ملخص
روسيا تمكنت في العامين الأخيرين من إعادة توجيه صادراتها التي توقفت أوروبا عن استيرادها إلى وجهات أخرى مثل الصين والهند وغيرها.
بدأت أسواق النفط تعاملات أولى جلسات العام الجديد 2026، أول أمس الجمعة، على تباين ما بين خسائر ومكاسب ضعيفة، لكن الأسعار ظلت في نطاق التراجع حول مستوى 60 دولاراً للبرميل.
شهدت الأسواق الآسيوية في أول تعاملات العام الجديد عمليات بيع كثيفة للعقود الآجلة أدت إلى انخفاض الأسعار، وحين فتحت السوق الأميركية هدأت التعاملات وحققت الأسعار بعض التحسن. لكن سعر خام "برنت" القياسي ظل قرب 61 دولاراً للبرميل، ولم يزد سعر الخام الأميركي (مزيج غرب تكساس) إلا قليلاً على 57 دولاراً للبرميل.
كانت أسعار النفط شهدت هبوطاً بنحو 18 في المئة في المتوسط للعام الماضي 2025، وهي أعلى نسبة انخفاض للأسعار منذ عام 2018 تقريباً، على رغم التوترات الجيوسياسية في أكثر من منطقة، ومنها ما يؤثر مباشرة على إنتاج وتصدير النفط.
وقبل ذلك، كان مجرد توتر في بؤرة واحدة تؤثر في إنتاج وتصدير النفط كفيلاً برفع الأسعار، فالولايات المتحدة تفرض حصاراً بحرياً على فنزويلا، واعتقلت رئيسها نيكولاس كادورو وتطارد ناقلات النفط الفنزويلية في البحر الكاريبي وتستولي عليها وتأخذ حمولاتها النفطية. وأدى ذلك إلى تراجع واضح في إنتاج النفط وتصديره من فنزويلا، وانخفضت الصادرات في الشهر الأخير بأكثر من 10 ملايين برميل مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025، إذ إن السفن والناقلات معطلة بالموانئ الفنزويلية، تخشى التحرك بسبب الوجود العسكري البحري الأميركي الكثيف.
أخطار الإمدادات
أدت الهجمات والقصف المتبادل بين روسيا وأوكرانيا على موانئ بحر قزوين إلى تعطل كثير من المنشآت النفطية، بخاصة الروسية، إذ تواصل أوكرانيا استهداف منشآت نفطية في الداخل الروسي، منها مصافي تكرير، علاوة على أن التصعيد العسكري في بحر قزوين أدى إلى تعطل جزء من إمدادات النفط من كازاخستان إلى أوروبا.
يضاف إلى ذلك تفاقم الوضع الداخلي في إيران، مع زيادة حدة التظاهرات المناهضة للحكومة بسبب غلاء المعيشة، والتهديدات الإسرائيلية والأميركية بتدخل عسكري مجدداً، وذلك ما يمكن أن يؤدي إلى اضطراب وربما توقف إنتاج النفط الإيراني.
كذلك التطورات المتسارعة في اليمن بعد استيلاء ميليشيات الجنوب الانفصالية على محافظة حضرموت شرق البلاد، والتي بها أهم مصادر النفط في اليمن، والواضح أن الأوضاع في اليمن مرشحة للتصعيد، مما ينذر بعودة المخاوف بشأن الملاحة في خليج عدن وباب المندب، بعدما هدأت الأوضاع في المنطقة إثر توقف الميليشيات الحوثية عن استهداف السفن والناقلات.
ربما لا يكون إنتاج النفط من اليمن مؤثراً في الأسواق، لكن اضطراب الملاحة في المنطقة يزيد الأخطار على الإمدادات، وأيضاً قد لا يؤثر ذلك كثيراً غياب نفط إيران من السوق، فهي أصلاً إنتاجها متراجع نتيجة العقوبات وتدهور قطاع الطاقة، حتى إنها مستثناة من حصص سقف الإنتاج في "أوبك" لأنها تنتج أقل بكثير من حصتها.
أما نفط فنزويلا، فهو لا يمثل سوى نحو واحد في المئة من الإنتاج العالمي من النفط، أما نفط روسيا فيمثل ما يقارب 10 في المئة من الإنتاج العالمي، لذا فهو مؤثر في السوق من ناحية العرض والطلب والأسعار.
لكن روسيا تمكنت في العامين الأخيرين من إعادة توجيه صادراتها التي توقفت أوروبا عن استيرادها إلى وجهات أخرى مثل الصين والهند وغيرها، ومع أن الطلب الصيني وغيره على النفط لا يشهد نمواً كبيراً أخيراً، إلا أن الفاقد من النفط الروسي إلى السوق العالمية ليس كبيراً بعد.
تخمة معروض
ربما السبب الرئيس في أن أسعار النفط لا ترتفع، بل على العكس تنخفض، وسط كل هذه الاضطرابات الجيوسياسية التي تهدد الإنتاج والتصدير، هو أن السوق تتمتع بزيادة في المعروض في وقت لا ينمو فيه الطلب بقوة.
