ملخص
تخوض الصين منافسة اقتصادية وجيوسياسية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة عبر تسليح سلاسل الإمداد وبناء قوة صناعية ومالية هائلة، مع السعي إلى تقليص الهيمنة الأميركية من دون صدام عسكري مباشر، غير أن هذا الصعود يصطدم بقيود داخلية عميقة، وضعف في القوة الناعمة والصدقية، ما يجعل الصراع مرشحاً لأن يكون اختبار صمود طويل لا نصراً حاسماً فيه لأي طرف.
على مدى معظم العام الماضي، ما فتئت استجابة الصين للتوترات التجارية تفاجئ الصقور في واشنطن. خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، عندما فرضت إدارة بايدن قيوداً جديدة على تصدير الشرائح الإلكترونية المتقدمة، ردت بكين فوراً بتطبيق حظر على تصدير عدة عناصر معدنية إلى الولايات المتحدة. وخلال أبريل (نيسان) الماضي، بعدما هددت إدارة ترمب بفرض رسوم جمركية ضخمة على الصين، تشددت بكين، فارضة ضوابط صارمة على تصدير سبعة معادن من العناصر الأرضية النادرة، وهي معادن حيوية لصناعات الدفاع والطاقة النظيفة. وخلال مايو (أيار) الماضي، توقفت الصين عن شراء فول الصويا الأميركي، وهو أكبر صادرات الولايات المتحدة إلى الصين على صعيد القيمة. وخلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعدما مددت الولايات المتحدة العمل بقيود التصدير القائمة المطبقة على الشركات الصينية لتشمل الشركات الفرعية التي تمتلك تلك الشركات غالبية أسهمها، أضافت الصين خمسة عناصر أرضية نادرة أخرى وطيفاً واسعاً من تكنولوجيات المعالجة المتقدمة إلى صادراتها الخاضعة إلى ضوابط. ولم تقتصر هذه الإجراءات التي ازدادت جرأة على تهديد كبير لسلاسل الإمداد الأميركية والعالمية، بل كان من شأنها أيضاً أن تخلف تداعيات داخلية كبيرة. كانت الرسالة لا لبس فيها: الصين مستعدة لتحمل الألم لكي تمارس ضغطاً حقيقياً على الولايات المتحدة.
إلا أن هذه المقاربة تتسم بالجرأة لكن ليس بالتهور. باختيارها رداً انتقامياً مدروساً، تحافظ بكين على مساحة للتفاوض وتبقي مخارج التهدئة مفتوحة. بعدما التقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الصيني شي جينبينغ في كوريا الجنوبية أواخر أكتوبر الماضي، وافقت الصين على تأجيل العمل بكثير من القيود. غير أن هذا الضبط في الإيقاع لا ينبغي أن يفهم كضعف. إلى جانب تحركاتها المعلنة، تطور الصين ترسانة قوية من العوائق غير الجمركية والأدوات القانونية التي يمكنها اللجوء إليها عند الحاجة. ومع تخليها عن قدر من ضبط النفس الاستراتيجي الذي كان يميز مقاربتها تجاه الولايات المتحدة في السابق، تظهر الصين أنها باتت مستعدة لاستخدام هيمنتها على سلاسل الإمداد كسلاح.
هذا الموقف المتشدد عززته اعتبارات سياسية داخلية. يعتزم القادة والمفاوضون الصينيون ألا يواجهوا مجدداً رد الفعل الشعبي العنيف الذي أعقب إبرام المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري بين بكين وإدارة ترمب الأولى عام 2020، والتي بدت لكثير من المعلقين الصينيين لغير صالح الصين بالقدر نفسه كالمعاهدات التي أبرمتها القوى الاستعمارية الغربية مع أسرة تشينغ الإمبراطورية الصينية. وبالنسبة إلى شي، الذي تعهد بإنهاء "قرن الإذلال" الصيني، يبدو إبرام اتفاق آخر يصب في مصلحة الولايات المتحدة أمراً لا يستطيع تحمله سياسياً، في حين يصبح استعداده لمواجهة واشنطن وسيلة لترسيخ موقعه بصفته زعيم البلاد الأبرز الذي يقود "نهضة وطنية".
ومع ذلك، لا يمكن اختزال مقاربة بكين في تكتيكات انتقامية أو نزعة قومية. أمضى قادة الصين أعواماً يستعدون لعودة ترمب إلى البيت الأبيض، ويعدون الحرب التجارية جزءاً من تنافس أكبر بكثير يرجح أن يستمر لعقود من الزمن. في الأجل القريب، تتمثل أولوية بكين في انتزاع تنازلات تتعلق بالتكنولوجيا المتقدمة اللازمة لتسريع تطوير أشباه الموصلات في الصين وتقليص الاعتماد على الواردات. وفي الأجل المتوسط، تسعى إلى تعميق قدراتها التكنولوجية وتنويع أسواق التصدير، والاستحواذ على حصة أكبر من الصادرات ذات القيمة المضافة داخل سلاسل الإمداد العالمية لتقليص النفوذ الأميركي. وفي الأجل البعيد، تعتزم الصين بناء بنية بديلة للتجارة والتمويل على مستوى العالم تكون قوية بما يكفي لتجريد الولايات المتحدة من قدرتها على فرض العقوبات من جانب واحد. وفوق ذلك كله، تريد الصين اعترافاً بأن مصالحها الأساس تقع خارج نطاق التهديد المتمثل بالتدخل الغربي نفسه – وأن لديها كامل حرية الحركة داخل نطاق نفوذها، بما في ذلك تايوان ومحيطها الإقليمي، وأنها تستطيع الانخراط اقتصادياً مع العالم بشروط لا تقل تفضيلاً عن تلك الممنوحة إلى الولايات المتحدة أو لسائر القوى الكبرى.
