى التركيز على الجوانب الأمنية، وليس صدفة أنه أصدر أوامره بتعزيز العمل على الجدار المحيط بغزة، معلناً أنه لن يتردد في تنفيذ عملية عسكرية ضدها، حتى قبل الانتخابات البرلمانية، لضمان أمن إسرائيل.

والسؤال المطروح راهناً: هل سيدفع الإعلان عن نتائج ملف الفساد، واستمرار تفوّق حزب الجنرالات، نتنياهو إلى خيار الاستفزاز العسكري، ليس تجاه غزة فحسب، بل تجاه لبنان وسوريا أيضاً؟ وهو استفزاز يمكن أن تُعرف بدايته، لكن نهايته ستكون خطيرة، إلى حد قد ينجح معه نتنياهو في الحفاظ على كرسي رئاسة الحكومة.

المزيد من الشرق الأوسط