تتوقع وكالة الطاقة الدولية فائض معروض نفطي هذا العام بأكثر من 3.8 مليون برميل يومياً، بحسب ما نقلت وكالة "بلومبيرغ"، وفي تقدير أقل، يتوقع بنك "غولدمان ساكس" الاستثماري فائض عرض بأكثر من مليوني برميل يومياً، بينما لا يتوقع أن ينمو الطلب العالمي على النفط بمعدلات أكبر من العام الماضي 2025.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لذا، توقف تحالف "أوبك+" عن تخفيف قيود سقف الإنتاج للدول الأعضاء أخيراً، وذلك بعدما زادت دول التحالف إنتاجها بنحو 2.9 مليون برميل يومياً منذ أبريل (نيسان) 2025. ويتوقع أن يقرر اجتماع تحالف "أوبك+" هذا الأسبوع استمرار وقف تخفيف قيود سقف الإنتاج حتى نهاية الربع الأول من هذا العام.
لكن تخفيف قيود سقف حصص إنتاج "أوبك" وحلفائها ليس هو السبب في تخمة المعروض، إنما هو زيادة الإنتاج من دول خارج التحالف، بخاصة من الولايات المتحدة، وتضيف تلك الدول إلى جانب العرض العالمي من النفط ربما أكثر من الزيادة في إنتاج تحالف "أوبك+" العام الماضي.
وتزيد الولايات المتحدة، التي أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم، إنتاجها بصورة مطردة، وبعدما تجاوز إنتاج النفط الأميركي حاجز 13 مليون برميل يومياً، يقترب الآن من الوصول إلى 14 مليون برميل يومياً، علاوة على أن الصادرات الأميركية من النفط في زيادة مطردة أيضاً، وتتجاوز الآن 4 ملايين برميل يومياً، غالبها إلى أوروبا لتعويض حظرها استيراد النفط الروسي.
الإغراق الأميركي
صحيح أن إنتاج الغاز والنفط الصخري في الولايات المتحدة ربما تراجع بسبب انخفاض الأسعار، بالتالي ضعف هامش الربح نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج الصخري، لكن شركات الطاقة الأميركية الكبرى تتوسع في الإنتاج بقوة وسط سياسات إدارة ترمب المشجعة لإنتاج النفط والغاز.
قد يتصور البعض أن ذلك بدأ مع ولاية الرئيس دونالد ترمب قبل عام، وسياسات إدارته بالتحول من الاستثمار في الطاقة المتجددة إلى النفط والغاز، وذلك على اعتبار موقف ترمب المعارض لمسألة مكافحة التغيرات المناخية، وأنه سحب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ.\
إنما الواقع أن زيادة إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة مستمرة منذ إدارة الرئيس جو بايدن السابقة، وحققت شركات الطاقة الأميركية مئات مليارات الدولارات من العائدات بالتصدير إلى أوروبا مع توقف أوروبا عن استيراد الطاقة من روسيا منذ بدأت حرب أوكرانيا عام 2022.
ومع اكتشاف احتياطات نفطية كبيرة في غويانا بالكاريبي، مقابل شواطئ فنزويلا، تزيد شركات النفط الأميركية الكبرى العاملة هناك من إنتاجها وتوقعاته المستقبلية.
خفض أسعار النفط
صحيح أن هناك زيادة في الإنتاج لبعض المنتجين الصغار من خارج تحالف "أوبك+"، لكنها كميات ليست كبيرة ولا تقارن بزيادة الإنتاج الأميركي.
حتى من داخل تحالف "أوبك+"، هناك دول تتجاوز سقف حصتها مثل الإمارات وغيرها، لكن كل ذلك لا يمثل ضغطاً كبيراً على معادلة العرض والطلب كالإغراق الأميركي للسوق النفطية.
لا يخفي الرئيس ترمب رغبته في خفض أسعار النفط، مما يعني انخفاض أسعار الوقود في محطات البنزين بالولايات المتحدة، بخاصة أن إدارة ترمب تواجه تغيراً في مزاج الناخب الأميركي، حتى بين أنصار ترمب، بسبب ارتفاع كلفة المعيشة على رغم كل البيانات الإيجابية لأرقام الاقتصاد الكلي.
لذا، في وقت يحاول فيه تحالف "أوبك+" ضبط معادلة العرض والطلب للحيلولة دون تخمة معروض، وفي الوقت نفسه تلبية الطلب العالمي مع ضمان أسعار عادلة، تغرق الولايات المتحدة السوق بمعروض كبير من النفط يضغط على الأسعار نزولاً.
لا يتوقع أن يلجأ تحالف "أوبك+" إلى خفض الإنتاج ما لم تهو الأسعار دون مستوى 50 دولاراً للبرميل، وهو المستوى الذي صرح ترمب وأركان إدارته أنهم يستهدفونه لأسعار النفط. الواقع أن التوترات الجيوسياسية الحالية من فنزويلا إلى إيران مروراً بأوكرانيا تعطي الولايات المتحدة فرصة إغراق السوق بالمعروض من دون هبوط الأسعار أكثر، وسيكون ذلك ممكناً الآن، لكن تطورات السوق في الربع الأول من العام ستكون مؤشراً مهماً إلى ما يمكن أن يتخذه تحالف "أوبك+" من قرارات في شأن سقف الإنتاج، بخاصة إذا هوت الأسعار أكثر من معدلاتها العام الماضي.
ذلك هو سبب التعاملات الضعيفة في سوق عقود النفط الآجلة حالياً، إذ ينتظر الجميع ما ستسفر عنه الأيام المقبلة.