Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تعقيدات العلاقة السعودية - الفرنسية خلال حقبة التسعينيات

رئيس الوزراء إدوار بالادور زار الرياض محملاً بتوقعات انفراجة اقتصادية لكن نتائج اللقاءات كشفت عمق الفجوة بين البلدين

العلاقة بين الرياض وباريس في التسعينات عكست نموذجا من تشابك السياسة بالاقتصاد ( اندبندنت عربية)

ملخص

 تكشف الوثائق البريطانية خلفيات زيارة رئيس الوزراء الفرنسي السابق بالادور إلى السعودية عام 1994، وتبيّن التوترات السياسية والخيبة التجارية التي رافقت الزيارة وتبرز محاولات باريس تطبيع العلاقات في مقابل تحفظ سعودي أدى إلى غياب أي نتائج اقتصادية ملموسة.

تعكس العلاقة بين السعودية وفرنسا في مطلع التسعينيات نموذجاً معقداً لتشابك السياسة بالاقتصاد، إذ لم تكن الزيارات الرسمية كافية لتجاوز إرث من التوتر وسوء التقدير، فخلال تلك المرحلة سعت باريس إلى إعادة ترميم علاقتها مع الرياض بعد أعوام اتسمت بتصريحات وتدخلات سياسية من حكومات اشتراكية فرنسية أثارت تحفظاً سعودياً، سواء في ملفات إقليمية حساسة أو في إدارة العلاقات الاقتصادية، وخصوصاً في قطاع النفط.

وفي هذا السياق جاءت زيارة رئيس الوزراء الفرنسي إدوار بالادور إلى الرياض عام 1994 محملة بتوقعات كبيرة بإعادة فتح أبواب التعاون التجاري واستعادة الثقة، غير أن الزيارة، وعلى رغم ما حملته من رسائل سياسية إيجابية، فقد كشفت عن عمق الفجوة بين الطموحات الفرنسية والواقع السعودي، فغياب أية نتائج اقتصادية ملموسة حوّل الزيارة سريعاً إلى عبء داخلي على الحكومة الفرنسية، إذ واجهت انتقادات إعلامية حادة ركزت على الإخفاق الاقتصادي للرحلة، بخاصة في ظل أوضاع اقتصادية داخلية ضاغطة.

وتُسلط الوثائق الدبلوماسية البريطانية الصادرة في يناير (كانون الثاني) 1994 الضوء على أبرز محطات العلاقات الثنائية بين السعودية وفرنسا خلال فترة حساسة، اتسمت بمحاولات إعادة ترتيب الأولويات السياسية والتجارية، وتشير هذه الوثائق إلى سلسلة من الزيارات الرسمية رفيعة المستوى وأبرزها زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا بالادور إلى الرياض، وكذلك تتضمن الوثائق زيارة الأمير محمد بن فهد إلى فرنسا والتواصل المستمر بين السفارات والوزارات الأوروبية المعنية بالشؤون السعودية، مما يعكس حرص الجانب الأوروبي على استقرار العلاقات وتعزيز التنسيق في مختلف الملفات الثنائية والدولية، وتُعد هذه الوثائق جزءاً من أرشيف وزارة الخارجية البريطانية (FCO 8/10120)، وتغطي العلاقات بين السعودية والدول غير العربية خلال عام 1994.

زيارة بلا حصاد

ترصد الوثيقة خلفيات زيارة رئيس الوزراء الفرنسي بالادور إلى السعودية عام 1994، كاشفاً عن التوترات السياسية والخيبة التجارية التي رافقت الزيارة، وتبرز محاولات باريس تطبيع العلاقات في مقابل تحفظ سعودي أدى إلى غياب أية نتائج اقتصادية ملموسة.

"في الـ 14 من يناير 1994 أرسلت السفارة البريطانية في باريس برقية سرية إلى وزارة الخارجية البريطانية، تحت أولوية رقم (45) تتعلق بزيارة الرئيس الفرنسي بالادور إلى السعودية تخللتها زيارة الأمير محمد بن فهد، وتناولت البرقية ملخصاً لتقييم الزيارات وأهدافها السياسية والتجارية مع التركيز على النجاح المحدود من الجانب التجاري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مع بداية عام 1994 كانت العلاقات الفرنسية - السعودية تمر بمرحلة حساسة بعد أعوام من التوتر خلال عهد الاشتراكيين في فرنسا، وما رافقها من تصريحات فرنسية اتسمت بالتدخل في قضايا الحكم في الخليج، إضافة إلى خلافات اقتصادية متراكمة، وفي هذا الجو المتشابك جاءت زيارة رئيس الوزراء الفرنسي إدوار بالادور إلى الرياض، وهي زيارة روجت لها الحكومة الفرنسية طويلاً باعتبارها محطة مهمة لإحياء التعاون التجاري وتحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة.

غير أن النتائج لم تتوافق مع التوقعات، فبعد انتهاء الزيارة انهالت الانتقادات من وسائل الإعلام الفرنسية على بالادور لفشله في إبرام أية صفقات كبرى، على رغم التمهيد الإعلامي الذي صور الرحلة كفرصة ذهبية لاقتناص عقود ضخمة مع السعودية، وفي خضم هذا الجدل سعت وزارة الخارجية الفرنسية إلى توضيح الموقف لشركائها الأوروبيين، فقدّم رئيس قسم الشرق الأوسط في الخارجية الفرنسية، غينهوت، إحاطة للدول الأوروبية حاول فيها تقديم الزيارة على أنها سياسية بالدرجة الأولى وليست تجارية كما جرى الحديث عنها قبلها.

وأوضح غينهوت أن زيارة بالادور جاءت تتويجاً لسلسلة لقاءات رفيعة المستوى هدفت إلى إعادة العلاقات الفرنسية - السعودية لطبيعتها بعد أعوام من الفتور، فقد كان على باريس معالجة تركة من سوء الفهم المتبادل، من تصريحات حساسة للرئيس ميتران إلى خلافات مع إحدى الشركات الفرنسية الكبرى في قطاع النفط، مما جعل هذه الزيارة في نظر فرنسا المرحلة الأخيرة من عملية تطبيع العلاقات.

وخلال لقاء بالادور الملك فهد، والذي عُدّ احترام موعده إشارة إيجابية، تناول الجانبان عدداً من الملفات الإقليمية الحساسة، ففي شأن العراق أكد الطرفان شعورهما بأنهما كانا في الموقع نفسه قبل غزو الكويت، واتفقا على ضرورة الالتزام بقرارات الأمم المتحدة، وفي شأن الجزائر فوجئ الفرنسيون بمدى تفاؤل السعوديين حيال قدرة الجزائر على تجاوز أزمتها، أما إيران فقد لمّح غينهوت إلى عدم علمه بأي نقاش رسمي حولها وإن لم يستبعد احتمالات ورودها في الحديث الخاص بين بالادور والملك.

لكن على الصعيد التجاري، وهو ما كان ينتظره الفرنسيون بفارغ الصبر، فقد انتهت الزيارة بصفر كبير حين لم يتحقق أي تقدم في مشروع إعادة تأهيل طائرات الخطوط الجوية السعودية ولا في غيره من العقود المحتملة، وحتى المقترح السعودي بتأسيس لجنة لدراسة الصفقات بدا مفاجئاً لباريس التي كانت تمني النفس بنتائج مباشرة لا بإنشاء آليات إضافية.

وخلال الأيام التي تلت زيارة بالادور وصل الأمير محمد بن فهد إلى باريس في زيارة رمزية جرى الإعداد لها منذ فترة طويلة، وقد استقبلته أرفع الشخصيات الفرنسية وعُقدت له لقاءات مع كبار رجال الأعمال، وعلى رغم الإشادات المتبادلة وأجواء الترحيب لكن هذه الزيارة لم تُسفر أيضاً عن نتائج اقتصادية ملموسة.

أما في باريس فاشتدت الانتقادات الموجهة إلى بالادور الذي بدا غاضباً على رغم تصريحاته بأن الزيارة كانت مرضية تماماً، ولم تظهر أية مؤشرات على أن لقائه الخاص مع الملك سيؤدي إلى تغيير لاحق في الموقف السعودي.

وفي ظل هذه المعطيات فلم يكن أمام الجانب الفرنسي سوى الأمل بأن اللجنة المقترحة لا تتحول إلى عائق إضافي أمام التعاون التجاري، وإن بدا ذلك احتمالاً ضعيفاً في ظل الظروف القائمة، خصوصاً مع ما تردد عن اتخاذ السعودية موقفاً متشدداً تجاه إيران في تلك المرحلة، مما قد يكون قد ألقى بظله على تعاملها مع فرنسا، ولا سيما بعد ترحيل باريس لمشتبه فيهم بقضية مقتل رجوي أواخر ديسمبر (كانون الأول).

وهكذا بدت زيارة بالادور، بكل ما أحاط بها من توقعات سياسية وتجارية، صفحة أخرى في مسار معقد من العلاقات الثنائية، عكست توازناً دقيقاً بين ما هو معلن وما هو غير معلن، وبين طموحات فرنسا واعتبارات السعودية، وبين حسابات السياسة ومصالح الاقتصاد".

 

خلاف نفطي وسوء تقدير سياسي

يتناول النص جذور خلاف ثنائي بين السعودية وفرنسا في أوائل التسعينيات، نشأ من سوء فهم بين الرياض وشركتي النفط الفرنسيتين "إلف" و"توتال" بسبب تدخلات سياسية خاطئة من "الحكومة الاشتراكية"، ويوضح كيف لم تُحل الأزمة إلا بعد عودة "اليمين" إلى الحكم وإعادة المحادثات إلى مسارها الطبيعي.

"في الـ 17 من يناير 1994، أرسل مارك راناكيرز من باريس برقية سرية إلى وزارة الخارجية البريطانية (FCO) موجهة تحديداً إلى آر غيبسون في إدارة الشرق الأوسط، مع نسخة إلى السفارة البريطانية في الرياض، وأشار راناكيرز في برقيته إلى سلسلة من سوء الفهم بين السعوديين وإحدى شركات النفط الفرنسية التي تطورت لتصبح نزاعاً ثنائياً واضحاً.

وجاءت هذه الخلافات في إطار دعم الحكومة الاشتراكية الفرنسية لشركة "إلف آكيتين" في طلبها الحصول على امتياز في السعودية، بناء على افتراض أن المشروع سيكون مقبولاً لدى الجانب السعودي، وفي الوقت نفسه مارست الحكومة نفسها ضغوطاً على شركة "توتال" لوقف محادثاتها مع السعوديين حول إمكان مشاركة رأس المال السعودي داخل شبكة توزيع الشركة في أوروبا، وهذا التباين في المعاملة أثار استياء الرياض التي لم تكن معنية بعرض "إلف" لكنها كانت مهتمة بعرض "توتال"، مما جعل موقف الحكومة الفرنسية يبدو لهم محيراً وسلبياً، ولم تُعالج هذه الالتباسات إلا بعد عودة "اليمين" إلى الحكم في فرنسا حين أعيدت محادثات "توتال" لمسارها الطبيعي، مما أسهم في تصحيح العلاقات تدريجياً بين الطرفين".

تباين التعامل البريطاني والفرنسي مع عقود الدفاع السعودية

تتناول هذه الوثيقة برقية سرية صادرة في يناير 1994 حول الملاحظات المالية والعلاقات الدفاعية بين السعودية وكل من المملكة المتحدة وفرنسا، وتستعرض البرقية ردود الأفعال الإعلامية الفرنسية والتحركات الدبلوماسية لضمان استقرار العقود الدفاعية السعودية.

"في 18 يناير 1994 أرسل مارك راناكيرز من باريس برقية سرية إلى وزارة الخارجية البريطانية (FCO) حول الزيارات البريطانية والفرنسية إلى السعودية، وجاءت البرقية بعد تلقيه من ستيوارت لينغ نسختين من رسالتيه المؤرختين في الـ 12 والـ 16 من يناير، والمتعلقتين بالملاحظات الغامضة للأمير سلطان بن عبدالعزيز التي نقلتها "وكالة الأنباء السعودية."

وعلى رغم أن هذه الملاحظات لم تُنشر في الصحافة الفرنسية لكن راناكيرز أشار إلى أن الصحف الفرنسية عند تناولها الصعوبات المالية السعودية، كانت تفترض ضمنياً أن هذه المشكلات كان لها أثر في موردي المملكة الآخرين أيضاً، وأوضح أن الصحافة قد تناولت مثلاً طلب السعودية للولايات المتحدة في شأن جدولة المدفوعات المتعلقة بالمعدات العسكرية، كما وصفت أحد الصحف الفرنسية المرموقة زيارة السيد ريفكيند بأنها محاولة لإنقاذ عقد طائرات الـ "تورنيدو".

وفي ختام البرقية أوضح راناكيرز أنه لم ير ضرورة التأكيد على الاختلاف في طريقة التعامل بين المملكة المتحدة وفرنسا في شأن عقود الدفاع خلال مناقشاته مع الجانب الفرنسي، لكنه أشار إلى أن الإحاطات الرسمية والصحافة الفرنسية الوطنية كانت تبحث عن نوع من الطمأنة، مستندة إلى مبيعات الدفاع في دول أخرى للسعودية، ومع ذلك يمكن الافتراض أن الطرح الإعلامي الفرنسي ربما وجد ما يدعمه في التعليقات السعودية حول "الاختلافات في شأن بعض المشاريع".

التوقيع: مارك راناكيرز وبراون"

وفي المحصلة تكشف هذه الوثائق عن أن تعثر الزيارة الفرنسية إلى الرياض لم يكن حدثاً عابراً بل نتيجة مسار طويل من التشابك بين الدبلوماسية والاقتصاد، فقد اصطدمت الرغبة الفرنسية في تحقيق مكاسب سريعة بتحفظ سعودي نابع من تجارب سابقة واعتبارات أوسع من منطق الصفقات.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير