ملخص
أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إلى أن معسكرات النزوح في شمال السودان تعاني من اكتظاظ شديد، وانعدام خدمات الصرف الصحي، وشح المياه النظيفة، ما يزيد من احتمالات تفشي الأمراض، وفي ظل تقليص العديد من المنظمات الإنسانية لعملياتها بسبب انعدام الأمن ونقص التمويل، تتفاقم معاناة النازحين، ليصبح الشتاء ليس مجرد فصل عابر، بل اختباراً قاسياً لقدرتهم على البقاء، وامتحاناً أخلاقياً للمجتمع الدولي في الاستجابة لحماية الفئات الأشد ضعفاً.
مع دخول الشتاء ذروته هذا العام، تتكشف فصول جديدة من المعاناة الإنسانية التي يعيشها النازحون السودانيون في معسكرات النزوح، حيث تتحول برودة الطقس إلى عبء إضافي فوق أعباء الحرب والفقد والتشرد، فآلاف الأسر التي أُجبرت على مغادرة ديارها في دارفور وكردفان، هرباً من النزاع وانعدام الأمن، وجدت نفسها في بيئة نزوح بشمال السودان، لتلتحق بملايين النازحين حول العالم الذين يصنفون ضمن أكثر الفئات هشاشة وتعرضاً للأخطار.
هؤلاء النازحون يحملون معهم آثار العنف، ومرارة الفقد، وتجارب الجوع وعدم الاستقرار، ومع حلول فصل الشتاء تتضاعف الأخطار التي تهدد صحتهم وسلامتهم، هذا العام، تتداخل آثار النزوح القسري مع شتاء أكثر قسوة، ليواجه النازحون مزيجاً خطيراً من الضعف الإنساني والظروف المناخية الصعبة، في وقت لا تزال الاستجابة الإنسانية محدودة مقارنة بحجم الحاجات.
في معسكرات النزوح الموقتة شمال البلاد، يعيش الآلاف في ملاجئ هشة لا يفصلها عن البرد سوى طبقات رقيقة من القماش أو الأغطية البلاستيكية، ومع انخفاض درجات الحرارة ليلاً، تصبح الأجساد العارية من وسائل التدفئة في مواجهة مباشرة مع البرد القارس، ويقع العبء الأكبر على الأطفال وكبار السن، الذين تزداد احتمالات تعرضهم لمضاعفات صحية في ظل غياب الدعم الطبي والغذائي الكافي.
وتتسم الأزمة هذا العام بخصوصية إضافية، إذ إن أنماط النزوح خلال العامين الماضيين كانت تتجه غالباً نحو مناطق الجنوب والشرق، إلى مدن القضارف والدمازين وسنار وهي ذات مناخ استوائي مداري في "السافانا الغنية"، غير أن التطورات الأخيرة، بما في ذلك موجات العنف في شمال دارفور، دفعت آلاف الأسر إلى النزوح نحو منطقة الدبة في الولاية الشمالية، الواقعة على ضفاف النيل، وهي منطقة ذات مناخ صحراوي شديد الجفاف. في هذه البيئة، تتباين درجات الحرارة بشكل حاد بين النهار والليل، ويشتد البرد الجاف شتاء، مع رياح تزيد الإحساس بالقسوة وتعمق معاناة من يعيشون في العراء، ومع تزايد أعداد العائلات الضعيفة التي تقيم في مراكز إيواء تفتقر إلى التدفئة، تبرز الحاجة العاجلة إلى تدخل إنساني سريع يضع حماية الأرواح في مقدمة الأولويات، قبل أن تتحول برودة الشتاء إلى تهديد مباشر للحياة.
مزيج قاتل
كشفت مفوضية العون الإنساني بالولاية الشمالية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي عن وجود نحو 57 ألف نازح من ولايات دارفور وكردفان، يتوزعون بين معسكر العفاض ومدينة الدبة، ويواجهون أوضاعاً إنسانية توصف ببالغة القسوة. وأوضحت المفوضية، بحسب ما نقلته وكالة السودان للأنباء (سونا)، أن من بين هؤلاء النازحين مصابون بجروح وكسور جراء القصف، إضافة إلى أعداد كبيرة من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد والمتوسط، في ظل نقص حاد في الغذاء والخدمات الصحية. وذكرت أن نحو 50 ألف نازح قدموا من مدينة الفاشر، من بينهم 32 ألف شخص وصلوا إلى الدبة عقب سيطرة قوات "الدعم السريع" على المدينة في الـ 26 من أكتوبر (تشرين الأول)، بعد حصار استمر أكثر من 500 يوم، خلف أوضاعاً إنسانية كارثية.
من جانبها، تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن السودان يشهد واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، مع وجود ملايين النازحين داخلياً، كثير منهم يعيشون في مواقع إيواء تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة. وفي تقارير سابقة، حذرت المفوضية من أن فصل الشتاء يمثل خطراً مضاعفاً على النازحين في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، حيث تؤدي درجات الحرارة المنخفضة ليلاً، إلى جانب ضعف المأوى، إلى ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن.
