ملخص
أصدر رئيس المجلس الشعبي لبلدية تلاغ بمحافظة سيدي بلعباس غرب البلاد قراراً يمنع المحال التجارية بيع حلوى "جذع الشجرة المسيحية" التي يقتنيها المواطنين للاحتفال بالعام الميلادي الجديد، ولم يتوقف الأمر عند المنع بل هدد المخالفين بغلق محالهم مدة 30 يوماً وفرض غرامة مالية قدرها 20 ألف دينار جزائري (145 دولاراً).
تحول قرار بلدي محدود إلى قضية رأي عام في الجزائر، بعد أن أصدر رئيس المجلس الشعبي لبلدية تلاغ بمحافظة سيدي بلعباس غرب البلاد، قراراً يقضي بمنع المحال التجارية من بيع حلوى رأس السنة الميلادية، وهو ما أحيا نقاشات ظن كثيرين أنها طويت، وبين الدين والحريات وبين العولمة والتخلف، وبين حدود المسؤولية وخلفية القرار، تصاعد الجدل عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي.
قرار وجدل وحبس موقت
وعلى رغم أنه تراجع عن قرار المنع الذي أثار سجالاً دينياً وحقوقياً وحداثياً، وأصدر تعليمة تمنع المنع، لكن المسؤول الأول على بلدية تلاغ بمحافظة سيدي بلعباس غرب الجزائر وجد نفسه في الحبس الموقت، إذ أصدر قاضي التحقيق لدى محكمة سيدي بلعباس قرار الإيداع على خلفية تهم تتعلق بالتحريض على العنصرية والكراهية وسوء استعمال الوظيفة، إضافة إلى نشر قرار إداري عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون إشعار السلطات الوصية.
وجاءت المتابعة القضائية بعد أن أصدر المسؤول المحلي قراراً يمنع المحال التجارية من بيع حلوى "جذع الشجرة المسيحية" التي يقتنيها المواطنون للاحتفال بالسنة الميلادية الجديدة، ولم يتوقف الأمر عند المنع بل هدد المخالفين بغلق محالهم مدة 30 يوماً، وفرض غرامة مالية مقدارها 20 ألف دينار جزائري (145 دولاراً).
وبعد أن أثار قراره موجة انتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، سارع رئيس بلدية تلاغ إلى إصدار قرار جديد يلغي الأول، وكلّف رئيس أمن الدائرة ورئيس فرقة الدرك، إضافة إلى رئيس مفتشية التجارة والهيكل البلدي للصحة، بالسهر على تنفيذ محتوى القرار الثاني الذي يسمح ببيع "كعكة رأس السنة".
نقاشات من تعددية التسعينيات الحزبية
وكان القرار فجّر موجة واسعة من النقاشات الحادة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أعادت للأذهان الوضع الذي عاشته البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي، مع التعددية الحزبية التي أفرزت تصادمات سياسية وحقوقية ودينية بين الأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي، والأخرى من الراديكاليين والديمقراطيين واليساريين والشيوعيين، وما تبعه من تشنجات بلغت في كثير من الأحيان حد العنف اللفظي إعلامياً، والتشابك الجسدي في الجامعات والشوارع بين أنصار التشكيلات السياسية.
وبالعودة للتهم التي وجهت إلى المسؤول البلدي والمتعلقة بالتحريض على العنصرية والكراهية وسوء استعمال الوظيفة، إضافة إلى استعمال تكنولوجيا الإعلام والاتصال لنشر القرار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من دون إشعار أو الرجوع إلى السلطات الوصية، فإن الجدل الذي أفرزه قرار المنع، ولا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي، يبدو أنه أحدث ارتباكاً لدى الجهات الوصية التي سارعت إلى احتواء الوضع عبر إيداع المتهم الحبس الموقت.
رواية فرنسية على الخط
وما زاد قلق السلطات هو تزامن قرار المنع مع تصريحات كانت قد أطلقتها صحفية فرنسية على قناة "سي نيوز" حول مزاعم بمنع حلوى أعياد الميلاد في الجزائر، إذ أشارت إلى أن السلطات الجزائرية شرعت في ملاحقة محال الحلويات ومنعها من صناعة أو بيع كعك الميلاد، أو ما يعرف بالفرنسية "بيش دو نوال"، موضحة أن هناك قراراً رسمياً يجرّم هذه الحلوى باعتبارها مرتبطة بعيد الميلاد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولمواجهة الرواية الفرنسية ذكر جزائريون عبر وسائط التواصل الاجتماعي، مزودين بفيديوهات لمحال تعرض أنواعاً غير متوافرة في فرنسا لكعكة السنة الميلادية الجديدة، بأن هذه الحلوى لا ينظر إليها باعتبارها رمزاً دينياً وهي متداولة منذ أعوام، وكما تعرضها المحال فهي تصنع أيضاً في البيوت استعداداً للمناسبة، تماماً كما هو الحال مع كثير من العادات المستوردة التي جرى تكييفها محلياً من دون حساسيات.
مساس بالحريات وصورة البلاد
وفي السياق يقول الحقوقي أيمن رضواني في تصريح إلى "اندبندنت عربية" إن قرار منع بيع كعكة السنة الميلادية الجديدة يعتبر مساساً بالحريات الفردية، لذا تدخلت العدالة عبر متابعة رئيس المجلس البلدي وإيداعه الحبس الموقت، موضحاً أن القرار الذي اتخذه المسؤول البلدي يؤثر سلباً في صورة البلاد من ناحية احترام الحقوق والحريات، مشيراً إلى أن الشعب الجزائري لا عقدة له مع احتفالات السنة الميلادية، بل للجميع الحرية في الاحتفال وفق ما يراه مناسباً بشرط عدم المساس بحرية الآخرين.
ويواصل رضواني أن ما حدث مع رئيس المجلس الشعبي لبلدية تلاغ خطأ ناجم عن سوء فهم أو ضغط جهات، وهو ما يستدعي التحقيق معه لمعرفة الخلفيات، مبرزاً أن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية أولى بالنبش والبحث والحل، وأما الأمور الشخصية فتتعلق بالحريات الفردية التي يحميها القانون، موضحاً أن إدراج الدين في مثل هذه الأمور يخلق نوعاً من النفور والتصادم الذي لا طائل منه، على اعتبار أن القانون فوق الجميع.
احتفالات على رغم الجدل الديني
ويحتفل الجزائريون برأس السنة الميلادية عبر سهرات عائلية في المنازل مع تحضير الحلويات والشوكولاتة، ورحلات للمناطق السياحية وإحياء حفلات موسيقية والذهاب إلى المتنزهات والمراكز التجارية، على رغم الجدل المجتمعي الذي يرافق المناسبة، بين من يراها عالمية ومن يعتبرها تقليداً دينياً غير مشروع.
ولا يفوّت كثير من الجزائريين هذه المناسبة التي يتحصلون فيها على عطلة رسمية مدفوعة الأجر للاحتفال كل على طريقته ووفقاً لإمكاناته المادية، ومنهم من يفضل السفر إلى دول أوروبية وآسيوية للاحتفال.