ملخص
في عام 2025 انخفض عدد المهاجرين السريين إلى إسبانيا بـ40.4% ووفاة 3 آلاف آخرين غرقاً معظمهم على طريق الأطلسي الذي يعد من أخطر مسارات العالم
يبدو أن الهجرة غير الشرعية نحو إسبانيا عبر البحر تراجع نشاطها بعدما انخفض عدد الغرقى إلى ثلاثة آلاف، وفي حين لا تزال قوارب المهاجرين تواصل الإبحار "سراً" نحو سواحل المملكة الإيبيرية، إلا أن مسار الأطلسي بين أفريقيا وجزر الكناري، شهد الجزء الأكبر من الوفيات المسجلة، ما جعله من أخطر مسارات الهجرة في العالم.
أرقام ونسب
أشارت وزارة الداخلية الإسبانية إلى خفض بنسبة 40.4 في المئة في أعداد المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا إلى إسبانيا بحراً، بين الأول من يناير (كانون الثاني) 2025 والـ15 من ديسمبر (كانون الأول) 2025 مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية، إذ وصل 35 ألفاً و935 مهاجراً سرياً في 2025 مقابل 60 ألفاً و311 مهاجراً في 2024، وهو ما جعل عدد الذي قضوا وهم يحاولون الوصول إلى إسبانيا يتراجع إلى 3 ألاف، الجزء الأكبر منهم سجلوا على مسار الأطلسي بين أفريقيا وجزر الكناري الذي يعد من أخطر مسارات الهجرة في العالم.
من جانبها ذكرت منظمة "كاميناندو فرونتيراس" الإسبانية التي تهتم بالمهاجرين أنه في 2024 لقي 10457 مهاجراً حتفهم أو فقد أثرهم خلال محاولتهم الوصول إلى إسبانيا، وهو أعلى عدد للوفيات يتم تسجيله منذ 2007، مبرزة أن الخفض يعود إلى تراجع توافد المهاجرين غير النظاميين، بعد الإجراءات المتخذة سواء على مستوى الاتحاد الأوروبي أو دول شمال وغرب أفريقيا، وأهمها زيادة التمويل المقدم للبلدان لاحتواء تدفقات الهجرة إلى جانب تشديد الرقابة.
وأضافت المنظمة أن الطريق البحري بين السواحل الجزائرية والإسبانية تحول خلال عام 2025 إلى أحد أخطر مسارات الهجرة غير النظامية في غرب البحر الأبيض المتوسط بعد إحصاء 1037 غريقاً ومفقوداً.
تقرير أمني وطريق الأطلسي
سبق أن حذر تقرير رسمي إسباني حديث حول الأمن القومي نشر في مايو (أيار) 2025 من استمرار تصاعد ضغط الهجرة غير النظامية باتجاه السواحل الإسبانية، مشيراً إلى أن الجزائر تحتل المرتبة الثالثة في عدد المنطلقين من سواحلها بعد كل من المغرب وموريتانيا، وقال إنه وصل إلى السواحل الإسبانية خلال 2024 أكثر من 61 ألف مهاجر غير نظامي عبر البحر، وهو رقم قياسي جديد يتجاوز بنسبة 10.3 في المئة ما تم تسجيله في 2023، مبرزاً أن أكثر من 12 ألف مهاجر انطلقوا من الجزائر خلال عام 2024، مما وضعها في المرتبة الثالثة بعد موريتانيا 25 ألفاً و81 مهاجراً، والمغرب 13 ألفاً و217 مهاجراً.
وأضاف قسم الأمن الداخلي التابع لرئاسة الحكومة الإسبانية في تقريره أن جزر الكناري وحدها سجلت ارتفاعاً بـ17.4 في المئة في عدد الوافدين إليها، فيما شهدت جزر البليار قفزة غير مسبوقة بنسبة 158.3 في المئة، وهي مؤشرات دفعت الجهات الأمنية الإسبانية إلى دق ناقوس الخطر في شأن مستقبل الضغط المتعلق بالهجرة غير الشرعية، بخاصة في ظل استمرار الاضطرابات في منطقة الساحل، وتأثيرها المباشر في دول العبور مثل الجزائر وموريتانيا، مشيراً إلى أنه لم يعد المغاربة والجزائريون يشكلون الغالبية، بل أصبح القادمون من دول الساحل يمثلون 72 في المئة من المهاجرين غير النظاميين الذين يصلون عبر البحر، مقارنة بـ62 في المئة في 2023، إذ تصدر الماليون هذه الفئة بـ15 ألفاً و261 مهاجراً، متبوعين بالسنغاليين بـ11 ألفاً و824 مهاجراً.
مسار جزر البليار
تشير بيانات الوكالة الأوروبية "فرونتكس" إلى أن عدد الوافدين عبر طريق غرب المتوسط، أي من الجزائر نحو السواحل الإسبانية، ارتفع بنسبة 27 في المئة بين يناير وأكتوبر (تشرين الأول) 2025، مقارنة بالفترة نفسها من 2024، في وقت تراجع فيه إجمال الدخول غير النظامي إلى الاتحاد الأوروبي بـ22 في المئة، موضحة أن المهربين يعتمدون على قوارب أسرع وأكثر قدرة على المناورة، لتصبح جزر البليار الوجهة الأولى لهذه الرحلات، وأضافت أن 75 في المئة من المهاجرين عبر هذا المسار ينطلقون من الجزائر، مقارنة بـ40 في المئة في 2024.
وتابعت " فرونتكس" أن عدد الواصلين إلى جزر البليار الإسبانية بلغ 6280 مهاجراً من يناير إلى أكتوبر 2025، بزيادة قدرها 66 في المئة مقارنة بـ2024، مع تسجيل حجز أكثر من 330 قارباً منذ بداية السنة، مقابل وصول نحو 600 ألف شخص إلى إسبانيا، موضحة أن العام الحالي شهد تحولاً بارزاً في جنسيات المهاجرين، ولم يعد القادمون من شمال أفريقيا يشكلون سوى 30 في المئة من الوافدين، مقابل 70 في المئة من أفريقيا جنوب الصحراء ومناطق أبعد، بعدما كانت النسبة معكوسة عام 2023، وذلك لاعتبارات عدة أهمها اتفاقات الاتحاد الأوروبي مع بعض دول المصدر، وتشديد الرقابة على مسارات أخرى.
تحرك إسباني
في المقابل دعت الداخلية الإسبانية وكالة مراقبة الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي إلى طلب إذن من دول أفريقية لتسيير دوريات في مياهها ضمن مساع للحد من الهجرة غير النظامية من القارة السمراء نحو جزر الكناري القريبة، وقالت إن وكالة المراقبة الأوروبية المعروفة اختصاراً بـ"فرونتكس"، سبق أن نفذت مهام في مناطق أفريقية خلال ذروة موجة الهجرة إلى جزر الكناري عام 2006، وتعاونت مع القوات الإسبانية المعنية بحراسة الحدود في جمع معلومات استخباراتية بجزر الكناري.
وأوضحت الوزارة أن على الوكالة أن تطلب إذناً من كل من موريتانيا والسنغال وغامبيا التي تعد محطات عبور للمهاجرين عبر المحيط الأطلسي نحو أوروبا، وذلك للتصدي للمهربين والحد من الهجرة غير النظامية، مؤكدة أن الوكالة لا يمكنها حماية الحدود الأوروبية من الهجرة غير النظامية ما لم تنفذ مهام خارج تلك الحدود.
الأكثر فتكاً في العالم
ووفقاً لمنظمة "ووكينغ بوردرز" المعنية بحقوق المهاجرين، فإن الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري الإسبانية، الذي ينطلق من السنغال وغامبيا وموريتانيا والمغرب هو الأكثر فتكاً في العالم، وقالت إن السبب في زيادة الوفيات في البحر هو التقاعس عن عمليات الإنقاذ أو تنفيذها بصورة عشوائية وتجريم المهاجرين، مشيرة إلى أن ما لا يقل عن 10 آلاف و457 مهاجراً لقوا حتفهم في أثناء محاولات للوصول إلى إسبانيا عام 2024، أي بمعدل 30 شخصاً يومياً.
