Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجزائر تنهي ارتباكات النقل بعد غضبة سائقين من قانون جديد

التشريع فرض عقوبات تصل إلى الحبس وفحوصات طبية صارمة والحكومة قالت إن دعوات الإضراب تقف وراءها أطراف خارجية مشبوهة

سن قانون المرور الجديد في الجزائر أثار حفيظة السائقين (مواقع التواصل)

ملخص

سرعان ما برزت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات للتجار الجزائريين لشن إضراب الخميس الثامن من يناير الجاري، لكن الاستجابة لهذه الدعوات كانت منعدمة، إذ فتحت المحال التجارية أبوابها بصورة عادية، بحسب ما لاحظته "اندبندنت عربية" في الجزائر العاصمة

شهدت ولايات جزائرية عدة، خلال الأيام الأخيرة، حالاً من الارتباك الحاد في نشاط نقل البضائع، نتيجة تصاعد التوتر بين الحكومة ومهنيي النقل عقب الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود ودخول القانون الجديد للنقل حيز التنفيذ. هذا القانون الذي تضمن عقوبات وغرامات مالية مشددة أثار موجة استياء في أوساط الناقلين، ودفع بعضهم إلى التوقف عن النشاط، مما تسبب في شلل جزئي للحركة التجارية ووقوع اختلالات في سلاسل الإمداد.

ومع تأثر تدفق البضائع نحو الأسواق، بدأت انعكاسات أزمة تظهر سريعاً في شكل نقص نسبي في بعض السلع وارتفاع في الأسعار، مما زاد العبء على القدرة الشرائية، وطرح أسئلة حول قدرة المنظومة اللوجيستية الوطنية على امتصاص الصدمات.

شد وجذب

بعد خمسة أيام من الشد والجذب بين الحكومة والناقلين الخواص، عادت حركة نقل المسافرين والبضائع، الخميس الثامن من يناير (كانون الثاني) الجاري إلى النشاط، إثر لقاءات ماراثونية بين الولاة وممثلي نقابات الناقلين، ودعوة المنظمة الوطنية للناقلين الجزائريين، جميع السائقين من أصحاب حافلات نقل المسافرين ونقل البضائع، إلى جانب سائقي سيارات الأجرة الذين أوقفوا نشاطهم، إلى العودة الفورية لمزاولة مهامهم المهنية وإنهاء حال التوقف عن العمل التي أثرت على حركة النقل في مناطق عدة.

وذكرت المنظمة الوطنية للناقلين الجزائريين في بيان، أنها "تواصل التزامها بمواصلة العمل في إطار تشاوري جاد من أجل إيجاد حلول مناسبة في ما يخص عرض مشروع قانون المرور الجديد على مجلس الأمة، وبما يضمن الأخذ بعين الاعتبار جميع انشغالات الناقلين وحفظ حقوقهم".

 

ويعود السبب الرئيس للحركة الاحتجاجية للناقلين الجزائريين إلى سن قانون المرور الجديد الذي أثار حفيظة السائقين، بعد تضمنه مقاربة شاملة تهدف للحد من حوادث المرور، عبر تشديد العقوبات التي تصل إلى الحبس، وإعادة تصنيف المخالفات، وفرض فحوصات طبية صارمة للسائقين. ووسع النص القانوني دائرة المسؤولية لتشمل مدارس السياقة ومراكز المراقبة التقنية، التي ستخضع لإجراءات رقابية أكثر صرامة. ويعزز القانون الجديد، بحسب الحكومة، "اعتماد منظومة الرصد الإلكتروني للمخالفات عبر كاميرات ذكية ورادارات متطورة، في خطوة تهدف إلى الحد من التدخل البشري وتقليص هامش الخطأ، بما يمهد لإرساء منظومة مرور أكثر فاعلية وانضباطاً".

دعوات مشبوهة

سرعان ما برزت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات للتجار الجزائريين لشن إضراب الخميس الثامن من يناير الجاري، لكن الاستجابة لهذه الدعوات كانت منعدمة، إذ فتحت المحال التجارية أبوابها بصورة عادية، بحسب ما لاحظته "اندبندنت عربية" في الجزائر العاصمة.

ودفع الأمر بالهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها (حكومية) إلى إصدار بيان قالت فيه إن "أطرافاً خارجية تقف وراء دعوات مشبوهة لإضراب التجار في الجزائر".

وجاء في بيان ذات الهيئة، نقلته وكالة الأنباء الجزائرية، أنه "بعد تحريات تقنية منجزة من طرف مصالحها المتخصصة، نعلم الرأي العام أن نشر منشورات ذات طابع تخريبي جاء من طريق صفحات وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، تابعة لأشخاص موجودين بالخارج، خصوصاً المغرب، وفرنسا، وبريطانيا وكندا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفق ذات البيان فإن هذه الأطراف "المعروفة بعدائها اتجاه الجزائر ومؤسساتها عملت على تحريض التجار الجزائريين للقيام بإضراب الخميس الثامن من يناير الجاري بغرض المساس باستقرار البلاد".

وكان الاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين نفى في بيان الإثنين الماضي صحة ما يتم تداوله عبر بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بخصوص دعوات الإضراب.

وأكد الاتحاد أنه يتابع بـ"بالغ الاهتمام" هذه الدعوات ووصفها بـ"الإشاعات المغرضة التي لا أساس لها من الصحة، ولا تمثل موقف التجار أو الاتحاد بأي صورة من الصور".

انعكاسات اقتصادية

موازاة مع ذلك، تسبب توقف عدد معتبر من ناقلي البضائع في تباطؤ وصول شاحنات التموين إلى أسواق الجملة، خصوصاً تلك الموردة للخضر والفاكهة والمواد سريعة التلف. ورصد تجار ومتعاملون نقصاً في بعض السلع، بخاصة في المناطق الداخلية التي تعتمد على النقل البري لتغطية جزء كبير من حاجاتها اليومية.

وأدى التأخير في تفريغ حمولات الشاحنات في تراجع عرض المنتجات الطازجة داخل الأسواق، مما جعل بعض المواد تختفي موقتاً أو تسجل ارتفاعاً في أسعارها بفعل اضطراب سلاسل الإمداد وانخفاض الكميات المتاحة للبيع.

وأسهم تعطل حركة نقل البضائع في تسارع وتيرة الزيادات في الأسعار، نتيجة ارتفاع كلف الشحن وضعف العرض في الأسواق. ونتج من ذلك ضغط إضافي على القدرة الشرائية، في وقت كانت فيه الأسواق تستعد لموسم استهلاكي حيوي، وهو شهر رمضان.

وعرف عدد من المصانع، خصوصاً في قطاعات الصناعات الغذائية والحليب والمواد التحويلية، اضطرابات في خطوط الإنتاج بسبب نقص المواد الأولية، ما يعكس مدى ارتباط الاقتصاد الوطني بسيولة التدفق اللوجيستي.

وتراجعت وتيرة سحب الحاويات من الموانئ بسبب غياب الشاحنات، مما أدى إلى تكدسها وارتفاع كلف التخزين والغرامات على التأخير.

قطاع حيوي

يمثل قطاع النقل واللوجيستي في الجزائر عموداً أساساً للاقتصاد المحلي، حيث يشكل شبكة حيوية تربط بين الفاعلين الاقتصاديين والأسواق المحلية والدولية، وتعتمد على النقل اللوجيستي في تموين البلاد المترامية الأطراف، مما أثار تساؤلات حول القدرات الوطنية في ضمان سلاسل الإمداد.

ويشمل قطاع النقل في الجزائر شبكة بنية تحتية متنامية تضم أكثر من 141.500 كيلومتر من الطرق، من بينها نحو 2300 كيلومتر من الطرق السريعة، وأكثر من 5000 كيلومتر من خطوط السكك الحديد لنقل الركاب والبضائع، و13 ميناءً تجارياً رئيساً، ونحو 85 مطاراً (بما في ذلك مهابط الطائرات الصغيرة)، منها 35 مطاراً مدنياً عاملاً و13 مطاراً دولياً.