في الجوهر، تحاول الصين تحقيق إنجاز جيوسياسي غير مسبوق. هي تسعى إلى انتزاع مكانة مساوية لمكانة الولايات المتحدة من دون الوقوع في "فخ ثوسيديدس" – أي ميل القوى الصاعدة والقوى المهيمنة الراسخة إلى التصادم. وعلى خلاف القوى التي سعت في السابق إلى قلب موازين النظام العالمي، تعتزم الصين إكمال صعودها من خلال التراكم المطرد للقوة والنفوذ الاقتصاديين، لا من خلال الغزو العسكري. ولكي تنجح، عليها ألا تكتفي بمجاراة الولايات المتحدة، بل إن تتفوق عليها في بعض المجالات، إلى حد يجعل أي رفض أميركي للاعتراف بكونها قوة عظمى أمراً يبدو عبثياً في نظر بقية العالم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مع استمرار هذا النزاع المديد، من غير المرجح أن توفر المقارنات التقليدية بين البيانات الاقتصادية أو القدرات العسكرية المتقابلة مؤشراً واضحاً إلى الطرف الذي يتقدم، والطرف الذي يتراجع، وأسباب ذلك. عندما يأتي النجاح في مجال ما على حساب مجال آخر، قد يشوب الغموض الأثر النهائي المحسوس في القوة الوطنية أو النفوذ الوطني. يظهر التاريخ أن النفوذ العالمي لأية دولة يعتمد أيضاً على صفات أقل قابلية للقياس، مثل القيم التي تروج لها وسمعتها، وقدرتها على اجتذاب الحلفاء والشركاء. وللوصول إلى تقييم أشمل لمسعى الصين نحو القوة، من المفيد الاستعانة بقطاع يزدهر في بيئات عدم اليقين والمفاضلات. في التمويل الائتماني، يقيم المصرفيون والمقرضون جدارة الشركات الائتمانية من خلال تطبيق مجموعة من المعايير العامة تعرف عادة بـ"الأحرف ’سي‘ C الأربعة": القدرة (capacity)، ورأس المال (capital)، والطابع (character)، والضمانات (collateral). عند ترجمة هذا الإطار في الجغرافيا السياسية، يقدم طريقة منظمة لتقييم صعود الصين المستمر وتداعياته على الولايات المتحدة.
مع تراجع واشنطن عن العمل المتعدد الأطراف وغرقها المتزايد في الاستقطاب الداخلي، ستواصل بكين استغلال الفرص للدفع قدماً بأهدافها الجيوسياسية الخاصة. نظرياً، تبدو في موقع مهيأ جيداً لذلك: هي قادرة على حشد الموارد على نطاق ضخم، وتسيطر على سلاسل إمداد الطاقة الخضراء، وتقود أكبر جحفل من العاملين في العالم، وتبدي شركاتها العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي قدرتها على مواكبة الشركات الأميركية النظيرة. غير أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بصور أخرى من النفوذ والسطوة العالميين سيكون من الصعب على الصين مجاراتها. وكما توضح مراجعة المعايير الأربعة لن يحسم التنافس بين واشنطن وبكين بناءً على من يمتلك أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي أو أكبر عدد من السفن فحسب، فالعوامل التي يصعب قياسها بالكم لا تقل أهمية عن المزايا التطبيقية الصرفة والقوة الصلبة. ولذلك، ولكي تستعد لهذا النزاع الطويل، ستحتاج الولايات المتحدة إلى فهم أفضل لما تسعى إليه الصين، وكيف تراكم قوتها إزاء القوة الأميركية في مجالات مختلفة، وأين تقصر سياسات واشنطن نفسها.
أمة مليونية
تستند قوة الصين العالمية إلى سكانها ومواردها الضخمة، أو ما يمكن تسميته قدرتها (capacity). خلال وقت مبكر يعود إلى القرن الـ13، أبدى ماركو بولو إعجابه باتساع مدن الصين وثروتها وأراضيها في كتابه "رحلات ماركو بولو"، الذي كان عنوانه الإيطالي الأصلي "Il Milione"، أو "المليون". واليوم، يمكن هذا الاتساع الصين من حشد الموارد لمصلحة النمو على نطاق وسرعة يفوقان ما تمتلكه غالبية البلدان المنافسة. خلال عام 1978، كانت الصين من بين أفقر البلدان، إذ بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 157 دولاراً، أي أقل من واحد على 60 من نظيره في الولايات المتحدة، وأقل من عُشر نظيره في البرازيل. أما اليوم، فهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتصدر سلعاً وخدمات أكثر من أية دولة أخرى على وجه الأرض.
يشيد هذا الصعود غير المسبوق على أكتاف عمالة مهاجرة يسهل استغلالها، هي شريحة من القوة العاملة الصينية نمت من نحو 30 مليون عامل عام 1989 إلى ما يقارب 300 مليون عامل خلال عام 2024. هؤلاء العاملون ذوو الأجور المنخفضة يغذون نمو البلاد السريع، فيشغلون المصانع ويديرون الموانئ ويبنون البنية التحتية، ويجعلون من الصين القاطرة الصناعية للعالم. واليوم، يراهن الحزب الشيوعي الصيني على قدرة الجحفل الضخم من المهندسين والعلماء في البلاد على القيام بالدور نفسه في مجال التكنولوجيا والابتكار. تقترب الصين بالفعل من اللحاق بالولايات المتحدة في الإنفاق على البحث والتطوير. وينشر الباحثون الصينيون الآن في الدوريات العلمية المرموقة عدداً أكبر من ذي قبل من الأوراق البحثية، ويقدمون طلبات للحصول على براءات اختراع تفوق عدداً تلك التي يتقدم بها نظراؤهم الأميركيون. وخلف هذه الأرقام يكمن مخزون عميق من رأس المال البشري: تخرج الصين سنوياً نحو 3.6 مليون متخصص في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، أي أكثر من أربعة أضعاف الإجمالي الذي تعرفه الولايات المتحدة.
غير أن هذه القدرة الضخمة نفسها تطرح أيضاً أحد أكبر التحديات التي تواجه الصين. هي تجعل الاقتصاد غير متوازن ومعتمداً على الأسواق الخارجية لاستيعاب فائض الإنتاج، مما يثير احتكاكات متزايدة مع عدد من الحكومات الغربية. كذلك تدفع سطوة الصين الصناعية وهيمنتها على سلاسل الإمداد دولاً كثيرة إلى تقليص اعتمادها على البلاد، مما يضعف المصدر الرئيس لنفوذ بكين. وهكذا، تطرح قوة الصين الصناعية الاستثنائية مفارقة: تستطيع الصين إنتاج كل شيء تقريباً بكلفة منخفضة وعلى نطاق ضخم، لكن كلما استخدمت البلاد هذه القوة، تسارعت وتيرة التفاف العالم ضدها.
يؤدي تركيز بكين شبه الأحادي على بناء قاعدتها الصناعية أيضاً إلى إعاقة تطور سوق محلية متوازنة. يحول ضعف الطلب الاستهلاكي الأسري المزمن دون تحول الاقتصاد الصيني إلى محرك ذاتي الدفع. لكي يشكل الاستهلاك الأسري في الصين الحصة نفسها من الناتج المحلي الإجمالي التي يمثلها في الولايات المتحدة، يتعين على الأسرة الصينية المتوسطة أن تعزز استهلاكها بنسبة 70 في المئة – وهو مطلب ليس سهل المنال. وفي الواقع، تراجع نمو إنفاق المستهلكين في الصين إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عقد من الزمن، إذ بلغ نمو مبيعات التجزئة عام 2024 نحو 3.5 في المئة، وهو مستوى أدنى بكثير من المكاسب ذات الرقمين (أي تفوق تسعة في المئة) التي تحققت خلال أعوام سابقة. كذلك انخفضت الأسعار الخاصة بالمستهلكين على أساس سنوي خلال كثير من أشهر عام 2025، مما يشير إلى ضغوط انكماشية تنتاب أجزاءً من الاقتصاد. ويؤدي تراجع الأسعار إلى تقليص أرباح الشركات، مما يزيد بدوره الكلفة الاقتصادية الحقيقية اللازمة للحفاظ على طاقة صناعية متضخمة.
لقد جعلت الطاقة الصناعية الهائلة للصين اعتمادها على الولايات المتحدة أمراً بالغ الأهمية. فإلى جانب كونها الوجهة الأولى للصادرات الصينية، لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً كمصدر لأفضل الممارسات التي استند إليها صناع القرار والشركات الصينية مراراً في صياغة نهجهم الخاص للتنمية الصناعية والمالية والتكنولوجية والعسكرية. وحتى داخل القطاعات التي تفوقت فيها الشركات الصينية منذ زمن على نظيراتها الأميركية، مثل السيارات الكهربائية والبطاريات، لا تزال الولايات المتحدة مصدراً لا غنى عنه للخبرات وشبكات البحث والطلب. هذه الحقائق تضع شي جينبينغ أمام معضلة في التفاوض مع إدارة ترمب الثانية: فإذا أرادت الصين أن تقف يوماً على قدميها في مواجهة الولايات المتحدة، فعليها أولاً أن تقرب خصمها منها لتستفيد من خبراته في المبيعات وتصميم المنتجات.
لقد أثبت التاريخ أن القدرة الصناعية وحدها لا تصنع قوة عظمى. ففي مطلع القرن الـ20، امتلكت ألمانيا قاعدة صناعية متقدمة وكفاءات هندسية رائدة، لكنها أخفقت في ترسيخ هيمنة إقليمية دائمة. وخلال ستينيات القرن الماضي، حققت اليابان عقوداً من التفوق في صناعة السيارات والإلكترونيات، لكنها لم تنجح في تحويل هذا التفوق إلى نفوذ جيوسياسي قبل أن يلحق بها الآخرون. وحتى حين ساعدت القدرة الصناعية في صنع قوة عظمى، كان ذلك الوضع قصير الأمد إذا ضعفت المقومات الأخرى. فقد طور الاتحاد السوفياتي قطاعاً صناعياً وعلمياً واسعاً، وحقق إنجازات تقنية مذهلة مثل أول رحلة فضائية وأكبر ترسانة نووية في العالم، لكن الجمود السياسي والبيروقراطي، إلى جانب اقتصاد موجه مختل التوازن قاد في النهاية إلى انهياره. واليوم، تمتلك الصين قدرة صناعية بحجم قوة عظمى، لكنها تحتاج إلى مضاهاة هذه القوة في مجالات أخرى لتكرس مكانتها الجيوسياسية.
غنية ولكن ليست عظمى
إلى جانب القدرة، تحتاج القوى الطامحة إلى مرتبة القوة العظمى إلى رأس مال ضخم – أي القدرة على توظيف مبالغ ضخمة من المال للتأثير في السلوك وتشكيل النتائج لدى الدول الأخرى. تحتفظ الصين اليوم باحتياطات رسمية من النقد الأجنبي تبلغ أكثر من 3.3 تريليون دولار، متفوقة في هذا المضمار على أي بلد آخر. أما القبضة شبه الكاملة التي يطبق بها الحزب الشيوعي على النظام المالي الصيني فتتيح له استثمار الأموال العامة بسرعة وعلى نطاق لا يمكن تقريباً تصوره في أي مكان آخر.
علاوة على ذلك، تحول الصين مخزونها الضخم من العملات الأجنبية إلى أداة نشطة في دبلوماسية مالية من خلال صناديقها السيادية المعززة بالاقتراض. هذه الأدوات تمول سياسات الحزب الصناعية، وتدعم عمليات الاستحواذ الاستراتيجية التي تمارسها الشركات الصينية في الخارج، وتبرم شراكات مع مؤسسات أجنبية لتقليص المقاومة السياسية الأجنبية لرأس المال الصيني. خلال قمة منتدى التعاون الصيني الأفريقي عام 2024، على سبيل المثال، تعهد شي بتقديم أكثر من 50 مليار دولار من القروض المقيمة بالرنمينبي (الاسم الرسمي للعملة الصينية، بينما اليوان هو وحدتها المتداولة) إلى الدول الأفريقية، اكتتب في جزء كبير منها بنك التنمية الصيني ومؤسسات أخرى مدعومة من الدولة. هذه القروض تتعلق بتأمين الدعم السياسي لتوسع البصمة المؤسسية الصينية بقدر ما تتعلق بتعزيز الاستخدام الدولي للرنمينبي.
وعلى رغم ذلك، يخضع رأس مال الصين وقوتها المالية إلى قيود أكبر مما توحي به الأرقام الصينية الرئيسة. يكفي تأمل وضع اليوان العام داخل النظام المالي العالمي. بالنظر إلى الأرقام، تبدو هيمنة الدولار الأميركي عرضة إلى الاهتزاز، إذ لا يشكل الدولار سوى 56 في المئة من مخصصات الاحتياطات العالمية، وهو أدنى مستوى له خلال 30 عاماً. لكن على رغم موقع الصين بوصفها أكبر دولة تجارية في العالم، لم يصبح الجزء الأكبر من الحصة التي خسرها الدولار من نصيب اليوان أو عملات أخرى، بل بات من نصيب الذهب وأصول أخرى غير سيادية. منذ عام 2008، تزيد المصارف المركزية حيازاتها من الذهب بنسبة 25 في المئة لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ عام 1970. وعلى النقيض من ذلك، لا يزال الدولار يتفوق في هذا الصدد بفارق واسع على اليورو، الذي يشكل نحو 20 في المئة من مخصصات الاحتياطات، وعلى اليوان، الذي لا تتجاوز حصته اثنين في المئة. وحتى الآن، يبدو أن التنويع بعيداً من الدولار يعكس تراجع الثقة في النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة أكثر مما يعكس تأييداً فعلياً لعملة بديلة.
تحاول الصين تحقيق إنجاز جيوسياسي غير مسبوق
ومع ذلك، تواصل الصين بناء بنية تحتية مالية تهدف إلى تقليص الاعتماد العالمي على الدولار، إن لم يكن استبدال عملات أخرى به بالكامل. خلال عام 2024، نما النظام الصيني للمدفوعات بين المصارف عبر الحدود (سيبس) CIPS بنسبة 47 في المئة، مقارنة بنمو لم يتجاوز 12 في المئة لنظام جمعية الاتصالات المالية العالمية بين المصارف (سويفت) SWIFT، وهو النظام المصرفي الغربي المهيمن المسؤول عن تحويل معظم دولارات العالم بين الدول. خلال الوقت الراهن، يتولى "سيبس" معالجة جزء ضئيل فقط من المعاملات العالمية التي يديرها "سويفت"، لكنه يمتلك القدرة على التوسع السريع. عقب غزو روسيا لأوكرانيا خلال عام 2022، على سبيل المثال، أخرجت الحكومات الغربية المصارف الروسية من "سويفت". وللالتفاف على العقوبات الغربية، بدأت المؤسسات الروسية في اعتماد "سيبس"، واليوم يُجرى ما يقارب كامل التبادل التجاري الصيني الروسي – بنسبة 99 في المئة – باليوان والروبل.
لكي تتمكن الصين فعلاً من تحدي هيمنة الدولار، سيكون عليها جعل اليوان قابلاً للتحويل بصورة كاملة وإلغاء القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال التي يقوم عليها نظامها المالي القائم على الكبح. وستحتاج إلى السماح للأجانب بالاحتفاظ بأصول مقومة باليوان على نطاق أوسع بكثير. وقد تحقق بعض التقدم في هذا المجال: فمنذ عام 2020 ارتفعت حيازات الأجانب من السندات المقومة باليوان بنسبة 83 في المئة لتصل إلى 597 مليار دولار. لكن هذا الرقم يحتاج إلى أن يزيد أكثر من 20 مرة ليوازي حجم حيازات الأجانب من سندات الدين الحكومية والشركات الأميركية. وحتى تسمح الصين بنفاذ أكبر بكثير إلى سوق ديونها، لن تكون هناك أصول كافية مقومة باليوان ليتمكن المستثمرون من استبدال دولاراتهم بها حتى لو أرادوا ذلك.
في هذه الأثناء، يقترب نموذج النمو الصيني من بلوغ حدوده. الآليات ذاتها التي غذت صعود الصين في السابق – نظام مالي تهيمن عليه الدولة، واستهلاك مكبوت، ونمو يعتمد على التصدير – باتت اليوم تكبل مستقبل البلاد. على مدى عقود من الزمن، استخدمت الحكومة ضوابط رأس المال، ومعدلات فائدة منخفضة اصطناعياً على الودائع، وعملة مقيمة بأقل من قيمتها الحقيقية، لتحويل مدخرات الأسر إلى القطاعات الصناعية. بهذا المعنى، دعمت الأسر الصينية صعود البلاد من خلال التخلي عن عوائد محتملة، في حين كانت بقية العالم تستهلك بكثافة السلع الصينية المخفضة الأسعار. لكن هذا النموذج لم يعد قابلاً للاستدامة: تكاد احتياطات النقد الأجنبي لا تنمو منذ عام 2017، في حين تتزايد الكلف الاجتماعية لنظام القمع المالي.
هذا ويعاني السكان المتقدمون في السن في الصين اليوم نقصاً في المدخرات التي تتيح لهم إعالة أنفسهم. ويقع العبء على كاهل الجيل الأصغر، الذي يجد نفسه مضطراً إلى رعاية والدين مسنين – والدي الزوج ووالدي الزوجة – في ظل ارتفاع كلف المعيشة وتآكل الاستهلاك الأسري، مما يدفع إلى انهيار الطلب المحلي. ويعد معدل تكوين الأسر في البلاد – أي نسبة البالغين الذين يؤسسون وحدة أسرية جديدة خلال فترة زمنية معينة – من بين الأدنى في العالم، وبدأ عدد السكان في الانكماش خلال عام 2023، أي في وقت أسرع بكثير مما توقعه المخططون الصينيون. وفي نهاية المطاف، ستضطر الصين إلى تقليص استثماراتها الخارجية لتمويل الرفاه الاجتماعي.
تراهن حكومة شي على قدرة التكنولوجيا الجديدة على تعويض هذه الضغوط المالية – أي إن الصين تستطيع الابتكار للخروج من التراجع الديموغرافي، والتصدير للتخلص من فائض الطاقة الصناعية. يفترض هذا الرهان أن تحقيق الهيمنة العالمية في الصناعات المتقدمة والحفاظ عليها سيوفر لبكين قدراً كافياً من الازدهار للتخفيف من مواطن الضعف الهيكلية في الداخل. غير أن ذلك سيتطلب عملية توازن دقيقة ومحفوفة بالمخاطر: الحفاظ على النمو، وصون الاستقرار الاجتماعي، وإدارة التراجع الديموغرافي في آن واحد. ويكفل أي إخفاق في واحدة من هذه المهام تقويض مسعى الصين نحو قيادة الاقتصاد العالمي.
وكما تكتشف بكين، فإن رأس المال، على رغم مرونته مقارنة بالطاقة الإنتاجية، يبقى مورداً محدوداً ونادراً ما يكون حاسماً بمفرده. فوفرة الموارد المالية لا تضمن قوة دائمة. فخلال القرن الـ16، كانت إسبانيا الإمبراطورية غارقة بالفضة المستوردة من العالم الجديد، لكن هشاشتها الهيكلية كانت رسمت مسار انحدارها مسبقاً. أما تراكم الصين لرأس المال فقد جاء مصحوباً بأخطار خاصة: إذ بني على القمع الداخلي والاعتماد على التصدير، ولا يزال مقيداً بالحضور المحدود لليوان في النظام المالي العالمي، وهو ما يحد من نفوذ الصين المالي في الخارج. وفي النهاية، فإن صعود البلاد إلى مرتبة القوة العظمى لن يعتمد فقط على الطاقة الصناعية ورأس المال، بل أيضاً على قدرة قادتها في تحويل الأصول الوطنية إلى نفوذ عالمي مستدام.
تضامن من دون ولاء
في تحليل الائتمان، يتصل طابع الشركة – أي طريقتها الراسخة في إدارة الأعمال وبناء حسن النية – بكيفية استخدامها لقدرتها ورأس مالها. وعلى المنوال نفسه، يمكن فهم طابع الصين، أو الطريقة التي تؤكد بها حضورها على المسرح العالمي، من خلال فحص كيفية استخدامها قاعدتها الصناعية الضخمة ومواردها المالية. تميل بكين، الموجهة بعقيدتها الخاصة، إلى توظيف القوة الاقتصادية وفق مبادئها هي، لا وفق المعايير العالمية أو التوقعات الخارجية. ولا تنفصل هذه المقاربة عن سعي الحزب الشيوعي إلى ترسيخ شرعيته الداخلية، التي تستند إلى وعود بتحقيق ازدهار اقتصادي متزايد ووضع حد لـ"قرن الإذلال" الذي عانته الصين على أيدي القوى الغربية. وإلى جانب تبرير سلطة الحزب في الداخل، توفر هذه السردية المستندة إلى المظلومية التاريخية الأساس لسياسة خارجية حازمة، إذ تغذي نداءات بكين المتكررة إلى السيادة وعدم التدخل، وتدعم مزاعمها حول التقارب مع بلدان في العالم النامي.
غير أن موقف الصين الأخلاقي يفرض قيوداً. منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى أوائل العقد الثاني من الألفية الثانية، تشدد بكين على الشراكة مع الولايات المتحدة والغرب، كانت "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية" تعتمد على الاندماج في نظام التجارة العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة وعلى الوصول إلى التكنولوجيا والتمويل الغربيين. لكن الاندماج، في نظر القادة الصينيين، لم يكن يوماً هدفاً بحد ذاته، بل مجرد وسيلة لتسريع التحديث واستعادة القوة الوطنية. وكان الهدف الأوسع للحزب هو التعلم من الغرب من دون تغريب.
ومع نمو القوة الاقتصادية والعسكرية الصينية، وتنامي خيبة أمل واشنطن من تعثر عملية التحرر السياسي والاقتصادي فيها، تدهورت العلاقة وأعاد الحزب ضبط بوصلته. منذ عام 2018، يضع شي جانباً خيار الاندماج، ويجعل الاكتفاء الذاتي المبدأ المنظم للاستراتيجية الوطنية الصينية. ويتعزز هذا التحول بفعل القيود التي فرضتها إدارة ترمب الأولى على شركات التكنولوجيا العملاقة في الصين مثل "هواوي"، والتي كشفت هشاشة الصين أمام ضوابط التصدير. ورداً على ذلك، باتت "النهضة الوطنية" تعني الاستقلالية والتحصن في وجه الضغط الغربي. وهكذا تطورت علاقة الصين بالولايات المتحدة وحلفائها من التعاون البراغماتي إلى التباين المبدئي.
بكين تعاني عجزاً مزمناً في القوة الناعمة
على رغم ذلك، لا تسعى بكين إلى تصدير مجموعة بديلة من القيم الصينية أو إلى نشر أيديولوجيتها في الخارج، على غرار ما فعله الاتحاد السوفياتي يوماً. تكاد غاياتها تكون استراتيجية حصراً: إعادة تشكيل المعايير العالمية المتعلقة بالسيادة والتنمية على نحو يخدم مصالحها. ومن خلال تعريف نفسها إلى حد كبير بعبارات نافية – هي ليست غربية، ولا ليبرالية، ولا تابعة – تنجح بكين في استمالة قدر من التضامن لدى بعض الدول، لكنها تواجه صعوبة في إلهام ولاء حقيقي.
ويزداد تقييد نفوذ الصين العالمي بفعل ضعف الروابط الثقافية بينها والبلدان الأخرى. على خلاف القوى الغربية، التي تعزز تحالفاتها من خلال تراث ولغة وقيم مشتركة، تفتقر الصين إلى روابط ثقافية أو مجتمعية مماثلة. شراكاتها، التي يغلب عليها طابع تجاري، لا تستند إلى التزام أخلاقي أو قربى تاريخية. ولا تزال علاقات الصين مع جيرانها وأقرب أقربائها ثقافياً، فيتنام وتايوان، من بين أكثر علاقاتها عدائية. وعلى رغم أن الجاليات الصينية في الخارج واسعة وناشطة اقتصادياً – تضم مدن كبرى كثيرة حول العالم أحياء صينية – ينظر الحزب إلى الصينيين المقيمين في الخارج بوصفهم مصادر محتملة لأخطار أيديولوجية، ويشتهر بمراقبتهم وترهيبهم. وفي الحالتين، تعوق مقاربة بكين تكوين روابط عضوية مستندة إلى الثقة بين الصين والمجتمعات الأخرى، مما يبقيها في حال من العجز المزمن في مجال القوة الناعمة.
أما براغماتية الصين الدفاعية فتجعلها أيضاً مترددة في الاضطلاع بدور بناء في تسوية النزاعات. على رغم زعمها الحياد، تحافظ بكين، على سبيل المثال، على تضامنها مع موسكو في حربها داخل أوكرانيا تحت شعار معارضة "الهيمنة" الغربية. هذا الموقف الموالي لروسيا يغذي مخاوف متزايدة في أوروبا، إذ بات القادة وصناع السياسات على نحو متزايد يعدون الصين منافساً اقتصادياً وتهديداً أمنياً في آن واحد. وتساعد توترات كهذه في تفسير السبب الذي يجعل الصين تحظى كثيراً باحترام من دون مودة: هي تعد قوة مهيبة، لكنها ليست جديرة بالثقة تماماً، وقيادتها قوية، لكنها ليست شرعية بالكامل. ومن دون قيادة أخلاقية تكمل قوتها المادية، يظل دور الصين العالمي دور قوة يجب التعامل معها – وربما تستدعي الخشية منها – لكن ليس دور قوة يقتدى بها.
انعدام الثقة في بلاد الصين
إذا كانت القدرة تحدد ما تستطيع الدولة فعله، ويحدد رأس المال الموارد التي يمكنها الاستناد إليها، ويصف الطابع الكيفية التي تختار بها أن تتصرف على المسرح العالمي، فإن "الـسي" C الرابعة تتناول سؤالاً أكثر مراوغة. في تحليل الائتمان، تتمثل وظيفة الضمانات في طمأنة المقرضين عندما تغيب الثقة في قدرة شركة ما على الوفاء بقروضها. وفي الجغرافيا السياسية، يمكن تسمية ذلك بالصدقية، أي ما إذا كانت الدولة قادرة على إقناع الدول الأخرى بأنها ستفي بوعودها ونياتها. ويعد تحقيق الصدقية، على الأرجح، الشرط المسبق الأهم لبلوغ مرتبة القوة العظمى. هذه المرتبة لا تشترى ولا تفرض بقرار، يجب اكتسابها بالممارسة. هي العامل الجامع الذي يحافظ على التحالفات، ويثبت التوقعات، ويحول النفوذ إلى قيادة عالمية.
تعد الصدقية أضعف أبعاد القوة الجيوسياسية للصين. على رغم قدرتها الضخمة وثروتها الكبيرة وانتشارها الواسع في الخارج، تواجه البلاد تشكيكاً دائماً في نياتها. تستثمر الصين بكثافة في حملات دولية لإبراز موثوقيتها وشرعيتها – بما في ذلك الدبلوماسية المناخية، وبعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ومبادرة "الحزام والطريق" الواسعة النطاق، وهي برنامج التنمية العالمية الذي أنفقت عليه الصين نحو 1.3 تريليون دولار ووقعت اتفاقاته مع قرابة 150 دولة. ومع ذلك وعلى رغم ضخامتها، لم تحقق هذه الجهود الصدقية التي تسعى إليها بكين. في بعض الحالات، تبالغ الصين في تصوير مساهماتها الفعلية، مما يزرع الشكوك حول أجندتها. على سبيل المثال، تقدم الصين نفسها بوصفها مصدراً دولياً رائداً لتمويل التنمية، على رغم أن مصارف التنمية المتعددة الأطراف، والمستثمرين من القطاع الخاص، والمقرضين الغربيين التقليديين لا ينفكون يستحوذون على حصة تراكمية أكبر.
وفي حالات أخرى، تسهم استثمارات الصين الخارجية، من حيث لا تقصد، في تضخيم الشكوك في شأن موثوقيتها وشفافيتها. هناك اعتقاد شائع بأن بكين تنتهج "دبلوماسية فخ الديون" مع الدول الأفقر، من خلال إيقاع هذه الدول عمداً في ديون غير مستدامة للاستيلاء على أصول استراتيجية. وعلى رغم أن دراسات تطبيقية وجدت أدلة قليلة على وجود نية متعمدة من هذا النوع، يبين انتشار هذه السردية إلى أي مدى تثير ممارسات الإقراض غير الشفافة في الصين، والنفوذ السياسي الذي يبدو مضمناً في نموذج تمويلها، قلقاً عالمياً.
تدور المخاوف الدولية في خصوص فائض الطاقة الصناعية في الصين على منوال مماثل. في عواصم غربية كثيرة، يترسخ اعتقاد أن فائض الإنتاج الضخم في الصين يترتب على استراتيجية متعمدة لإغراق أسواق بلدانها بالسلع الرخيصة وتدمير قواعدها الصناعية. والحقيقة أن فائض الطاقة يبدو إلى حد كبير نتيجة غير مقصودة لنموذج النمو الاقتصادي الصيني القائم منذ زمن طويل. إلا أن بكين تمتنع عن مواجهة المشكلة بسبب سعيها الحثيث إلى الريادة الصناعية، وبسبب المصالح الراسخة للحكومات المحلية والمؤسسات المملوكة للدولة، والمصارف الخاضعة إلى سيطرة الدولة. ونتيجة لذلك، تترسخ التهمة معززة الشكوك الأوسع في شأن نيات الصين.
كذلك تقدم النظريات الغربية حول تباطؤ نمو الصين سبباً إضافياً للتشكيك في صدقية البلاد. وفق الأطروحة المسماة "ذروة الصين"، تواجه بكين تباطؤاً اقتصادياً بعيد الأجل ومميتاً بسبب مشكلات هيكلية متراكمة وذات مسارات لا يمكن قلب اتجاهها. وبحسب هذا المنظور، يثير التباين بين التفاؤل الرسمي الصيني والاعتلال الملحوظ في الاقتصاد الصيني تساؤلات لا تتناول موثوقية البيانات الصينية فحسب، بل أيضاً حول قدرة الصين على إبراز قوتها عالمياً. ويذهب بعض المراقبين إلى التكهن بأن الضغوط الاقتصادية المتراكمة قد تدفع بكين إلى التخلي عن صعودها السلمي، واللجوء إلى سلوك عدواني أو قسري لتأمين مصالحها ما دامت قادرة على ذلك.
كذلك يسهم توسع سيطرة الصين على الموانئ والبنى التحتية الحيوية في الخارج في تعميق هذه الشكوك. باتت مؤسسات صينية مرتبطة بالدولة تمتلك حصصاً ضمن أكثر من 100 مشروع من مشاريع الموانئ الخارجية حول العالم، يتمتع أكثر من 70 في المئة منها بقدرات عسكرية محتملة إلى جانب القدرات المدنية. وعلى رغم أن الأدلة على الاستخدام العسكري لا تزال محدودة، يحذر خبراء غربيون في الاستراتيجيات الدفاعية من أن هذه المنشآت المزدوجة الاستخدام قد تتطور إلى شبكة عالمية للقوات البحرية الصينية. ومرة أخرى، غذت التصورات السلبية غياب الشفافية لدى بكين، إلى جانب ميلها غير المفيد لطمس الحدود بين الجهات الحكومية والفاعلين التجاريين. وعلى رغم أن هذه المخاوف قد تكون مبالغاً فيها، فإنها تظل معقولة بما يكفي لتثير الشكوك حول الاستثمارات الخارجية للصين من منظور الأمن القومي. وبذلك، فإن عجز بكين عن كسب الصدقية يتراكم ويبدو إلى حد كبير من صنع يديها.
بالطبع، كثيراً ما أثارت القوى الصاعدة عبر التاريخ الشكوك حول دوافعها. خلال ثمانينيات القرن الماضي، وُجهت إلى اليابان اتهامات بممارسة "إمبريالية المساعدات"، في حين غذت فوائضها التجارية المتزايدة، وعمليات الشراء البارزة لأصول أميركية، وتفوقها التكنولوجي والصناعي القوي، مخاوف من تهديدها للهيمنة الأميركية، مما استدعى إجراءات حمائية. لكن سرعة وحجم صعود الصين جلبا لها مشكلة صدقية أكبر بكثير من تلك التي واجهتها القوى السابقة. فقد أدت ضبابية بكين، وتجزؤ عملية صنع القرار، واستمرار دمجها بين الأهداف الحكومية والتجارية والاستراتيجية إلى خلق حلقة مفرغة. فكلما أكدت الصين سعيها للقيادة، ازدادت الشكوك حول أفعالها - لتبقى قوية في القدرة ورأس المال، لكنها غير مؤكدة في الطابع وضعيفة في الصدقية.
اختبار القدرة على الصمود
لا ينبغي الاستهانة بالصين. في ظل قيادة الرئيس شي، أمضت البلاد الأعوام الـ13 الماضية في ترسيخ قوتها والتحصن لمنافسة على النفوذ العالمي قد تمتد لعقود من الزمن. لقد تعرضت لانتكاسات، أبرزها خلال جائحة كوفيد-19، عندما فاقمت الإغلاقات الصارمة التي فرضها الحزب الشيوعي المشكلات الاقتصادية الهيكلية، مما أدى إلى تآكل ثقة المجتمع الصيني بوعد الازدهار المتواصل. وعلى رغم ذلك، تحافظ البلاد على مسارها العام: تراكم تدريجي للقوة الاقتصادية مقرون بتأكيد متزايد على الاستقلالية الاستراتيجية. يفيد ذلك الصين جيداً في حربها التجارية مع الولايات المتحدة. لم تواجه أية حكومة أخرى واشنطن بالمثل في خصوص الرسوم الجمركية وقيود التصدير وخرجت من المواجهة سالمة تقريباً. وللمرة الأولى منذ تنافس الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي، تواجه واشنطن منافساً نداً قادراً ليس فقط على تحدي قوتها، بل أيضاً على دفعها إلى نوع من التكيف.
عند تقييم الولايات المتحدة وفق المعايير الأربعة نفسها، لا تعود واشنطن قادرة على الاتكال على مزاياها التقليدية. بعد الحرب العالمية الثانية، كانت قدرة الولايات المتحدة بلا منازع، شكلت قوتها الصناعية الكاسحة وثقلها المالي وإنجازها العلمي معيار التميز في معظم المجالات. وعلى مدى عقود من الزمن، قادت الولايات المتحدة العالم أيضاً في الطابع والصدقية، فصدرت قيمها وازدهارها ومظلتها الأمنية إلى عشرات الدول، ودافعت عن نظام الأسواق العالمية المستند إلى الدولار الأميركي وسيادة القانون التي أسهمت إلى حد كبير في بنائها. لكن مكامن القوة هذه تتراجع، ومعها يتراجع الإحساس بأن التفوق الأميركي أمر واقع.
عندما واجهت واشنطن آخر مرة قوة عظمى صاعدة، عند فجر الحرب الباردة، كان بوسعها الاعتماد على ائتلاف من الحلفاء الواثقين. وهذا لم يعد صحيحاً اليوم. إلى جانب التسيب المالي واستخدام السياسة الاقتصادية كسلاح خلال الأعوام الأخيرة، كان لازدراء إدارة ترمب الثانية التحالفات وموقفها التجاري المتشدد أثر فعلي في التصورات الدولية. خلال أكتوبر 2025، أعلنت كندا نيتها مضاعفة صادراتها إلى دول غير الولايات المتحدة – في نوع من مقاربة "خفض المخاطر" التي كانت مخصصة للصين في السابق. وتنبهت بكين إلى هذه الشروخ وتعمل بصورة منهجية على توسيعها.
الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الاتكال على مزاياها التقليدية
من جهة أخرى، تواجه الصين بدورها قيوداً مستمرة. تحديداً لأن قدرتها ورأس مالها غير المسبوقين يمتلكان هذه القوة التحويلية الضخمة للصناعات والأسواق، تحول العاملان إلى نقاط ضعف. وفي غياب رؤية إيجابية قوية للقيادة العالمية، تواصل الصين الإخفاق في كل من الطابع والصدقية، مما يثير تساؤلات حول نياتها الأوسع وشروط صعودها. أما مشكلاتها الداخلية، بما في ذلك ضعف الاستهلاك والتحول الديموغرافي المبطئ للنمو، فتطرح تحديات كبيرة بحد ذاتها. حتى إن تمكنت بكين من التخفيف من هذه المشكلات، قد يوفر الموقع المتقدم الذي تحتله الولايات المتحدة في النظام العالمي ومواردها الطبيعية التي تغبط عليها لواشنطن دعامات هيكلية يتعذر على الصين تجاوزها.
وعليه، يرجح أن تكون أفضل النتائج الممكنة مواجهة مستقرة – مقصورة على المجالات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، ومعزولة بعناية عن التصعيد العسكري – لا يتمكن فيها أي من الطرفين من تحقيق نصر حاسم. خلصت الصين بالفعل إلى أنها تخوض منافسة بعيدة الأجل مع الولايات المتحدة. وإذا لم ترغب واشنطن في مزيد من تآكل موقعها، عليها أن تتخلى عن التكتيكات القريبة الأجل وأن تنخرط في اللعبة البعيدة الأجل نفسها. لكنها يجب أيضاً أن تدرك ما الذي تدور حوله المنافسة فعلاً. على خلاف افتراضات كثير من صناع السياسات الأميركيين، لا تسعى قيادة الصين إلى إزاحة الولايات المتحدة أو استبدال نظام جديد بالنظام العالمي الذي استفادت منه بكين إلى حد كبير. لكنها تسعى إلى إنهاء استراتيجية الاحتواء الأميركية والحصول على حق نقض فعلي إزاء الإجراءات الأميركية الأحادية، مثل العقوبات. ومن خلال تصعيد إجراءاتها ضد الصين، تعزز إدارة ترمب، من حيث لا تقصد، عزم بكين على استكمال بلوغها مرتبة القوة العظمى.
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لا يرجح أن يتحقق النجاح في هذه المنافسة من خلال اتخاذ إجراءات عقابية ضد بكين. بل يتعين على واشنطن أن تعزز صدقيتها التقليدية في العالم وتستخدمها لتوجيه الصين نحو مسار أقل عدائية، من خلال إعطاء بكين معضلات بدلاً من إنذارات نهائية، ومن خلال السعي إلى تشكيل النتائج بمرور الوقت بدلاً من فرضها فوراً. أما الصين، فسيقتضي النجاح منها مقاومة الضغوط الأميركية والحفاظ على مسارها الراهن إلى أن يصبح احتواء صعودها مكلفاً للغاية بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وسيتطلب ذلك أيضاً التغلب على الشكوك الدولية في شأن أهداف بكين الكبرى. ومع الأخذ في الاعتبار التفاوت في نقاط القوة والضعف بين الطرفين، إضافة إلى العجز المتزايد في الثقة من بقية العالم، يبدو أن أي انتصار كبير سيظل بعيد المنال. فهذه المنافسة لن تحسم في لحظات فاصلة، بل ستعتمد على اختبار بطيء لقدرة الطرفين على الصمود الاستراتيجي.
زونغيان زوي ليو هي زميلة بارزة في مقعد موريس غرينبرغ لدراسات الصين في مجلس العلاقات الخارجية وباحثة بارزة في معهد السياسة العالمية بكلية الشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا. ومؤلفة الكتاب "الصناديق السيادية: كيف يمول الحزب الشيوعي الصيني طموحاته العالمية".
مترجم "فورين أفيرز"، يناير (كانون الثاني)/فبراير (شباط) 2026