وذكرت المنظمة الإسبانية غير الحكومية "كاميناندو فرونتيراس" أن 400 مهاجر قضوا خلال محاولتهم الوصول إلى إسبانيا انطلاقاً من الأراضي والسواحل المغربية عام 2025، لافتة إلى أن تزايد المآسي على حدود إسبانيا يرجع إلى مجموعة من العوامل، منها التقاعس عن تقديم المساعدة، وتأخر تفعيل عمليات البحث والإنقاذ أو انعدامها، وغياب التنسيق بين الدول المعنية، فضلاً عن تدهور ظروف رحلات الهجرة، مع ازدياد طول الطرق وخطورتها، واستخدام قوارب متهالكة ومكتظة، وتأخر إصدار الإنذارات، وشددت أنه يحتل المغاربة مكانهم ضمن الجنسيات الأكثر وفاة على مستوى طريق الأطلسي خلال 2025.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب المتخصص في مجال القانون الدولي وقضايا الهجرة المغربي صبري الحو فإنه بغض النظر عن مدى صدقية الأرقام والمعلومات، فإن القراءة تدل على أن إسبانيا تبقى جهة ذات الجذب والاستقطاب من أجل بداية رحلة تحقيق حلم الهجرة بالنسبة إلى لذين يختارون ركوب هذه المغامرة، موضحاً أن المسار المغربي ممثلاً في السواحل الشمالية في اتجاه الجنوب الإسباني أو في اتجاه سبتة المحتلة، والمحيط الأطلسي، لا يزال يستقطب المرشحين للهجرة على رغم تشديد القوانين والمراقبة الاحترازية، وقال إن هذه المسارات خطرة وتتسبب في كثير من الكوارث الإنسانية بدليل عدد الوفيات.
وتابع المتحدث "حلم الهجرة لدى الشباب اليائس في أفريقيا لا تحبطه ولا تقتله شدة القوانين ولا الموت الذي يراه ويعاينه ويقرأ عنه، فقط التنمية وتحسين ظروف عيشه وتحقيق حياة الرفاهية والعيش الرغيد هي وقود هذا الحلم".
البحث عن هوية أخرى وطرق العلاج
وفي السياق ترى الحقوقية الجزائرية نهاد مزيان في تصريح لـ"اندبندنت عربية" أن استمرار الهجرة نحو اسبانيا يمثل هرباً نحو متنفس اجتماعي متسامح ثقافياً ودينياً أكثر، وفراراً من ضيق الأوضاع اقتصادياً وسياسياً في دول الساحل، موضحة أن الشباب يتنافسون من أجل الوصول إلى السواحل الأوروبية بغية تحقيق أحلام قصص عن حياة ما وراء البحار، هرباً من بيئة غير محفزة في نظرهم، وقالت بخصوص الكلف المالية لرحلات الهجرة السرية والمقدرة بما بين 500 ألف دينار ما يعادل 3600 دولار ومليون و400 ألف دينار، أي نحو 10 آلاف دولار "عادة ما تكون أموال الرحلات غير النظامية عبر القوارب، من مصادر غير مشروعة".
وتواصل مزيان أن الإشكال يكمن في إمكان إقامة مشروع ناجح بالمبلغ المالي المخصص للهجرة غير النظامية، لكن يفضل المهاجرين المغامرة بحياتهم في البحر من أجل الوصول إلى السواحل الإسبانية، وبدلاً من أن يباشر مشروعاً في بلده يرى أن إقامته في إسبانيا أو أية دولة أوروبية تجلب له مداخيل أكبر وحياة أفضل، مضيفة أن الهجرة غير الشرعية غالباً ما تكون بحثاً عن هوية أخرى ولا يرتبط الأمر بصورة مباشرة بالاقتصاد.
وأشارت المتحدثة إلى أن مواجهة الظاهرة ليس بالأمر الهين ولا البسيط، ولكن "ما دام هناك اغتراب مؤسساتي وانعدام ثقة فإن الوضع يولد خوفا غير قابل للشفاء"، بالتالي يجب تسهيل نجاح المشاريع في البلدان المصدر، وزيادة التوعية والحملات التحسيسية في الأحياء الشعبية، إضافة إلى تكاتف الجهود من أجل مكافحة الإدمان.