ملخص
إيران تشن حملة تشويش على أقمار "ستارلينك" لعرقلة محاولات كسر التعتيم الرقمي المفروض منذ انقطاع شبه كامل للإنترنت، في خطوة تهدف إلى إخفاء فظائع القمع ضد المحتجين وسط تحذيرات من محدودية البدائل التقنية.
فيما عمت الاحتجاجات أنحاء إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أقدم النظام السلطوي في البلاد على فرض انقطاع شبه كامل لشبكة الإنترنت، مما دفع كثيراً من المتظاهرين للجوء إلى خدمة "ستارلينك" التابعة لقطب المال والتكنولوجيا إيلون ماسك، على أمل أن تتيح لهم التواصل مع العالم الخارجي.
وكانت طهران نفذت القطع المتعمد والواسع النطاق للإنترنت الخميس الماضي ضمن حملة قمعية شرسة ضد المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع تنديداً بالأزمة الاقتصادية الخانقة في البلاد. وبحسب جماعات حقوقية، قتل 646 متظاهراً في أقل تقدير.
ومع تصاعد المخاوف من توظيف قطع الإنترنت للتستر على فظائع ترتكب في حق المحتجين، تزايدت المطالبات الموجهة إلى الولايات المتحدة للمساعدة في إعادة الاتصال داخل إيران. وفي هذا السياق، تعهد الرئيس دونالد ترمب الأحد الماضي بالتحدث إلى ماسك في شأن استخدام خدمة "ستارلينك" لاستعادة الإنترنت في البلاد.
لكن "ستارلينك" بدورها وقعت، على ما يبدو، ضحية الهجوم الواسع الذي تشنه طهران على خدمات الإنترنت، إذ يرى خبراء أنه لا سبيل إلى "حل سحري" يكفل استعادة الربط بالشبكة فوراً في مختلف أنحاء إيران.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقالت مهسا عليمرداني، المتخصصة في شؤون القمع الرقمي ونائبة مدير برنامج "تهديدات التكنولوجيا وفرصها" في "ويتنس" Witness، المنظمة الدولية المعنية بحقوق الإنسان، في تصريح إلى "اندبندنت"، إن "هذه الخدمة [ستارلينك] ليست حلاً ناجعاً لـ90 مليون شخص يعيشون تحت انقطاع شامل للإنترنت".
يُذكر أنه منذ دخولها إيران عام 2022، سجل استخدام "ستارلينك" نمواً كبيراً، فبينما يرجح وجود نحو 50 ألف جهاز استقبال داخل البلاد، تعتقد عليمرداني بأن الرقم الإجمالي "أعلى بأشواط"، إذ يذهب بعض التقديرات إلى أنه يتجاوز الـ100 ألف جهاز.
ولكن مع شروع إيران في تنفيذ الانقطاع الواسع للإنترنت الخميس الماضي، تعرضت قدرة الربط عبر أقمار "ستارلينك" لهجوم أيضاً.
وتقول عليمرداني "باشروا استهداف ’ستارلينك‘، ونعتقد بأن محاولات تعطيل الخدمة التي بدأت منذ وقت مبكر من مساء الخميس الماضي، جرت عبر التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي ’جي بي أس‘GPS ، ذلك أن هذا النوع من التشويش يعوق عمل مستقبلات الأقمار الاصطناعية ويحد من كفاءتها".
لكن التشويش لم يكن فاعلاً تماماً، كما توضح عليمرداني. فكل الصور والفيديوهات والمشاهد التي وصلت إلى العالم الخارجي منذ بدء انقطاع الإنترنت، بعيداً من تلك التي وزعها النظام، نشرت على الأرجح عبر أجهزة متصلة بـ"ستارلينك" التي تديرها شركة "سبيس إكس" التابعة لـماسك.
وأوضحت عليمرداني أنه حتى لو كانت "ستارلينك" تعمل بكامل طاقتها، فإن محدودية أجهزة في الميدان تعني أن محطات الاستقبال المثبتة حالياً لن توفر حلاً ناجعاً على المدى القصير لـ90 مليون شخص محرومين من الإنترنت.
وصحيح أنه تتوافر سبل أخرى يمكن لشركة ماسك أن تؤمن عبرها الربط بالشبكة لعدد أكبر كثيراً من الأشخاص في أنحاء إيران، بيد أن هذه الوسائل ستكون مكلفة، ولا وضوح بعد في شأن الجهة أو الطريقة التي ستوفر المال اللازم لها.
ونظرياً، في مستطاع "سبيس إكس"، فضلاً عن شركات تكنولوجية أخرى، تفعيل تقنية الاتصال المباشر بالأجهزة المحمولة عبر الأقمار الاصطناعية Direct-to-Cell Satellite Technology، لتعمل الأقمار الاصطناعية فعلياً كأبراج بث لشبكات الهاتف المحمول في الفضاء، وتوفر تالياً الاتصال وخدمات البيانات للمستخدمين على الأرض.
