ملخص
رغم إيجابيات التدفق السياحي القياسي غير المتوقع في مصر، فإن التصاعد المفاجئ في أعداد السياح تسبب في "بعض الارتباك"، ما يتطلب تحركاً سريعاً في عدة ملفات، على رأسها زيادة عدد الغرف الفندقية، وتطوير أسطول النقل السياحي.
فاجأ قطاع السياحة المصريين خلال عام 2025، لكن مفاجأة القطاع المتقلب جاءت هذه المرة إيجابية باستقبال أعداد من السياح تعادل ضعف التوقعات التي أعلنت نهاية عام 2024، لتجدد الآمال بالوصول إلى هدف استقبال 30 مليون سائح خلال عام 2030.
وسجلت مصر وصول نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بنسبة نمو 21 في المئة مقارنة بأرقام عام 2024، بينما كانت توقعات وزير السياحة والآثار شريف فتحي أن يرتفع عدد السياح 10 في المئة خلال عام 2025، وفق تصريحات صحافية خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024.
وبحسب متخصصين تحدثت إليهم "اندبندنت عربية" أسهمت عوامل عدة في تخطي التوقعات السياحية، ومنها الهدوء النسبي في ملف غزة مقارنة بعام 2024، والتيسيرات الحكومية للاستثمار السياحي، إضافة إلى افتتاح المتحف المصري الكبير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعول الحكومة المصرية على قطاع السياحة في إنعاش الاقتصاد المثقل بأعباء الديون، إذ سجلت مصر 15.3 مليار دولار عوائد من قطاع السياحة عام 2024، ارتفعت إلى 18 ملياراً عام 2025، وهو أعلى عائد سياحي في تاريخ مصر، وهو ما أرجعته وزارة السياحة والآثار إلى "سياسة تعظيم العائد"، من خلال جذب شرائح سياحية ذات إنفاق مرتفع وإطالة متوسط مدة الإقامة وتنويع الأنشطة السياحية.
وتتضارب الأرقام الرسمية في شأن مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي، إذ يقدرها وزير السياحة والآثار بـ9 إلى 10 في المئة، بينما تستهدف السردية الوطنية للاقتصاد المصري التي أطلقتها الحكومة خلال سبتمبر (أيلول) الماضي رفع مساهمة قطاع السياحة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.7 في المئة عام 2030، بدلاً من 3.8 في المئة خلال العام المالي 2024 - 2025.
فيما تشير دراسات غير حكومية إلى مساهمة أكبر لقطاع السياحة، إذ أفاد تقرير صادر عن "انطلاق" وهو أحد مراكز الفكر المعنية بالمجال الاقتصادي، أن السياحة تسهم حالياً بما قيمته 8.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتوقعت زيادتها إلى 15 في المئة عام 2030.
عوامل الانطلاق
يرجع المتخصص السياحي حسام هزاع الطفرة السياحية الأخيرة إلى "الحملات التسويقية الضخمة التي نفذت عبر منصات السياحة العالمية، إلى جانب المشاركة المنتظمة في المعارض الدولية على مدار العام، مما عزز صورة المقصد السياحي المصري عالمياً"، مؤكداً أن مصر تمتلك مقومات سياحية متنوعة ومتكاملة، أسهمت بصورة مباشرة في تحقيق طفرة واضحة في معدلات الحركة السياحية.
يقول هزاع لـ"اندبندنت عربية"، إن الأمن والأمان يمثلان العامل الأهم في جذب السائح، مؤكداً أن الاستقرار الداخلي على رغم المحيط الإقليمي المشتعل عزز ثقة الدول المصدرة للسياحة في مصر، وبخاصة في ظل تراجع بعض الدول المنافسة نتيجة الأوضاع غير المستقرة بها.
وأشار المتخصص السياحي إلى أن افتتاح المتحف المصري الكبير "شكل نقطة تحول مهمة في الخريطة السياحية"، موضحاً أن خلال الأسابيع الماضية أصبح بعض السياح يخصصون يومين كاملين لزيارة المتحف فحسب، وهو ما أسهم في إطالة مدة الإقامة السياحية، إذ يمكن أن يمتد البرنامج السياحي في مصر إلى أسبوع كامل، يجمع بين السياحة الثقافية والشاطئية لجنسيات مختلفة.
وتقدم مصر عدداً من الأنماط السياحية، مثل الشاطئية والثقافية والعلاجية والمؤتمرات، وأضيف إليها خلال الأعوام الأخيرة سياحة اليخوت.
وفي ما يتعلق بالمنتج السياحي الأكثر طلباً، أوضح هزاع أنه لا يمكن الحديث عن تفضيل منتج بعينه، إذ تحكم ثقافة الشعوب أنماط الطلب السياحي عالمياً، لافتاً إلى أن السياحة الشاطئية تمثل نحو 70 في المئة من حركة السياحة العالمية. ومصر تمتلك ميزة تنافسية كبيرة في هذا المجال من خلال منتجعات البحر الأحمر، مع وجود نحو 50 ألف غرفة فندقية في شرم الشيخ والغردقة. والسياحة الثقافية تمثل ما بين 13 و14 في المئة من إجمال السياحة العالمية، وتتركز في مصر خلال فصل الشتاء، وبخاصة داخل الأقصر وأسوان بسبب اعتدال الطقس.
وبحسب تصريحات صحافية لوزير السياحة والآثار تتصدر خمس دول قائمة مصادر الحركة السياحية الوافدة لمصر خلال عام 2025، في مقدمها روسيا ثم ألمانيا وبريطانيا والسعودية وإيطاليا.
جانب آخر من المؤشرات السياحية الإيجابية أشار إليه رئيس لجنة تسويق السياحة الثقافية بالأقصر محمد عثمان، وهو استقبال مصر سياحاً من 38 دولة عام 2025 مقارنة بـ29 دولة عام 2024، وهو ما يعكس توسعاً لافتاً في خريطة الأسواق السياحية ويؤكد القفزات غير المسبوقة التي حققها قطاع السياحة، سواء من حيث أعداد السياح أو حجم الدخل أو تنوع الدول المصدرة للسياحة.
يقول عثمان لـ"اندبندنت عربية" إن عوامل عدة أسهمت بقوة في هذه الطفرة من بينها انتهاء حرب غزة، إذ دفعت فترة الحرب كثراً إلى تأجيل زيارتهم لمصر ومع انتهائها عاد الطلب بقوة، مما انعكس على تسجيل أفضل رقم في تاريخ السياحة المصرية. وأضاف أن من عوامل الانتعاشة السياحية افتتاح المتحف المصري الكبير إلى جانب التطوير الكبير في البنية التحتية، فضلاً عن الاكتشافات الأثرية المتتالية.
وخلال الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، افتتح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي المتحف الكبير قرب أهرام الجيزة، بحضور عشرات الملوك ورؤساء الدول وهو أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، ويحوي 100 ألف قطعة أثرية أهمها المجموعة الكاملة لكنوز الملك توت عنخ آمون. ومنذ افتتاحه يسجل المتحف متوسط 15 ألف زائر يومياً. وتتوقع وزارة السياحة والآثار أن يستقبل المتحف بين 5 و7 ملايين زائر سنوياً.
ارتباك بسبب زيادة السياح
وعلى رغم إيجابيات التدفق السياحي القياسي غير المتوقع، أشار عثمان إلى أن التصاعد المفاجئ في أعداد السياح تسبب في "بعض الارتباك"، وأوضح أنه جرى العمل بالطاقة القصوى لاستيعاب الزيادة، لافتاً إلى أن البناء على هذا النجاح يتطلب تحركاً سريعاً في عدة ملفات، على رأسها زيادة عدد الغرف الفندقية، وتطوير أسطول النقل السياحي.
وكشف عن أن مصر تعاني عجزاً يقدر بنحو 3 آلاف أتوبيس سياحي، مؤكداً أن الأسطول الحالي يحتاج إلى تحديث فوري، وبخاصة أن مصر تمتلك مصنعاً واحداً فقط لإنتاج الأوتوبيسات، مشدداً على ضرورة السماح بالاستيراد العاجل لتغطية الحاجات، وبخاصة في ظل التوقعات بأن تكون الأعوام الثلاثة أو الأربعة المقبلة "أعواماً ذهبية للسياحة المصرية".
وتوقع وزير السياحة شريف فتحي أن يزداد عدد السياح القادمين إلى مصر عام 2026 بنسبة سبعة في المئة مقارنة بالعام الماضي.
ويتفق هزاع مع أن التحدي الأهم حالياً يتمثل في زيادة عدد الغرف الفندقية، وهو ما تعمل عليه الدولة بالتعاون مع المستثمرين، مشيراً إلى أن وزارة السياحة اتخذت خطوة مهمة بإدخال نظام الشقق الفندقية وشقق الإجازات، إذ أصبح من الممكن تحويل الوحدات السكنية في المناطق السياحية إلى شقق فندقية وفق ضوابط وشروط محددة، في إطار قانون صدر منذ أشهر عدة، وهو نظام معمول به في دول سياحية كبرى مثل إسبانيا، مؤكداً أن هذه الشقق تخضع لمواصفات فنية وأمنية محددة، وتعمل بنظام إداري شبيه بالفنادق مع الالتزام بالإخطارات الأمنية اللازمة، بما يضمن سلامة السياح وتنظيم الإقامة.
وأقرت الحكومة المصرية قبل أسابيع تيسيرات إجرائية ومالية جديدة لتشجيع تحويل المباني المخصصة لأغراض سكنية أو إدارية لتكون منشآت فندقية. وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي صرح عام 2024 بأن عدد الغرف الفندقية داخل البلاد لا يستوعب سوى بين 18 إلى 19 مليون سائح فحسب.
وخلال عام 2025، جرت إضافة ما بين 30 إلى 40 ألف غرفة فندقية جديدة، ليرتفع إجمال عدد الغرف إلى أكثر من 229 ألف غرفة على مستوى الجمهورية وفق وزارة السياحة والآثار، وتركز هذا التوسع داخل مناطق البحر الأحمر والعلمين الجديدة والساحل الشمالي.
شقق الإجازات
تشهد سوق الشقق الفندقية أو ما يسمى "شقق الإجازات" رواجاً خلال الأعوام الأخيرة الماضية، إذ أصبح كثير من العرب والأجانب يفضلون الإقامة في وحدات سكنية مؤثثة بصورة جيدة، بدلاً من اختيار الإقامة داخل الفنادق المعتادة، في حين أصبح من المعتاد أن يستغل أصحاب الشقق السكنية غير المستغلة أصولهم العقارية في طرحها على مواقع التأجير محدود المدة، وأحياناً تُجزأ الشقة إلى غرف تؤجر كل منها على حدة.
في منطقة نزلة السمان أقرب الأحياء السكنية إلى أهرام الجيزة، يتولى مهندس الديكور أيمن مصطفى أعمال تحويل إحدى الشقق السكنية إلى ثلاث غرف فندقية كل منها مجهز بدورة مياه، لكن أكبرها التي تطل شرفتها على الأهرام الثلاثة، التي ستكون الأغلى في قيمة الإيجار.
يقول مصطفى لـ"اندبندنت عربية" إن تلك الشقة ليست الأولى التي تشهد تلك الأعمال داخل المنطقة، إذ أصبحت المنطقة مقصداً للسائح الراغب في الحصول على أسعار أقل من الفنادق، فيما رأى مالكو الشقق فرصة استثمارية تدر عائداً يومياً بالدولار.
وتراوح أسعار الشقق القريبة من الأهرام ما بين 1500 و4000 جنيه لليلة الواحدة، وفق الأسعار المعروضة على أحد أشهر مواقع التأجير العالمية.
يوضح المرشد السياحي إسلام سعد لـ"اندبندنت عربية" أن السعر الأعلى يكون للشقق التي بها سطح يعطي رؤية واضحة للأهرام، مضيفاً أن السائح الذي يبحث عن مزيد من الخصوصية أصبح يبحث عن تلك الشقق ويفضلها عن الفنادق، كما أن الطابع الشعبي لمنطقة نزلة السمان يعد ميزة يبحث عنها السائح الأجنبي.
وأكد سعد، وهو من سكان حي الهرم، أن المنطقة آمنة ولا يوجد ما يهدد السياح. وقال إنه وعدداً من أصدقائه دخلوا خلال العامين الأخيرين مجال تأجير الشقق الفندقية، وبخاصة أنه لا يتطلب سوى تأثيث الوحدات السكنية جيداً وعرضها عبر التطبيقات الإلكترونية، مؤكداً أن مستوى الإقبال على تلك الشقق مرتفع، وبخاصة خلال الأسابيع الأخيرة التي تمثل موسم الأعياد للسياح الأوروبيين.
ولا يقتصر سوق الشقق الفندقية على منطقة الأهرام، ففي مدينة دهب بجنوب سيناء اشترى محمد يوسف، وهو مهندس مصري يعمل بالإمارات، منزلاً مساحته 150 متراً لاستثمار مدخراته عبر تأجيره بنظام الإيجار محدود المدة من خلال المواقع المتخصصة في ذلك. وقال لـ"اندبندنت عربية" إنه لم يتردد في دفع قيمة المنزل بالدولار، لأنه يتوقع أن يكون العائد منه بالدولار أيضاً، وبالفعل حظى المنزل بحجوزات مسبقة لشهر كامل بين الأسبوع الثاني خلال ديسمبر 2025 ومنتصف يناير (كانون الثاني) 2026.
يقدر مستشار وزير السياحة السابق سامح سعد عدد الشقق الفندقية في مصر بما يراوح ما بين 30 و50 ألفاً، بما يشمل الشاليهات داخل المدن الساحلية والشقق في القاهرة وضواحيها والمجمعات السكنية الفاخرة (الكومباوندات) والمدن الكبرى، مضيفاً لـ"اندبندنت عربية" أن نمو تلك السوق يرجع إلى سهولة إتاحة الخدمة عبر التطبيقات على الإنترنت، فضلاً عن تقديم سعر مناسب.
هدف الـ30 مليون سائح
ووضعت مصر في استراتيجية تنشيط السياحة المعلنة خلال عام 2023 هدفاً لاستقبال 30 مليون سائح عام 2028، ثم وسعت المدى الزمني بعد اندلاع الحرب في غزة ليكون 2030 ثم 2031، إلا أن الأرقام غير المسبوقة خلال العام الماضي أحيت الآمال بالوصول إلى 30 مليون سائح عام 2030، في حال استمرار تلك المعدلات المرتفعة، بحسب تصريحات لوزير السياحة المصري، الذي أشار إلى العمل على زيادة حجم الطاقة الفندقية الموجودة في مصر ومقاعد الطيران وتطوير المطارات لاستيعاب تلك الأعداد السياحية المستهدفة.
أكد هزاع أن الوصول إلى "30 مليون سائح عام 2030" يعد هدفاً واقعياً وقابلاً للتحقق، مشيراً إلى أن مصر تمتلك حالياً نحو 230 ألف غرفة فندقية، وأن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب رفع الطاقة الاستيعابية إلى نحو 450 ألف غرفة، سواء عبر الفنادق الجديدة أو الشقق الفندقية. وأكد أن الدعم الحكومي للقطاع السياحي والمبادرات التمويلية التي تتيح قروضاً ميسرة لإقامة فنادق جديدة إلى جانب تشجيع الاستثمار تعزز الوصول إلى هذا الهدف.
وأشار إلى أن الطيران هو العامل الحاسم في زيادة أعداد السياح، وبخاصة في ظل عدم وجود دول جوار برية تعتمد عليها مصر سياحياً، كما هي الحال في بعض المناطق الأخرى. وطالب بزيادة الرحلات المنتظمة وتشجيع الاستثمارات في الطيران الخاص، لما له من دور كبير في جذب السياح من أوروبا.
وتعمل الحكومة المصرية على خطة لتطوير المطارات، تشمل طرح بعض المطارات أمام القطاع الخاص للمشاركة في إدارتها وتشغيلها، إضافة إلى إنشاء مبنى جديد للركاب في مطار القاهرة الدولي، لمضاعفة الطاقة الإجمالية للمطار إلى 60 مليون راكب سنوياً.