Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تبحث دول البلطيق في تفكيك خطوط السكك الحديد مع روسيا؟

منذ المراحل التي سبقت الغزو الشامل لأوكرانيا شكلت السكك الحديد ركيزة أساسية في الاستراتيجية العسكرية الروسية

مركبات مدرعة روسية تنقل عبر السكك الحديد قرب الحدود الروسية - الأوكرانية (أ ب)

ملخص

دول البلطيق تبحث تفكيك خطوط السكك الحديد مع روسيا ضمن استراتيجية دفاعية لمواجهة أي غزو محتمل، بعدما أثبتت هذه الشبكات أهميتها في الحرب الأوكرانية، فيما يبرز مشروع "ريل بالتيكا" كخيار لتعزيز التكامل الأوروبي وفك الارتباط البنيوي مع موسكو على رغم التحديات الاقتصادية والتمويلية.

منذ ما قبل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، شكّلت السكك الحديد ركيزة أساسية في الاستراتيجية العسكرية لموسكو، إذ اعتمدت عليها لنقل القوات والمعدات الثقيلة بسرعة عبر الحدود. اليوم، ومع تصاعد المخاوف من أي اعتداء محتمل، تبحث دول البلطيق عن إجراءات دفاعية غير تقليدية، أبرزها تفكيك خطوط السكك الحديد المتاخمة لروسيا وبيلاروس، في إطار ما يعرف بـ"استراتيجية مكافحة سهولة الحركة" Anti-Mobility، التي تهدف إلى إبطاء أي تقدم عسكري معاد.

هذا النقاش يأتي ضمن سلسلة خطوات اتخذتها دول البلطيق لتعزيز أمنها، من تشديد الدفاعات على الحدود الشرقية، إلى تقليص العلاقات التجارية، وقطع شبكات الطاقة المشتركة. ويستند الطرح إلى حقيقة أن هذه الدول ورثت شبكة سكك حديد من الحقبة القيصرية الروسية، تعتمد المقياس الروسي العريض (1524 ملم)، مقابل المعيار الأوروبي (1435 ملم)، مما يجعلها عرضة للاستخدام العسكري الروسي في حال اندلاع نزاع.

وسبق أن أعلنت فنلندا هي الأخرى، في مايو (أيار) الماضي عن نيتها تحويل شبكة السكك الحديد الوطنية من القياس الروسي إلى الأوروبي في "خطوة تاريخية تهدف إلى تعزيز التكامل مع البنى التحتية الأوروبية وتحسين الأمن القومي والتنقل العسكري".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فمن أين نشأ هذا الفارق الغريب؟ ولماذا لم يعتمد العالم على معيار موحد لتسهيل النقل؟

قصة انقسام العالم إلى شرق وغرب

كانت بريطانيا أول دولة تشهد ظهور القطارات وشبكات السكك الحديد في النصف الأول من القرن الـ19. في تلك الفترة، انتشرت مقاييس مختلفة بحسب الشركات والمجمعات الصناعية التي شيدتها. لكن المشهد بدأ يتغير مع ابتكار جورج ستيفنسون لقاطرة أثبتت نجاحها واعتمدت على مقياس 1435 ملم، وهو ما عرف لاحقاً بالمقياس القياسي البريطاني، وانطلق أول قطار بهذا المقياس بين مانشستر وليفربول عام 1830.

مع ذلك، لم يكن هذا التوحيد نهائياً، إذ استمرت بعض الشركات الكبرى في بريطانيا ببناء سكك أوسع حتى أواخر القرن الـ19، على رغم انتشار المقياس القياسي البريطاني في القارة الأوروبية.

من جهتها، عندما قررت الحكومة القيصرية في روسيا عام 1842 تشييد أول خط سكة حديد رئيس بين سانت بطرسبورغ وموسكو، لم يكن هناك معيار عالمي موحد بعد، ففضل مخططو السكك الحديد الروس المقياس العريض (1524 ملم) لضمان الاستقرار عند السرعات العالية.

وهكذا، يمكن القول إنه عندما افتتح خط السكة الحديد من سانت بطرسبورغ إلى موسكو عام 1851، كانت بذور الفرقة بين الشرق والغرب قد زرعت، بسبب العائق التقني الذي ظهر أمام حركة النقل والتكامل الاقتصادي الروسي والأوروبي.

لاحقاً، ظهرت روايات شعبية تزعم أن روسيا اختارت المقياس المختلف لحماية نفسها من الغزو، لكن هذه النظرية لا تصمد أمام الحقائق، إذ لم يمنع ذلك الغزوات اللاحقة، ولو كان المنطق صحيحاً لامتلكت كل إمبراطورية في أوروبا مقياساً خاصاً بها نظراً إلى تاريخ الحروب الدموية في القارة.

في كل الأحوال، انتشر المقياس الروسي على كامل أراضي سيطرة الإمبراطورية، بما فيها دول البلطيق وفنلندا وحتى منغوليا، فيما ساد المقياس البريطاني النموذجي على مجمل أنحاء القارة الأوروبية ما عدا إيرلندا وشبه الجزيرة الإيبيرية.

كيف استخدمت روسيا السكة في حربها مع أوكرانيا؟

منذ المراحل التي سبقت الغزو الشامل لأوكرانيا، شكّلت السكك الحديد ركيزة أساسية في الاستراتيجية العسكرية الروسية. ففي عام 2021، ومع تصاعد الحشود على الحدود الأوكرانية، رصدت تحركات غير مسبوقة لوحدات ومعدات عسكرية نقلت بالقطارات من المناطق العسكرية الشرقية والوسطى إلى غرب روسيا، ثم إلى المنطقتين الغربية والجنوبية، بما في ذلك شبه جزيرة القرم. ووصفت مراكز بحثية غربية هذه التحركات بأنها الأكبر من نوعها في تاريخ الجيش الروسي من جهة الحجم وعدم الانتظام، مما مهد عملياً لشن الغزو.

تاريخياً، اعتمدت روسيا القيصرية وبعدها الاتحاد السوفياتي، على النقل بالسكك الحديد كعمود فقري للإمداد العسكري، وهو نمط استمر في حرب أوكرانيا. فقد أدت القطارات وقوات السكك الحديد المتخصصة دوراً محورياً في نقل الجنود والمعدات الثقيلة والذخيرة، إضافة إلى حماية الخطوط الحيوية وإصلاحها. غير أن هذا الاعتماد جعل البنية التحتية للسكك هدفاً مباشراً للهجمات، سواء عبر الضربات الجوية أو التخريب.

مع الأيام الأولى للغزو، أعلنت شركة السكك الحديد الأوكرانية تفجير جميع خطوط الربط مع روسيا، في محاولة لقطع الإمدادات. وعلى رغم ذلك، احتفظت موسكو بإمكان استخدام الخطوط المؤدية من الأراضي الروسية إلى المناطق التي تسيطر عليها في دونيتسك ولوغانسك. وفي مارس (آذار) 2022، أدى تخريب واسع النطاق إلى قطع خطوط السكة بين بيلاروس وأوكرانيا، مما ضيق الخناق أكثر على عمليات لنقل العسكري الروسي.

لاحقاً خلال الحرب، برزت أهمية السيطرة على مراكز السكك الحديد اللوجيستية. ففي سبتمبر (أيلول) 2022، تمكّنت القوات الأوكرانية من قلب موازين المعركة في منطقة خاركيف بعد استعادة مدينة كوبيانسك، التي كانت تمثل المركز الرئيس والوحيد للسكك الحديد التي تمد الجبهة الروسية في شمال شرقي أوكرانيا. هذا التطور مهد لاستعادة مدينة إيزيوم، التي كانت مركز إمداد لوجيستي رئيس للقوات الروسية، وأدى إلى قطع الإمدادات عن آلاف الجنود الروس على واحدة من أكثر الجبهات اشتعالاً.