في العادة، يتطلب تفعيل تقنية الاتصال المباشر بالأجهزة المحمولة تعاون شركات التكنولوجيا مع شركات اتصالات محلية. ولتجاوز هذا الحاجز، يمكن للشركات شراء "نطاقات الطيف الترددي" Spectrum Range- علماً أنها شرائح محددة من موجات التردد الراديوي غير المرئية التي تستخدمها شركات المحمول لبث إشاراتها- في النطاق الذي يغطي الأراضي الإيرانية.
"قدم كثر منا هذا المقترح إلى الحكومة الأميركية وعدد من صانعي القرار الآخرين"، قالت عليمرداني موضحة أن هذا "الحل القائم على الاتصال المباشر بالأجهزة المحمولة من شأنه أن يساعد الإيرانيين على المدى القصير، ولكنه، بطبيعة الحال، لا يمكن أن يشمل 90 مليون شخص خلال هذه الفترة. في الواقع، إنه مشروع طويل الأمد يحتاج إلى استثمارات كبيرة ليصبح قادراً على خدمة 90 مليون نسمة".
ولكن طهران تسعى جاهدة إلى منع وصول تكنولوجيا الاتصال المباشر بالأجهزة المحمولة إلى الداخل، خشية أن تجعل فرض التعتيم الرقمي في المستقبل غاية في الصعوبة. وفي خطوة يرجح أنها ترمي إلى كسب الوقت، صرح وزير خارجية إيران عباس عراقجي أول من أمس الإثنين بأن خدمة الإنترنت ستستأنف بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، ولكنه لم يحدد موعداً واضحاً لذلك.
ولا يخفى على أحد أن تجريد النظام الإيراني من القدرة على حجب الإنترنت عن المحتجين يعني فقدانه إحدى ركائزه الأساسية في كبح اتساع رقعة التحركات.
عموماً، ليس الانقطاع الحالي للإنترنت سابقة من نوعها، إذ مهدت له سياسة ممنهجة صاغها النظام الإيراني لمركزة شبكة الإنترنت، في تدبير جرى التخطيط له بدقة رداً على انتفاضات شهدتها البلاد سابقاً.
ويرجع تاريخ حجب الإنترنت في إيران إلى عام 2009، عندما قطع النظام خدمات التلفزيون والإذاعة والاتصالات الهاتفية والإنترنت عن الناس إبان الاحتجاجات الشعبية التي تلت الانتخابات الرئاسية.
ففي أعقاب تحركات عام 2009، وإثر الصعوبات التي واجهتها السلطات في فرض تشويش شامل على خوادم الويب، كثفت طهران مساعيها لمركزة شبكة الإنترنت.
وخلال العقد الأول من القرن الـ21، أصبحت غالبية البنية التحتية للاتصالات مملوكة للدولة. وعام 2009، استحوذ الحرس الثوري الإيراني على حصة تبلغ 51 في المئة من شركة الاتصالات الإيرانية، مما مكنه من السيطرة على معظم مزودي خدمة الإنترنت في البلاد.
ولكن "حتى من دون هذه الملكية، فإن جميع مزودي خدمة الإنترنت يعملون بموجب تراخيص صادرة عن السلطات، ويرتبطون بشبكات الوصول إلى الإنترنت التي تتحكم بها الحكومة"، على ما توضح عليمرداني.
وتضيف "لذا، بمجرد أن تقرر السلطات قطع الإنترنت، ما عليها سوى إصدار الأوامر لمزودي الخدمة الذين يمتثلون لقرارها في الحال".
وعلاوة على ذلك، خاضت طهران تجارب متعددة لاختبار آليات التحكم بالإنترنت على مدى الأعوام، إذ كانت تتعمد إحداث نوع من التشويش أو الانقطاع الكامل مع كل موجة احتجاجات تشهدها البلاد.
وتتابع عليمرداني أن "أكبر انقطاع للإنترنت شهدناه كان عام 2019، حين قطع النظام الشبكة عن البلاد برمتها طوال أسبوع كامل، ليتسنى له المضي في قمع الاحتجاجات بوحشية. ولا ننسى أن الغرض الأساس من هذه الانقطاعات في النهاية تمكين القمع العنيف وشل أية قدرة على تعبئة التحركات".
وترى عليمرداني أن الانقطاع المتعمد للإنترنت عام 2026 يعكس "شعوراً باليأس"، مؤكدة أنه يمثل "الملاذ الأخير لأن النظام مقتنع تماماً بأن هذا الإجراء ضروري للحفاظ على سيطرته".
© The Independent