ملخص
نجحت تحركات المستوطنين بالفعل في تفريغ الأرض من 35 تجمعاً بدوياً فلسطينياً كانت حجر عثرة في استكمال المخططات الاستيطانية.
بعد أن تحولت حياتها الى جحيم لا يطاق بفعل اعتداءات المستوطنيين اليومية، اضطرت نحو 80 عائلة فلسطينية من بدو "الكعابنة" إلى الرحيل قسراً من الجهة الشمالية لتجمع شلال رأس العوجا شمال مدينة أريحا بالضفة الغربية، وترك مساكنها ومصادر رزقها تحت جنح الظلام والبرد القارس والأمطار خوفاً على سلامتها، فسياسات الضغط والترهيب الممنهج التي يمارسها المستوطنون في منطقة الأغوار والتي تصاعدت بصورة عنيفة جداً وغير مسبوقة خلال الآونة الأخيرة، نجحت بالفعل في تفريغ الأرض بالقوة وتحت تهديد السلاح من 35 تجمعاً بدوياً فلسطينياً كانت تشكل حجر عثرة في استكمال المخططات الاستيطانية الجديدة الرامية إلى زرع مليون مستوطن في الضفة حتى عام 2027، عبر تهيئة الأرض المفرغة من الفلسطينيين لاحقاً لتوسيع المستوطنات، في إطار الضم الزاحف الذي وعد به الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش المستوطنيين، ضمن حملته للانتخابات استعداداً لخوض الانتخابات الإسرائيلية المزمع أو المتوقع عقدها في أكتوبر (تشرين الأول ) المقبل من العام الحالي .
ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تشكل منطقة الأغوار التي تقدر مساحتها بنحو 1600 كيلومتر مربع ما يقارب الـ30 في المئة من مساحة الضفة الغربية والتي يعيش فيها قرابة 56 ألف نسمة بما فيها مدينة أريحا، مما نسبته اثنين في المئة من مجموع السكان الفلسطينيين في الضفة. وبحسب مؤشرات التعداد الزراعي الفلسطيني، فإن مناطق الأغوار تشكل ما نسبته 50 في المئة من الأراضي الزراعية في الضفة تقريباً، إذ تزود السوق الفلسطينية بنحو 60 في المئة من الخضراوات والفواكه، وتحوي أيضاً ما نسبته 50 في المئة من مصادر المياه الفلسطينية الجوفية، وهي تعد ثاني أكبر خزان للمياه الجوفية في الضفة بسعة 173 مليون متر مكعب، وتضم كذلك نحو 45 في المئة من المساحات الرعوية و40 في المئة من الثروة الحيوانية الفلسطينية. وبحسب تقسيمات اتفاقات أوسلو بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي عام 1993، فإن المنطقة المصنفة "أ" التي تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية في منطقة الأغوار لا تزيد مساحتها على نحو 85 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل 7.4 في المئة من مساحة الأغوار الكلية، فيما حصلت المنطقة المصنفة "ب" على مساحة 50 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل 4.3 في المئة من المساحة الكلية للأغوار بين السلطة وإسرائيل، في حين استحوذت إسرائيل ضمن مناطق "ج" على مساحة 1155 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل 88.3 في المئة من المساحة الكلية للأغوار.