 

ويعد النقل البحري حيوياً للتجارة، حيث تشكل موانئ رئيسة مثل الجزائر العاصمة (التي تعالج أكثر من مليوني طن ربع سنوياً)، ووهران (295 ألف حاوية نمطية عام 2024)، وسكيكدة، وأرزيو، وبجاية، وعنابة، بوابات لـ95 في المئة من الواردات والصادرات، وبخاصة المواد الهيدروكربونية.

وأظهر مؤشر الأداء اللوجيستي (LPI) تحسناً تدريجاً على مدى سنوات، إذ تقدم ترتيب الجزائر من المركز 140 في 2007 إلى المركز 97 في 2023، نتيجة تحسن في جودة البنى التحتية والتخليص الجمركي.

تحديات كبيرة

يرى سعدي العربي، باحث في التجارة الدولية واللوجيستية، أنه "على رغم الجهود التي بذلتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة لتطوير البنى التحتية وتعزيز الخدمات اللوجيستية، فإنها لا تزال تواجه تأخراً ملحوظاً في هذا المجال، مما ينعكس سلباً على ترتيبها في المؤشرات الدولية، على غرار تقارير صندوق النقد الدولي ومؤشرات التنافسية والابتكار".

ويقول العربي في تصريحات صحافية، إن "هذه التصنيفات تشير إلى حلول الجزائر في مراتب متدنية، بما يعكس محدودية كفاءة القطاع اللوجيستي".

وأضاف أن "هذا الوضع يعزى إلى عوامل عدة، أبرزها تقادم المعدات المستعملة في عمليات الشحن والتفريغ، وضعف تجهيزات الموانئ سواء على مستوى الأرصفة أو قدرة استقبال السفن كبيرة الحجم. وتعاني الموانئ الجزائرية نقصاً في التكنولوجيا الحديثة اللازمة لتحسين الأداء وتسريع العمليات".

وأبدى وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل السعيد سعيود خلال اجتماعاته مع مسؤولي شركة النقل البري في الـ27 من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 اهتمامه بتعزيز دور هذه الشركة في النظام اللوجيستي الوطني، مع تطوير قدراتها وعصرنتها لما يخدم الخريطة الاقتصادية والآفاق المستقبلية للقطاع في الجزائر وأفريقيا.

وحسب بيان وزارة الداخلية، أكد سعيود "أهمية تطوير نشاط المجمع العمومي وتعزيز خدماته في مختلف الفروع مع عصرنة قدراته اللوجيستية، وكذلك العلاقات التجارية مع شركائه، بما يمكن من تسريع وتيرة مختلف المشاريع الجاري استكمالها".

ويقول المتخصص بتكنولوجيا المعلومات يزيد إقدال إن استخدامات الذكاء الاصطناعي باتت أكثر من ضرورية في النقل العام واللوجيستي بالجزائر.

وأوضح إقدال أن "الجزائر بدأت فعلياً في استخدام تقنيات مثل أنظمة تحديد المواقع (GPS) لتتبع المركبات وتحسين إدارة الأساطيل وتقليل الكلف"، مشيراً إلى إمكان تحسين توزيع المركبات وخطط تحركها بصورة ذكية لزيادة الكفاءة وربحية الشركات.

في النقل العام، أكد إقدال على أهمية جمع بيانات دقيقة حول حركة الركاب وجداول الحافلات وحالة المحطات، مما يتيح التنبؤ بالعدد المطلوب من الحافلات وتحسين الجداول وتقليل الازدحام، ويمكن دمج GPS وخرائط "غوغل" لتوجيه الحافلات نحو أسرع المسارات.

واختتم بتأكيد أن البنية التحتية والكفاءات المتوافرة في الجزائر إلى جانب الإرادة السياسية وبناء منظومة بيانات متكاملة، تجعل تطبيق الذكاء الاصطناعي في قطاع النقل هدفاً واقعياً وقابلاً للتحقيق.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير