ملخص
حذرت كل من إدارة شؤون اللاجئين والعائدين التابعة للحكومة الإثيوبية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي من انهيار وشيك في قدرتها تجاه حاجة اللاجئين في إثيوبيا. ويأتي التحذير في وقت تتزايد أعداد اللاجئين بمناطق مختلفة في البلاد ضمن الظروف الإقليمية لتدفقات اللاجئين عبر دول كجنوب السودان وإريتريا والسودان ودول أخرى، فضلاً عن ظروف محلية تشهدها إثيوبيا نفسها في بعض مناطق الشمال ومناطق غرب تيغراي جراء آثار الحرب السابقة.
يشهد الواقع الإنساني المركب للاجئين والعائدين في إثيوبيا مأساة متفاقمة مع نقص الخدمات الأساسية المنقذة للحياة (الغذاء والماء والرعاية الصحية)، فبينما تستضيف إثيوبيا أعداداً كبيرة من اللاجئين من دول الجوار تشهد بعض مناطقها في الشمال ظروفاً إنسانية متردية لنازحي حرب تيغراي السابقة. فإلى أين يقود تفاقم الأوضاع الإنسانية التزامات إثيوبيا حماية اللاجئين؟
حذرت كل من إدارة شؤون اللاجئين والعائدين التابعة للحكومة الإثيوبية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي من انهيار وشيك في قدرتها تجاه حاجة اللاجئين في إثيوبيا، في وقت تتزايد أعداد اللاجئين ضمن مناطق مختلفة من البلاد مع الظروف الإقليمية لتدفقات اللاجئين عبر دول كجنوب السودان وإريتريا والسودان ودول أخرى، فضلاً عن ظروف محلية تشهدها إثيوبيا نفسها في بعض مناطق الشمال ومناطق غرب تيغراي جراء آثار الحرب السابقة.
وبحسب البيان المشترك الذي أصدرته هذه الجهات الإنسانية، فمن دون ضخ فوري للتمويل ستتوقف الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، بما في ذلك الغذاء والماء والرعاية الصحية لأكثر من 1.1 مليون لاجئ في غضون أسابيع.
وقالت المديرة العامة لإدارة اللاجئين والعائدين طيبة حسن، "لقد أوفت إثيوبيا بالتزاماتها حماية اللاجئين، لكن هذه المسؤولية الجسيمة لا يمكن للحكومة وحدها أن تتحملها"، مضيفة أن "مواردنا مستنزفة إلى أقصى حد، والضغط على المجتمعات المستضيفة بات لا يطاق في هذا الوقت الحرج، ويعد الدعم الدولي الفوري لتقاسم هذا العبء وتجنب كارثة إنسانية أمراً حتمياً".
وضع غير مسبوق
من جانبها قالت الممثلة القطرية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عائشة م. ندياي إن "الوضع الذي نواجهه غير مسبوق ومثير للقلق البالغ، لقد وصلنا إلى لحظة حاسمة، إذ إن خيارنا الآن سيحدد ما إذا كانت استجابة إثيوبيا للاجئين ستنهار أو ستصبح نموذجاً للصمود والشمول والحلول الطويلة الأجل".
يشار إلى أنه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اضطر برنامج الأغذية العالمي إلى خفض حصص الغذاء لـ780 ألف لاجئ إلى 40 في المئة فقط من الحصة الأساسية، أي أقل من 1000 سعرة حرارية يومياً، ولا يتلقى حالياً سوى 70 ألف لاجئ وصلوا حديثاً حصصهم كاملة.
وقال ممثل برنامج الأغذية العالمي ومديره القطري زلاتان ميليشيتش، "مع نفاد الغذاء تدفع العائلات إلى الاعتماد على آليات البقاء"، لافتاً إلى أنهم يطالبون بصورة عاجلة بتوفير 90 مليون دولار أميركي لاستمرار العمليات خلال الأشهر الستة المقبلة ومحذراً "إذا لم نتلقَّ تمويلاً جديداً على الفور، فقد نضطر إلى تعليق المساعدات الغذائية للاجئين تماماً خلال الأشهر المقبلة، مما سيؤدي إلى تفاقم سوء التغذية والجوع".
وتسببت الخفوض نتيجة النقص في التمويل الإنساني إلى ارتفاع حاد في معدلات سوء التغذية الذي تجاوز الآن 15 في المئة بمخيمات اللاجئين، وارتفعت معدلات وفيات المواليد والأطفال دون عمر السنة إلى 4.7 في المئة عام 2025، وتضاعفت حالات دخول المستشفيات بسبب سوء التغذية أكثر من مرتين مقارنة بالعام الماضي (2024).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإثيوبيا كدولة لجوء إقليمية تعد ضمن أكبر الدول المستضيفة للاجئين في أفريقيا على مدى العقود الماضية، حيث استقبلت لاجئين من دول مجاورة مثل الصومال وجنوب السودان وإريتريا، وأخيراً السودان، مما يعكس موقعها الجغرافي المتميز في منطقة القرن الأفريقي واستقرارها النسبي، ولكنها تمثل على رغم ذلك حالاً معقدة كدولة مستضيفة لأعداد كبيرة من اللاجئين في وقت تعاني نزوحاً داخلياً بسبب صراعات أبرزها حرب تيغراي السابقة.
وتبرز هذه التحديات التي تواجه إثيوبيا التزامها الاتفاقات الدولية والإقليمية لحماية اللاجئين، وما ظلت تقدمه لهم من معينات كمخيمات لجوء وخدمات أساسية، فضلاً عن جهودها للمساعدة في الوصول إلى التعليم والصحة، والسياسات المحدودة التطبيق للاندماج المحلي، مما يعزز صورتها كدولة ذات دور إنساني في الإقليم.
بين المحلي والإقليمي
وتسببت حرب تيغراي (2020 – 2022) وما رافقها من تبعات في نزوح ملايين الإثيوبيين داخلياً، مما شكل ضغطاً هائلاً على الموارد والخدمات، وأفرز تداخلات غير مباشرة بين اللاجئين والنازحين على المساعدات، مما يبرز مفارقة إنسانية في ما يقدم للاجئين من حماية يحتاجون إليها بشدة، في وقت يحتاج النازحون الإثيوبيون أيضاً إلى واجب الخدمات الإنسانية نتيجة ظروف الحرب الداخلية التي لا تزال آثارها ملموسة.
وأفادت تقارير بأن أكثر من 50 نازحاً داخلياً من غرب تيغراي لقوا حفتهم منذ يوليو (تموز) الماضي في مخيم "هيتساتس" الواقع شمال غربي إقليم تيغراي قرب الحدود مع إريتريا نتيجة نقص الغذاء والرعاية الطبية، وفي ظل استمرار تفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة. وتبلغ كمية المساعدات الغذائية المقدمة نحو 15 كيلوغراماً لكل أسرة، وهي غير كافية لتغطية الحاجات الأساسية، مما يدفع بعض الأسر إلى بيع جزء منها للحصول على غذاء إضافي أو مستلزمات ضرورية، ويزيد من سوء التغذية، فضلاً عن أن نوعية المساعدات غير مستساغة التناول بالنسبة إلى البالغين والأطفال والمرضى مما يؤدي إلى تفاقم المشكلات الصحية".
وبحسب التقارير فإن "إجمال عدد الوفيات في المخيم منذ يوليو الماضي تجاوز 50 شخصاً، فيما بلغ عدد الوفيات منذ عام 2022 نحو 300 بسبب نقص الغذاء والأدوية، ويواجه نحو 1700 شخص خطراً وشيكاً إذا لم تقدم مساعدات إنسانية عاجلة. ويعد مخيم ’هيتساتس‘ من المخيمات الرئيسة لاستقبال النازحين من منطقة غرب تيغراي الذين شردوا من ديارهم جراء النزاع المستمر منذ خمسة أعوام".
وكان حزب سمريت، وفق مصادر محلية، حذر من أن "المدنيين في غرب تيغراي، بخاصة في بلدة هيتساتس ومخيماتها للنازحين بمقاطعة أسغدي، الواقعة على بعد 48 كيلومتراً غرب شيري، يواجهون أوضاعاً إنسانية حرجة نتيجة استمرار النزاع ونقص الخدمات الأساسية"، وأشار إلى أن السكان، بمن فيهم الأطفال وكبار السن والنساء، يعانون نقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية، مما أدى إلى حالات ضعف شديد وجوع، مع تسجيل وفيات بين المدنيين والنازحين".
وعلى رغم توقيع اتفاق "سلام بريتوريا" بين الحكومة وجبهة تحرير تيغراي في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2022، يشكو النازحون من استمرار نقص الغذاء والرعاية الصحية والمأوى وسبل العيش، إضافة إلى تعرضهم لأخطار أخرى، بما في ذلك الحيوانات البرية نتيجة عدم توافر ملاجئ آمنة.
تفويت الوجبات
ودعت الجمعيات الإنسانية الثلاث (إدارة شؤون اللاجئين والعائدين الإثيوبية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي) المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لتقديم الدعم، محذرة من أن استمرار نقص المساعدات قد يؤدي إلى ارتفاع أعداد الوفيات خلال الأيام المقبلة.
وتمثل إثيوبيا، ثاني أكبر دولة مستضيفة للاجئين في أفريقيا لأسباب مختلفة، وتشهد ارتفاعاً حاداً في أعداد الوافدين بسبب النزاعات بمناطق عدة، فضلاً عن الجفاف الذي يضرب بعض مناطقها ومناطق أخرى كالصومال، وقد أجبر النقص الحاد في التمويل وكالات الإغاثة على خفض إمدادات الإغاثة الطارئة بنسبة 70 في المئة العام الحالي.
وتشير تحليلات برنامج الأغذية العالمي إلى أن خفض الحصص الغذائية من 60 إلى 40 في المئة سيؤدي إلى زيادة عدد أسر اللاجئين التي تعاني سوء التغذية أربعة أضعاف، ومع تطبيق خفض الحصص الغذائية إلى 40 في المئة ارتفع احتمال لجوء الأسر إلى آليات تكيف سلبية بمقدار الثلثين (66 في المئة).
وبحسب التقارير تلجأ الأسر إلى استراتيجيات سلبية مثل تفويت الوجبات وتقليل حصص طعام الأطفال، وبيع ما بقي لديها من ممتلكات، أو إرسال الأطفال إلى العمل، أو تزويجهم في سن مبكرة، وفضلاً عن نقص الغذاء أدى نقص الموارد إلى شل خدمات المياه والتعليم، ويتلقى اللاجئون الآن ما بين 12 و14 لتراً فقط من الماء يومياً في المتوسط، وينخفض هذا الرقم إلى خمسة لترات في بعض المناطق، وهو أقل بكثير من معيار الطوارئ البالغ 15 لتراً.
وأشار البيان المشترك إلى أن التمويل المخصص لـ 57 مدرسة ابتدائية تخدم 110 آلاف طفل نفد، ومن المقرر إغلاق هذه المدارس في الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، مما سيؤدي إلى إغلاق الفصول الدراسية وعدم دفع رواتب المعلمين، موضحاً أن "تحدي نقص التمويل المخصص للمدارس يمثل خطراً تجاه مستقبل الأطفال، وتعد المدارس نفسها بيئات حماية أساسية لهم وليست مجرد أماكن للتعلم". وأكد أن إغلاقها يعرض 110 آلاف طفل لخطر عمالة الأطفال ويشجع على الاتجار بالبشر، مما يهدد مستقبل جيل كامل.
وناشد البيان الثلاثي المجتمع الدولي أن يوازي التزام إثيوبيا الراسخ استضافة اللاجئين بالدعم المالي اللازم، وقالت الوكالات عبر البيان "لقد أبقت إثيوبيا أبوابها مفتوحة، ولكنها لا تستطيع تحمل هذه المسؤولية وحدها، نحن بحاجة إلى دعم مستدام لمنع مزيد من التدهور ومساعدة اللاجئين في إعادة بناء حياتهم بكرامة".
ليست بدعاً
يقول الكاتب الصحافي الإثيوبي فرحان حرسي إنه "على رغم ما تمثله إثيوبيا من رمزية إنسانية في القرن الأفريقي فهي نفسها تعاني آثار النزاع المسلح في بعض مناطق البلاد، إضافة إلى آثار التغير المناخي ونقص التمويل في البرامج الإنسانية. كل هذه الأسباب أدت إلى نزوح داخلي قدر بـ3.1 مليون شخص معظمهم من مناطق تيغراي وعفر وأمهرة. وهناك نقص حاد في الغذاء في الإقليم الشمالي حيث يعاني 40 في المئة من سكان تيغراي أزمة غذائية. وازداد عدد المحتاجين إلى المساعدات الغذائية لـ9 ملايين شخص، بحسب تقديرات مفوضية اللاجئين الأممية".
ويتابع "على رغم هذه الظروف الداخلية تعد إثيوبيا ثاني أكبر الدول المستضيفة للاجئين في القارة الأفريقية. ومعظم اللاجئين وطالبي اللجوء من جنوب السودان وإريتريا والصومال والسودان. والآن يزيد عدد اللاجئين من هذه الدول على المليون شخص، وفي إثيوبيا 24 مخيماً في كل من غامبيلا وعفار وأمهرة وبني شنقول وغوموز والإقليم الصومالي".
ويضيف حرسي أن "الكلفة الباهظة التي تترتب على استضافة اللاجئين، وتخلي المانحين الدوليين أو تضاؤل حجم المساعدات، كل هذا ربما يؤدي إلى إعادة النظر في أوضاع اللاجئين واستقبالهم، واضطرت إثيوبيا إلى التوفيق بين الأوضاع الراهنة للاجئين وظروفهم المعيشية وبين ما يمكن أن تتحمله في ظل ظروفها الاقتصادية والأمنية. وهي ليست بدعاً في هذا، فأوغندا وكينيا اتخذتا إجراءات مشابهة كتلك التي اتخذتها".