بؤر ومزارع
وتفريغ منطقة رأس العوجا شمال أريحا وتهجير سكانها البدو لم يكونا مجرد عنف يومي اعتيادي يقوده مستوطنون متطرفون شباب خلال الأعوام الأخيرة، إذ أكدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أن أريحا والأغوار جاءتا ضمن المخططات الاستيطانية التي يجري العمل على عزلها خلال العام الحالي بواسطة مستوطنات "غلاف أريحا"، وإضافة إلى نحو 27 مستوطنة أقيمت في الأغوار الفلسطينية في وقت مبكر بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967. وأفاد مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الانسان في بيتسليم بأن عدد المستوطنات ارتفع إلى 43 مستوطنة وبؤرة استيطانية، فضلاً عن 26 معسكراً، بينها 13 بؤرة أقيمت بعد السابع من أكتوبر عام 2023. وأكد تقرير للمركز أن البيانات والوقائع اليومية تشير إلى أن إسرائيل اليوم تسيطر فعلياً على نحو 85 في المئة من مساحة الأغوار الكلية، البالغة مساحتها نحو 720 مليون متر مربع، ويقدر عدد المستوطنين الذين يعيشون في ثلاثة مجالس إقليمية (غور الأردن والبحر الميت ومعاليه أفرايم) نحو 11 ألف مستوطن. ويزعم قادة المستوطنين في المجالس الثلاثة أن مخطط مستوطنات "غلاف أريحا" يستند إلى ضرورة أمنية عند الحدود، خصوصاً بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023. وبحسب الصحيفة، فإن ترجمة مصطلح "الضرورة الأمنية على الأرض" يندرج ضمن توسيع المستوطنات وإقامة أخرى جديدة، بما في ذلك داخل جيوب بين القرى الفلسطينية التي ستقام فيها "مؤسسات تعليمية" وبينها معاهد دينية لتدريس التوراة وبؤر استيطانية على شكل مزارع، وقسم منها سيكون قريباً من الحدود بين الضفة الغربية والأردن. وبحسب المخططات، فإن طلاب هذه المعاهد الدينية سيخضعون لتدريبات على حمل السلاح واستخدامه، وتشمل هذه المخططات أيضاً إقامة معهد ديني كهذا بمحاذاة قرية العوجا، شمال أريحا.
مدينة التمور
دعوة مؤسسات حقوقية المجتمع الدولي والهيئات الحقوقية والإعلامية إلى التحرك العاجل لحماية التجمعات البدوية ومنع تفاقم أزمة النزوح والاعتداء على الأراضي والممتلكات الفلسطينية، تزامنت مع الإعلان عن إنشاء "مدينة التمور" التي سينقل إليها سكان من المتدينين من التيار الديني المتزمت (الحريدي)، المعروفين بارتفاع معدلات المواليد، مما قد يؤدي إلى نمو سكاني سريع يغير ربما من التركيبة الديموغرافية للأغوار. ووفق تقرير المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، فإنه إذا ما جرى تنفيذ خطة بناء ثلاث مستوطنات جديدة التي كشفت عنها صحيفة "ميكور ريشون" الإسرائيلية أخيراً، فإن عدد المستوطنين في المنطقة سيتضاعف، حيث ستوفر المستوطنات الجديدة خلال أعوام قليلة نحو 9500 وحدة سكنية إضافية، خصوصاً أن هذه المخططات الاستيطانية الجديدة جاءت بعد سن قانون يلغي ضرورة مصادقة رئيس الحكومة ووزير الأمن على أية مرحلة بناء استيطاني، بموجب مصادقة الكابينيت السياسي – الأمني، في يونيو (حزيران) من عام 2023.
ووفقاً للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، فإن ما يحصل داخل الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر 2023 ليس مجرد تصاعد حاد في نسبة اعتداءات المستوطنين، بل إنه تحول مؤسساتي في دور مجالس المستوطنات التي باتت تتحلى أكثر من ذي قبل بصلاحيات ومساحات عمل، مترافقة مع "تفهم" من قبل الجيش الإسرائيلي بأن مجالس المستوطنات أيضاً تمارس دورها في الدفاع عن "أرض إسرائيل" ولكن بـ"طريقتها التوراتية الاستيطانية". وذكر الموقع الإلكتروني للمجلس الإقليمي الاستيطاني لغور الأردن أن مؤسسات استيطانية مدعومة تعمل بكثافة على جذب الإسرائيليين إلى الأغوار عبر منحهم أراضي لزراعتها بالنخيل وغيره من الأصناف الزراعية، باعتبارها قصة "نجاح زراعية" تجلب عائدات اقتصادية كبيرة، ناهيك عن التركيز على البعد الديني المتعلق بالمرويات اليهودية والتوراتية التي تزعم أن النخيل "يجب أن يمتد إلى بيسان (جنوب شرقي مدينة الناصرة، وشمال جنين)". وبحسب بيانات اتحاد لجان العمل الزراعي الفلسطيني، فإن أشجار النخيل التي زرعها المستوطنون في الأغوار قدرت أعدادها بنحو مليون شجرة، فيما ترفع بعض التقديرات الرقم إلى 4 ملايين، كان لها بحسب مركز "بيتسليم" آثار خطرة على الأمن المائي للتجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية التي لا تحصل إلا على 36 في المئة فقط من المياه الجارية يومياً.
وتشير تقديرات الإغاثة الزراعية في أريحا إلى أن الجيش الإسرائيلي يمنع المزارعين الفلسطينيين من تطوير أو ترميم نحو 90 بئراً قديمة في الأغوار، بحجة أن الأمر يحتاج إلى اجتماع اللجنة المشتركة الإسرائيلية ـ الفلسطينية التي توقفت أعمالها تقريباً منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر (أيلول) عام 2000.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جدار قرمزي
ويؤكد خبراء ونشطاء في الشؤون الزراعية والبيئية للأغوار أن نسبة كبيرة من العائلات الفلسطينية أُجبرت على الهجرة وترك منازلها وخيامها، نتيجة السياسات الإسرائيلية المتصاعدة بسرقة المياه والسيطرة على الأراضي، المتزامنة مع غياب مقومات الصمود والدعم. فسكان قرية يرزا الفلسطينية في محافظة طوباس شمال الأغوار، على سبيل المثال لا الحصر، محرومون من 95 في المئة من أراضيهم البالغة نحو 4 ملايين متر مربع، ليس فقط نتيجة انتشار البؤر الاستيطانية الرعوية والاستيلاء على آبار المياه في المنطقة، بل لأن إسرائيل تعتزم على قدم وساق، تنفيذ مشروع جدار فصل جديد في عمق منطقة الأغوار الشمالية، يعرف بـ"الخيط القرمزي" (رمز ديني)، سيهدم ضمن مساره الممتد على طول 22 كيلومتراً وعرض 50 متراً، على بعد 12 كيلومتراً غرب الأردن جميع المنازل والحظائر والبيوت البلاستيكية والمخازن وأنابيب المياه والآبار والمناطق الزراعية الواقعة ضمن مساره، بهدف عزل القرى الفلسطينية عن بعضها وفصل المزارعين وأصحاب الأراضي عن أراضيهم الواقعة خلف الجدار. وبذريعة حماية المستوطنين ومنع تهريب الأسلحة، على اعتبار أن خيام البدو والمنشآت والمباني الفلسطينية قرب مساره ستشكل "نقاط ضعف عملياتية"، أكدت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن الجدار الذي لم ينشر الجيش الإسرائيلي بعد مساره الكامل، سيشمل طريقاً للدوريات العسكرية مع حاجز طبيعي وسواتر ترابية وقنوات، بعرض 10 أمتار ومساحة أمان 20 متراً على جانبيه.
نموذج جديد
وأشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أن خطط الاستيطان في الضفة الغربية لعام 2026، تحديداً نموذج مستوطنات "غلاف أريحا" سينقل إلى منطقة جنوب جبل الخليل ومستوطنات في منطقة رام الله وشمال القدس الشرقية، مؤكدة أن مجموعة من البؤر الاستيطانية أقيمت بالفعل على شكل مزارع بين مستوطنة "كرمل" ومستوطنة "عوتنيئيل"، من أجل الفصل بين مناطق قريتي يطا والسموع جنوب الضفة الغربية وبين قرى في النقب جنوب اسرائيل. وأضافت الصحيفة أن "التغييرات التي طرأت ببداية عام 2026، تنذر بحسم مرتقب على الأرض وسحق أحلام الدولة الفلسطينية".