من جانبها، أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن الأطفال النازحين في السودان يواجهون مزيجاً قاتلاً من البرد وسوء التغذية ونقص الرعاية الصحية، مشيرة إلى أن البرد القارس يمكن أن يكون مميتاً للأطفال الذين يعانون من الهزال، إذ تضعف قدرتهم على تنظيم حرارة أجسادهم، كذلك حذرت المنظمة من أن نقص الأغطية والملابس الشتوية والوقود يضاعف من الأخطار خلال أشهر الشتاء.
أما مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فقد أشار في إحاطاته الأخيرة إلى أن معسكرات النزوح في شمال السودان تعاني من اكتظاظ شديد، وانعدام خدمات الصرف الصحي، وشح المياه النظيفة، ما يزيد من احتمالات تفشي الأمراض، وفي ظل تقليص العديد من المنظمات الإنسانية لعملياتها بسبب انعدام الأمن ونقص التمويل، تتفاقم معاناة النازحين، ليصبح الشتاء ليس مجرد فصل عابر، بل اختباراً قاسياً لقدرتهم على البقاء، وامتحاناً أخلاقياً للمجتمع الدولي في الاستجابة لحماية الفئات الأشد ضعفاً.
شتاء استثنائي
تشير إفادات مختصين ومسؤولين في قطاع الأرصاد إلى أن الولاية الشمالية تمر هذا العام بموسم شتوي يُعد من بين الأشد قسوة خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في المناطق المفتوحة مثل مدينة الدبة ومحيطها، حيث يتقاطع المناخ الصحراوي مع هشاشة أوضاع الإيواء، وتؤكد المختصة في الأرصاد الجوية نضال محمود أن الولاية الشمالية تسجل تقليدياً أدنى معدلات الحرارة في البلاد خلال فصل الشتاء، متقدمة على ولايات أخرى مثل شمال كردفان، نظراً لطبيعتها الصحراوية وبعدها عن المؤثرات البحرية والرطبة.
وتوضح محمود أن درجات الحرارة الليلية في الدبة خلال النصف الثاني من ديسمبر (كانون الأول) تنخفض إلى حدود تتراوح بين 10 و11 درجة مئوية، وقد تقل عن ذلك في بعض الليالي، وهو مستوى يُعد خطراً في ظل غياب الأغطية اللازمة والملابس الشتوية داخل معسكرات النزوح، وتشير إلى أن البرودة الجافة، وهي السمة الغالبة لمناخ المنطقة، تزيد الإحساس القاسي بالبرد مقارنة بالمناطق الرطبة، حيث يفقد الجسم حرارته بشكل أسرع.
وتتوافق هذه التقديرات مع بيانات صادرة عن منصات رصد مناخية دولية، أظهرت أن شمال السودان يشهد خلال ديسمبر انخفاضاً حاداً في درجات الحرارة الصغرى ليلاً، مع استقرار نسبي في درجات الحرارة نهاراً، ما يخلق تفاوتاً حرارياً كبيراً خلال 24 ساعة، هذا التفاوت، وفق خبراء الصحة العامة، يمثل عاملاً إضافياً يرفع معدلات الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي وأمراض الصدر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي هذا السياق، حذر مسؤولون محليون في الولاية الشمالية، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام رسمية، من أن موجات البرد الحالية تفوق قدرة مراكز الإيواء الموقتة على التحمل، في ظل اعتمادها على خيام خفيفة، كذلك أشاروا إلى أن الرياح الشمالية النشطة خلال هذه الفترة من العام تزيد من قسوة الطقس، وقد تترافق أحياناً مع إثارة الغبار أو انخفاض الرؤية، ما يعقد وصول أي دعم أو مساعدات إنسانية.
ولا يستبعد متخصصون أن تشهد مناطق أقصى شمال البلاد، مثل وادي حلفا وعبري، درجات حرارة تقترب من الصفر المئوي خلال ساعات الليل المتأخرة، مع احتمال تجمد المياه في الأوعية المكشوفة، ويعكس ذلك، بحسب تقديرات خبراء الأرصاد، موسماً شتوياً استثنائياً في شدته، تتحول فيه البرودة من ظاهرة طبيعية إلى عامل تهديد مباشر لحياة آلاف النازحين الذين يواجهون الشتاء بلا حماية كافية.
مشاركة المعاناة
في مراكز الإيواء الموقتة بمدينة الدبة ومعسكر العفاض، تتقاطع قصص النازحين التي رصدها ناشطون ومتطوعون، مطالبين بسرعة تقديم الدعم لهم، ومن ضمن ما ذكره النازحون القادمون من الفاشر ومحيطها في معاناتهم مع قسوة الشتاء، أنهم لم يكونوا مهيئين لها، تقول خديجة آدم (42 سنة) وهي نازحة من حي أولاد الريف في مدينة الفاشر "هربنا من القصف بعد أن فقدنا كل شيء وكدنا نفقد أرواحنا، لكن البرد هنا قاس، والليل طويل، أطفالي يستيقظون وهم يرتجفون من البرد والجوع، ولا نملك سوى بطانية واحدة، والخيمة لا تقي من الرياح، والماء، إن وُجد، فهو باردٌ ويزيد المرض".
أما عبدالله محمد (55 سنة) والقادم من منطقة شقرة شمال الفاشر، فيصف الرحلة إلى الدبة بأنها "هروب من الموت إلى امتحان آخر". ويقول "عشنا الحصار في الفاشر لأشهر، كنا نقتات على القليل، عندما وصلنا إلى هنا، وجدنا مكاناً ننام فيه، لكن الشتاء جعل النوم نفسه معاناة، بعض أقاربي يشتكون من آلام الصدر، وبعضهم يسعل طوال الليل".
من جهتها، تحكي آمنة إسحق (30 سنة)، نازحة من قرية أبوجا القريبة من الفاشر، عن أثر البرد على الأطفال "ابني الصغير كان يعاني من سوء التغذية منذ كنا بدارفور، الآن، مع البرد، أصبح يمرض أكثر، لا توجد ملابس شتوية كافية، ولا حطب للتدفئة"، وتؤكد أن كثيراً من الأمهات في مركز الإيواء يشاركن المعاناة ذاتها.
وتشير إفادات نازحين آخرين من مناطق مثل طويلة، وكتم، وأم كدادة، إلى أن أغلب الوافدين إلى الدبة والعفاض هم من الفاشر أو القرى المحيطة بها، وهو ما يتطابق مع بيانات مفوضية العون الإنساني التي أكدت أن الغالبية قدموا من شمال دارفور عقب تدهور الأوضاع الأمنية، ومع انخفاض درجات الحرارة ليلاً، وغياب وسائل التدفئة، تتحول مراكز الإيواء إلى فضاءات مكشوفة للبرد.
وضع حرج
مسؤولون وناشطون إنسانيون يجمعون على أن هذا الشتاء مختلف عن سابقاته، ليس فقط بسبب التوقعات بموجات برد أشد، بل لأن البنية الصحية والخدمية التي كان يمكن أن توفرها المساعدات الدولية، لم تعد قائمة أو تعمل بحدودها الدنيا. وصفت الناشطة الطوعية إيمان عزالدين، التي تعمل ضمن متطوعين في مركز النزوح بالدبة، الوضع داخل مراكز الإيواء بأنه "حرج ويحتاج إلى تدخل عاجل خلال أيام لا أسابيع".
وأوضحت عزالدين أن الحاجات العاجلة تشمل توفير مياه شرب آمنة بصورة يومية عبر تناكر وخزانات موقتة، وإنشاء مراحيض طارئة، إلى جانب سلال غذائية كافية، ومواد إيواء أساسية مثل البطانيات والفرش، وبحسب إفادتها، يضم مركز العفاض وحده نحو 6500 نازح، يمثلون قرابة 1300 أسرة، بينهم 75 شخصاً من ذوي الإعاقة، إضافة إلى مئات الأطفال والنساء الحوامل، في ظل نقص حاد في الخدمات.
وتشير المتطوعة إلى وجود تدخلات جزئية، مثل نصب نحو 600 خيمة، وتشغيل مطبخين جماعيين بدعم من مبادرات مجتمعية ومنظمات محلية، إلا أن هذه الجهود "لا تغطي سوى جزء محدود من الحاجات الفعلية"، هذا التقييم يتقاطع مع إفادات عضو لجان المقاومة خالد سيد أحمد، الذي حذّر من أخطار الشتاء على الفئات الأكثر هشاشة، مؤكداً أن النقص الحاد في البطاطين والملابس الشتوية يمثل التحدي الأبرز حالياً، وقد رُصدت بالفعل حالات إصابة بنزلات برد حادة.
في المقابل، برزت مظاهر تضامن مجتمعي واسعة من سكان الولاية الشمالية، عبر مبادرات أهلية ونفير شعبي لتقديم وجبات غذائية ومساندة لوجستية، في وقت أسهمت مفوضية العون الإنساني والهلال الأحمر السوداني ومنظمة قطر الخيرية في توفير مواد غذائية وكفالة آلاف النازحين، غير أن هذه الجهود، بحسب أطباء متطوعين، لا تعالج الضغط المتزايد على الخدمات الصحية. ويقول الطبيب طه جبريل إن التهابات الجهاز التنفسي شائعة، وأن المصابين بالأمراض المزمنة حُرموا من أدويتهم منذ أسابيع، فيما لم يتلق كثير من الأطفال أي تطعيمات منذ سنوات.
هذه الصورة المحلية تعززها تحذيرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي أكدت أن ملايين النازحين حول العالم، بينهم السودانيون، يواجهون شتاءً قاسياً بمساعدات أقل بسبب نقص التمويل، وفي ظل هذا الواقع، تبدو التدخلات الحالية، على أهميتها، غير كافية ما لم تُدعم بتحرك عاجل ومنسق يضع الشتاء في صدارة الأولويات، قبل أن يتحول البرد إلى عامل قتل صامت في معسكرات النزوح.