على ماذا تقتصر حركة السكة الحديد الآن بين روسيا ودول البلطيق؟

تشهد دول البلطيق تراجعاً حاداً في حركة البضائع القادمة من روسيا وبيلاروس عبر السكك الحديد منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا وفرض العقوبات الأوروبية على موسكو ومينسك. ففي لاتفيا، التي تعد مركز العبور الأساس نحو ميناء ريغا، بلغ حجم البضائع المنقولة عام 2023 نحو مليوني طن، مقارنة بـ1.8 مليون طن في 2022، لكن هذه الأرقام تبقى بعيدة جداً عن مستويات ما قبل الحرب، إذ نقلت السكك الحديد اللاتفية 41.5 مليون طن عام 2019 قبل أن تتراجع إلى 24.1 مليون طن في 2020 بسبب الجائحة، ثم إلى 21.9 مليون طن في 2021.

وتظهر البيانات أن الشحنات الروسية إلى إستونيا ولاتفيا وليتوانيا انخفضت بصورة كبيرة، وتراجعت حصتها من قرابة النصف عام 2023 إلى نحو الربع حالياً، فيما أصبحت البضائع القادمة من الصين وآسيا الوسطى تشكل الجزء الأكبر من الحركة المتبقية.

ولا توجد حركة ركاب بين روسيا ودول البلطيق إذ توقفت عقب الجائحة ولم تستأنف بسبب اندلاع الحرب. ولكن هناك خط قطار روسي وحيد للركاب يستخدم الأراضي الليتوانية كمنطقة عبور ما بين الأراضي الروسية الأم والجيب الروسي كالننغراد ولكنه لم يعد يتوقف في مدن ليتوانية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

مشروع "ريل بالتيكا"

يهدف مشروع خط السكة البلطيقي أو "ريل بالتيكا" إلى إنشاء خط مواصلات حديث بقياس السكك الأوروبي (1435 مم) يصل عواصم دول البلطيق بعضها ببعض وبوارسو جنوباً مع مخطط لبناء نفق بحري بين العاصمة الإستونية تالين والعاصمة الفنلندية هلسنكي. وعلى رغم أن المشروع أعلن عنه منذ أكثر من 10 أعوام فإنه يواجه عراقيل كثيرة، أهمها في التمويل، مما أدى إلى تأخيرات كبيرة في موعد إطلاقه الذي لن يجري، بحسب التقديرات الحالية، قبل عام 2030.

ويكتسب المشروع أهمية دفاعية عسكرية متزايدة، لأنها تعالج إحدى أضعف حلقات أمن دول البلطيق تاريخياً: الاعتماد على مقياس السكة الروسي والبنية التحتية الموروثة من الحقبة السوفياتية. ويمكن تلخيص أهميتها العسكرية في عدة مستويات مترابطة.

أولاً: تعزيز التكامل الدفاعي الأوروبي عبر تسهيل حركة قوات "الناتو" بسرعة وكفاءة، إذ يتيح المقياس الأوروبي نقل القوات والمعدات الثقيلة من ألمانيا وبولندا مباشرة إلى دول البلطيق من دون تبديل العربات أو إعادة تحميل، مما يقلص الزمن اللوجيستي من أيام إلى ساعات، وهو عامل حاسم في أي سيناريو ردع أو دفاع مبكر.

ثانياً، فك الارتباط البنيوي مع روسيا والمتمثل بمقياس السكة، وهو ما يشكل ثغرة أمنية محتملة في حال حدوث نزاع، سواء عبر التخريب أو الاستخدام المعاكس. المشروع يعيد توجيه البنية التحتية نحو الفضاء الأوروبي بدلاً من روسيا.

ثالثا، وجود خط سكة حديث مصمم في الوقت ذاته لتحمل نقل المعدات العسكرية الثقيلة يبعث برسالة ردع واضحة، مفادها أن تعزيز القوات ليس فقط ممكناً نظرياً، بل جاهز عملياً. هذا يرفع كلفة أي مغامرة عسكرية محتملة ضد دول البلطيق.

لكن القرار النهائي في شأن تفكيك السكك لم يتخذ بعد، إذ ينتظر توصيات الأجهزة الأمنية ودراسة التبعات الاقتصادية لقطع هذا الشريان التجاري مع الشرق، في وقت تتراجع فيه بالفعل حركة البضائع الروسية عبر هذه الخطوط إلى مستويات غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل