ملخص
في الخلاصة، من المؤكد أن شعوب العالم المحتفلة بـ"الكريسماس"، تمضي غالب الوقت في طريق بسط عباءتها الثقافية والفكرية على "الكريسماس"، كل بطريقته وأريحيته، أسلوبه ومنهجه، مأكولاته ومهرجاناته، لكن يبقى الجامع، كونها أيام فرح ومسرة حيث "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة".
إنه "الكريسماس"، زمن الاحتفالات والمهرجانات، تلك التي حاولت درء صقيع أوروبا وأميركا، بدفء لم الشمل وتبادل الهدايا، وتغيير أنماط الحياة الرهيبة، ليتحول المشهد من طقس ديني ليتورجي، إلى فولكلور شعبي طاغٍ. يحل "الكريسماس" فتظهر ثقافات الشعوب، وكل منها له طابعه الاحتفالي الخاص، ليجعل منه العطلة المميزة، وفي مقدم ملامحها ومعالمها، الأطباق المميزة أو الحلويات التي لا تظهر إلا مرة واحدة في السنة. في "الكريسماس" يقدم الناس الهدايا بعضهم لبعض، ما يجعل للعيد نكهة خاصة، ويقيمون المهرجانات الموسيقية والحفلات الخاصة، في محاولة لرفع عناء عام كامل من العمل الدؤوب والشاق، حيث الإجازة تمتد غالباً من الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر (كانون الأول) إلى الأسبوع الأول من شهر يناير (كانون الثاني). لكن الأسئلة من حول أصل عيد الميلاد، وحلقات احتفالاته، لا تزال تثور وتدور، ما بين الأسطورة والحقيقة، وبين التاريخ المثبت عند المؤرخين، وما ورد في الكتب السماوية، الأمر الذي يخلق مجالاً واسعاً من التفكير في ما هو أبعد من مجرد اللهو والمتعة على أهميتهما في هذا الزمان.
في هذه القراءة نحاول تقديم رؤية تحفل بكثير مما هو غير معلوم عن "الكريسماس"، تلك الكلمة ذاتها التي ترجع إلى اللغة المصرية القديمة، قبل أن تذهب إلى قاموس اللغات العالمية دفعة واحدة.
في إشكالية تاريخ "الكريسماس" أولاً
تكثر الروايات حول الجذور التاريخية ليوم 25 ديسمبر، إذ يعتقد معظم المؤرخين، وفيهم نسبة كبرى من المسيحيين أنفسهم، أن أصل عيد الميلاد هو الأعياد الوثنية التي كانت مخصصة لعبادة إله الشمس "سول إنفكتوس"، أو إله زحل "ساتورناليا"، أو إله الشمس الفارسي الذي تبناه الرومان "ميثرا".
أكاديمياً تعرف هذه النظرية بنظرية الأديان التاريخية، وتشير هذه النظرية إلى أن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بدأت الاحتفالات بعيد الميلاد في عام 336 لتحل محل الاحتفالات الوثنية، غير أن العديد من المخطوطات والنظريات القديمة تشير إلى أن الاحتفالات الأصلية بعيد الميلاد بدأت حتى قبل عام 336. فهناك بعض المصادر من عام 200 ضمناً، وبشكل صريح، تقطع بأن يوم 25 ديسمبر قد تم تحديده كتاريخ ميلاد السيد المسيح.
على سبيل المثال، ذكر عالم اللاهوت البارز في الكنيسة الكاثوليكية هيبوليتوس (170-235) في كتابه الشهير "تعليق على سفر دانيال" الذي كتبه عام 204، أن يسوع ولد في بيت لحم، في حدود 25 ديسمبر، بحسب التقويم اليولياني، وهو تقويم شمسي قدمه يوليوس قيصر عام 46 قبل الميلاد. غير أن هناك روايات أخرى للتاريخ، منها ما هو موصول بالتقاليد اليهودية، إذ يتزامن تاريخ الحمل بالشخص المقدس مع تاريخ وفاته، ولهذا اعتقد المسيحيون الأوائل أن 25 مارس (آذار) هو تاريخ صلب المسيح بحسب المفهوم الإيماني المسيحي. وبناء على هذا الافتراض اللاهوتي، يُظهر الحساب أن حمل يسوع حدث أيضاً في 25 مارس، ما يعني أن المسيح ولد بعد 9 أشهر بالضبط، أو في 15 ديسمبر. ويعرف هذا الحساب القائم على فكر لاهوتي باسم نظرية الحساب، ما يعني أن موعد "الكريسماس" لم يكن مرتبطاً منذ البداية بتاريخ آلهة وثنية للشمس أو غيرها.
في أصل الاحتفالات بأعياد "الكريسماس"
هل من كتب ووثائق قديمة يمكن الرجوع إليها في بحثنا عن أصل عيد الميلاد والاحتفالات التي كانت تجرى من حوله؟
مؤكد أن هناك ثلاث مخطوطات وجدت قبل عام 330 وهي بالترتيب: كتاب الرسل، كتاب البابوية، ورسالة ثيوفيلوس، والتي تقدم نصوصاً عن الحياة الرعوية للمسيحيين الأوائل، واحتفالاتهم الدينية، وأسماء البابوات.
في كتاب الرسل، أو الدسقولية، والذي يروي حياة الحواريين الأوائل، ويعود تاريخه إلى عام 250 ميلادية، يذكر النص الاحتفال بمولد السيد المسيح، ثم بعيد الغطاس، ثم بزيارة المجوس الثلاثة إلى مدينة بيت لحم.
ويشير كتاب Liber Pontificals الذي يتضمن سيرة ذاتية مختصرة للبابوات، إلى أن الاحتفال بعيد الميلاد، يعود إلى القرن الثاني الميلادي، ويكشف النص أن البابا تيلسفورس (125-136) هو من أمر بالاحتفال بعيد ميلاد المسيح وإن لم يذكر النص تاريخ الاحتفال على وجه التحديد، لكن في كل الأحوال يثبت الكتاب أن الاحتفال بمولد المسيح أقدم مما كنا نعرف.
أما رسالة ثيوفيلوس، فتذكر يوم 25 ديسمبر كتاريخ للاحتفال بميلاد المسيح، ويشير النص إلى أن الاحتفال كان قبل عام 196 ميلادية، لذا يرجح أن يكون عيد الميلاد قد احتفل به قبل ذلك. على أن وثائق الإمبراطورية الرومانية ربما يكون لها دعم وسند لفكرة 25 ديسمبر بنوع خاص، وهو ما يورده المؤرخ الكاثوليكي الأب فرانسيس إكس وايزر (نمساوي الأصل فرّ في زمن النازية إلى الولايات المتحدة) في مؤلفه العمدة "دليل الأعياد والعادات المسيحية".
عند وايزر أنه لم يُسلم أي سبب رسمي في الوثائق الكنسية لاختيار هذا التاريخ. ونتيجة لذلك، "قُدمت تفسيرات مختلفة لتبرير الاحتفال بميلاد الرب في هذا اليوم تحديداً" على حد تعبيره.
في كتابه يشير إلى أن بعض الآباء والكتاب الأوائل رأوا أن 25 ديسمبر هو التاريخ الفعلي لميلاد المسيح، وأن السلطات في روما أثبتت هذه الحقيقة من السجلات الرسمية للتعداد الروماني الذي أجري وقت ميلاد المخلص. هذا الرأي تبناه القديس يوحنا الذهبي الفم، واستخدمه للدفع في اتجاه اعتماد التاريخ الروماني في الكنيسة الشرقية. إلا أنه أخطأ، إذ لم يدّعِ أحد في روما قط وجود سجلات تعداد الوالي الروماني كيرينوس هناك في القرن الرابع، ناهيك عن تسجيل عيد ميلاد المسيح في القوائم بالواقع، ولهذا يبقى تاريخ مولد المسيح غير معروف، لا سيما في ظل تقاليد مختلفة سادت أجزاء مختلفة من العالم عبر قرابة 2000 عام.
لكن وفي كل الأحوال، سرعان ما أصبح عيد الميلاد أو "الكريسماس"، عيداً بالغ الأهمية، حتى أنه أصبح يمثل بداية السنة الكنسية منذ القرن الخامس الميلادي. وبعد القرن الـ 10 الميلادي، أصبح موسم الميلاد جزءاً لا يتجزأ من دورة عيد الميلاد.
كيف انتشرت الاحتفالات في أوروبا
بحسب المؤرخ فرنسيس وايزر، كان الرواد الدينيون العظماء الذين نقلوا المسيحية إلى القبائل الوثنية في أوروبا هم من أدخلوا الاحتفال بعيد الميلاد، فقد وصل إلى إيرلندا القديس باتريك عام 461 ميلادية، وإلى إنجلترا عن طريق القديس أوغسطينوس من كانتربري عام 604، ومن ثم إلى بقية بلدان أوروبا بواسطة وعاظ ودعاة آخرين، وكان معظم هؤلاء أول أساقفة للبلدان التي اعتنقوا فيها المسيحية، لذلك أسسوا ونظموا الاحتفالات بالميلاد في الدول حديثة الإيمان. وبحلول عام 1100 تقريباً، كانت كل دول أوروبا قد اعتنقت المسيحية، واحتقل بعيد الميلاد في كل مكان بتفانٍ وفرح كبيرين. تاليا شهدت الفترة الممتدة من القرن الـ 12 إلى القرن الـ 16 ذروة الاحتفالات المسيحية بعيد الميلاد. ليس فقط في الكنائس والأديرة بل في المنازل أيضاً، وكانت فترة من الشعائر الدينية الملهمة والمبهجة، فقد كتبت الترانيم ومسرحيات عيد الميلاد. وفي هذه الفترة أيضاً، ظهر معظم عادات عيد الميلاد المبهجة في كل بلد، بعضها اندثر منذ ذلك الحين، بينما تغير بعضها الآخر قليلاً على مرّ العصور، بينما نجا كثير منها حتى يومنا هذا، وتم قمع بعض الممارسات التي اعتبرت غير لائقة بالحدث الروحي الكبير.
هل كان زمن ما عرف بالإصلاح الديني في منتصف القرن الـ 16 نقطة محورية في تغير الاهتمام بأعياد الميلاد؟
الشاهد أن ذلك كذلك، فقد طرأ تغيير جذري على احتفالات الميلاد في العديد من دول أوروبا، حيث ألغي طقس القداس، واختفى القربان المقدس، واللذان هما جوهر الحياة المسيحية التقليدية، عطفاً على غياب طقوس الفرض الإلهي، والطقوس الدينية الأخرى، وكذلك اختفت المواكب الزاهية والملهمة، وتبجيل السيدة العذراء مريم والقديسين في العديد من الدول الأوروبية، ولم يتبقَّ من هذا العيد الغني والمجيد إلا عظة وصلاة في يوم العيد، وعلى رغم أن الناس حافظوا على العديد من عاداتهم، إلا أن الإلهام الديني العميق كان غائباً، وبالتالي تحول عيد الميلاد "الجديد" أكثر فأكثر إلى وليمة من الاحتفالات الدنيوية لا الدينية .
الليلة المقدسة وحديث الفلكلور والأساطير
ولأن البشر يغرقون دائماً في المخيال، فقد كان ولا بد لليلة عيد الميلاد من أن تعرف بدورها طريقها إلى عالم الأساطير تارة والفلكلور تارة أخرى. من هنا عرفت ليلة الـ 24 والـ 25 من ديسمبر بقداستها منذ القدم، وأطلق عليها "الليلة المقدسة"، وقد نسبت تقاليد العصور الوسطى إلى هذه الليلة أجواء مقدسة وغامضة من الاحتفال والخبر العجيب، فقد كان يعتقد أن روح السلام والعبادة تسود العالم أجمع في تلك الأمسية، وصورت الطبيعة وهي تشارك في هذا الاحتفال البهيج، ولا يزال العديد من هذه الأساطير حية حتى اليوم، بل تشكل جزءاً ساحراً من تراث عيد الميلاد.
من ضمن المرويات أن الماشية في الإسطبل تجثو عند منتصف ليل عيد الميلاد، وكذلك الغزلان في الغابة. تستيقظ النحلات من نومها وتدندن سيمفونية رائعة من التسبيح للطفل الإلهي، لكن لا يسمعها إلا من يحبه الرب. تغني الطيور طوال ليلة عيد الميلاد، وتصبح أصواتها أكثر عذوبة وغناء، حتى العصافير تغني كطيور العندليب. في الشرق، هناك أسطورة تفيد بأن الأشجار والنباتات، بخاصة تلك التي على ضفاف نهر الأردن، تنحني إجلالاً لبيت لحم في ليلة الميلاد. تروي أساطير أخرى كيف تتحدث الحيوانات كالبشر عند منتصف الليل، ويبدو أن لغتها المفضلة هي اللاتينية. في مسرحية فرنسية قديمة، يصيح الديك بصوت حادChisti’s natus ist أي ولد المسيح، ويخور الثورUbi ، فيجيب الحمل في بيت لحم، وينهق الحمار Eamusf.
من أقدم الأساطير المسيحية القصة الساحرة التي رواها القديس غريغوريوس الثورسي عام 594، في كتابه "كتاب المعجزات"، عن بئر المجوس قرب بيت لحم، اعتاد أهل بيت لحم الذهاب إلى هناك خلال أسبوع عيد الميلاد، والانحناء فوق فوهة البئر، وتغطية أنفسهم وفتحتها ببطانية أو عباءات لحجب ضوء النهار. تالياً وفي ما هم يحدقون في البئر المظلمة، يبدو نجم بيت لحم، وفقاً لهذه الأسطورة التقية، يتحرك ببطء عبر الماء، ولكن فقط طاهري القلب هم من يرونه.
ألهمت أسطورة أخرى الاعتقاد السائد بأن قوة الأرواح الشريرة، والأشباح والسحرة، قد توقفت تماماً خلال موسم عيد الميلاد، فقد جعلهم الوجود الغامض للطفل المسيح عاجزين، فلا يمكن إلحاق الأذى بالبشر أو الحيوانات أو المنازل. وقد خلد شكسبير هذه الأسطورة بهذه الأبيات المألوفة من الفصل الأول، المشهد الأول من مسرحية "هاملت":
يقول البعض إنه مع حلول ذلك الموسم
الذي نحتفل فيه بميلاد مخلصنا
يغني طائر الفجر طوال الليل
ثم تقولون، لا تجرؤ أي روح على التحرك في الخارج
تصبح الليالي صحية، ثم لا تضرب الكواكب
ولا تتخذ الجنيات، ولا تمتلك أي ساحرة القدرة على السحر
فيصبح الوقت مقدساً وجميلاً للغاية.
لماذا تضاء الشموع في ليلة الميلاد؟
منذ القرون الأولى للمسيحية، كان من الممارسات الدينية تمثيل السيد المسيح بشمعة مشتعلة، وهي العادة التي لا تزال محفوظة في طقوس الكنيسة، مثل شمعة عيد الفصح. تبنى المؤمنون هذه الرمزية في القداس منذ زمن بعيد، ففي عيد الميلاد، كانت توضع شمعة كبيرة ترمز إلى الرب في المنازل عشية العيد، وتبقى مشتعلة طوال ليلة "الكريسماس"، ثم تضاء كل ليلة خلال الموسم المقدس. ولا تزال عادة شمعة عيد الميلاد قائمة بصورتها الأصلية في بعض البلدان. ففي إيرلندا، تُشعل الأم أو الأب شمعة كبيرة مزينة عشية "الكريسماس"، بينما تصلي الأسرة بأكملها من أجل جميع أحبائها، الأحياء منهم والأموات. أما بين الشعوب السلافية (البولنديون والأوكرانيون والروس) فتوضع شمعة عيد الميلاد الكبيرة على المائدة بعد أن يباركها الكاهن في الكنيسة، والأوكرانيون، بنوع خاص، لا يضعون الشموع في الشمعدانات، بل يثبتونها في رغيف خبز.
في العديد من مناطق أميركا الجنوبية، توضع الشمعة في فانوس ورقي، وتزين جوانبه رموز عيد الميلاد، وصور الميلاد، أما في إنجلترا وفرنسا فتوقد الشموع بشكل ثلاثي، وعادة ما توضع على النوافذ.
وفي زمن لم يكن فيه الفحم وأنواع الوقود الحديثة الأخرى معروفة، كان لحطب التدفئة المستخدم في ليلة الميلاد أهمية خاصة، فكان يُختار جذع ضخم ويحضر إلى المنزل في احتفال مهيب استعداداً للاحتفال. كان يسمى جذع عيد الميلاد أو جذع "بول"، وكان يحرق على الموقد المفتوح خلال موسم الأعياد. لاحقا أصبحت هذه العادة تقليداً في معظم الدول الأوروبية، بما في ذلك دول أميركا اللاتينية.
وعلى رغم وسائل التدفئة الحديثة، لا يزال حرق جذوع عيد الميلاد قائماً في العديد من المنازل كتقليد عريق وعزيز على قلوب الناس في عيد الميلاد. ويبقى أصله محل نزاع، إذ يرجعه بعض العلماء إلى عصور ما قبل المسيحية، عندما كانت القبائل الجرمانية تحرق جذوعاً خشبية كبيرة خلال موسم الأعياد، ومع ذلك لا يوجد دليل تاريخي على أن إعادة حرق جذوع عيد الميلاد كانت موجودة قبل القرن الـ 16.
وفي بعض الأماكن كان يتم اختيار جذع الشجرة في موعد سابق يسمى عيد الشموع، وتخزينه ليجف خلال فصل الصيف، ولاحقاً يتم الاحتفال من حوله، ولعل حديث جذوع الميلاد له علاقة بشجرة عيد الميلاد أو "البول" كما تسمى في العديد من الدول الأوروبية.
ومن القديم إلى الحديث ثمة تساؤل: "هل تغيرت روحانية الاحتفال بعيد الميلاد وتحول الكريسماس من مناسبة روحانية ذات عبق إيماني ووجداني إلى موسم تجارة رابح؟ ثم ماذا عن الشعوب الشرقية، هل هي بدروها تتماهى مع الشعوب الغربية في طريقة احتفالاتها بأعياد الميلاد؟
من روما الوثنية إلى المولات الأميركية
في قراءة للكاتب الأميركي ديف هولمان، نجد مقاربة بين عيد الميلاد في الولايات المتحدة، وكيف يتم الاحتفال به من جهة، وما كانت تجري به المقادير في روما عبر العصور الغابرة. ويقرّ هولمون بأن عيد الميلاد، كما يحتفل به في الولايات المتحدة، ليس أمراً من الله، وأنه لا يوجد في الكتاب المقدس ما يأمرنا بإحياء ذكرى ميلاد المسيح بأشجار أو أضواء أو هدايا. قراءة هولمون، تبدو مقاربة بين الروحانية والمادية، وبين حقيقة "سانتا كلوز" وواقع الحال التجارية والشركاتية الذي تعيشه الولايات المتحدة اليوم.
تعود شخصية "سانتا كلوز" في واقع الأمر إلى القديس نيقولاوس أسقف ميرا (تركيا حالياً) في القرن الرابع الميلادي، وقد اشتهر بكرمه وعنايته للفقراء ومعجزاته، وارتبط عيده في السادس من ديسمبر، بتقديم الهدايا، لا سيما في أوروبا للفقراء والمساكين والمعوزين. لكن مع مرور الوقت، امتزجت هذه التقاليد مع احتفالات عيد الميلاد، إذ جلب المستوطنون الهولنديون نموذج "سانتا" إلى أميركا.
وبحلول القرن الـ 19، أسهم كتاب مثل كليمنت كلارك مور، مؤلف رواية "الليلة قبل عيد الميلاد"، وفنانون مثل توماس ناست في تشكيل شخصية "سانتا كلوز"، الشخصية التي نعرفها اليوم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هل روما المسيحية القديمة تشبه أميركا اليوم؟
بالقطع لا، ففي روما القديمة، كان عيد الميلاد مناسبة مهيبة، ركزت الاحتفالات على مولد المسيح بقراءات من الكتاب المقدس وترانيم وعظات تأملية، واحتفل به العديد من المسيحيين بالصلاة والصوم والصدقات. ورمزت سهرات منتصف الليل إلى بزوغ نور المسيح في الظلام، كذلك كانت التجمعات بسيطة، وغالباً ما تعقد في كنائس منزلية، أو في بازيليكا عامة، بعد أن شرّع قسطنطين المسيحية مثل كنيسة القديس بطرس. لكن اليوم، يبدو عيد الميلاد في أميركا مختلفاً تماماً، فعلى رغم جذوره في التقاليد المسيحية، إلا أنه أصبح أقرب إلى "عيد ثقافي" يتميز بطابع الاستهلاك، والزينة المتقنة، والضغط المتزايد لخلق احتفال "مثالي". في الوقت عينه، أعيد تشكيل تقاليد مثل شجرة عيد الميلاد، التي استقدمت من ألمانيا وتبادل الهدايا، المتأثرة بالعادات الأوروبية، لتتحول إلى ممارسات أميركية بامتياز، وغالباً ما تشتت هذه التقاليد عن المعنى الأعمق الذي قد يحمله هذا العيد للمسيحيين.
على سبيل المثال، قد يحول التركيز الثقافي على "سانتا كلوز" الانتباه من الإيمان والرحمة إلى أمل في غير محله في "فاعل خير وهمي" من خلال أكاذيب أحد الوالدين، ومع ازدياد بذخ عيد الميلاد، فإننا نفقد بذلك بساطة وتواضع السيد المسيح، والذي تحكي القصة الإنجيلية أنه لم يجد له مكاناً في المنزل ليولد فيه، فولد في مذود يستخدمه رعاة أورشليم، في مدينة بيت لحم، الأمر الذي اتخذ في ما بعد المغارة، كرمز من رموز عيد الميلاد الشهيرة بجانب شجرة "الكريسماس".
هل في مثل هذه الآراء مراجعة ثقافوية لعادات خلطت الديني والروحي بالمادي والدنيوي؟
ربما يكون ذلك كذلك، لا سيما في ظل تساؤلات عميقة عن تهافت العولمة، وما جرته على العالم من أنساق استهلاكية بشرية، فرّغت المضمون الروحي من معناه ومبناه، ومن غير أدنى مقدرة على تقديم بديل فاعل ونافع في الحال أو الاستقبال. ولعل من بين الأسئلة ذات الطابع الشعبوي "هل يوجد لعيد الميلاد حضور في الشرق الآسيوي، لا سيما في ظل ما هو معروف عن مسيحية الغرب، ولو بشكل مجازي وليس حصري، لا سيما في زمن العولمة، حيث بات الجميع مختلطاً، أعراقا وأدياناً، قبائل وشعوباً؟
من اليابان إلى الصين مروراً بفيتنام
على رغم أن 1.1 في المئة فقط من سكان اليابان مسيحيون، وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية، فإن اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، احتفلت بعيد الميلاد على نطاق واسع، ويرجع ذلك جزئياً إلى الوجود العسكري الأميركي الكبير منذ ذلك الحين.
اليوم يعرف عيد الميلاد في البلاد بوجبته الشعبية الشهيرة "كنتاكي". ووفقاً لمجلة "سميثسونيان"، "بفضل الحملة التسويقية الناجحة" عام 1974، بدت سلسلة مطاعم "كنتاكي" الوحيدة التي تقدم وجبة متميزة في ذلك اليوم.
يقول أحد اليابانيين لوكالة "رويترز"، والذين زاروا "كنتاكي" نهار "الكريسماس" الماضي، إنني لا أستطيع الحصول على ديك رومي بكامله ولذلك ليس لدي خيار سوى الاحتفال بعيد الميلاد مع "كنتاكي فريد تشيكن".
هل هناك احتفال بعيد الميلاد في الجمهورية الصينية التي تعتبر معقلاً مناوئاً للحضور المسيحي بل للفكر الثقافي الغربي برمته؟
وفقاً لبيانات وزارة الخارجية الأميركية عينها، لا يوجد لدى معظم الصينيين انتماء ديني مسيحي إلا النذر اليسير. لكن هذه البيانات تناقض إحصاءات أخرى ترى أن هناك قرابة 100 مليون صيني مسيحي، وأن هناك نمواً متزايداً بين الصينيين لقبول المسيحية. لكن في كل الأحوال، لا توجد احتفالات رسمية بالميلاد في الصين، غير أن نسق العولمة ووسائط التواصل الاجتماعي، تركت ملمحاً ما منذ تسعينيات القرن الماضي على الصينيين .ويقول أميركي مقيم في الصين لصحيفة "غلوبال تايمز" الحكومية إنه بدءاً من عام 2015، يتم تسويق عيد الميلاد في الصين على أنه مهرجان غربي يشابه المهرجانات الأخرى التي تحرص الصين على تقديمها جلباً للمستثمرين والاستثمارات الغربية .
أما في فيتنام، فغالباً ما يكون احتفال ليلة عيد الميلاد أكبر من يوم الميلاد نفسه، حيث يتوافد كثيرون إلى مدينة "تشي منه"، أكبر مدن فيتنام. وتضم المدينة كاتدرائية يستمتع الناس بزيارتها والاستمتاع بالأضواء الاحتفالية وعروض عيد الميلاد في مركز المدينة.
أما الوضع في الفيليبين فيبدو مختلفاً تماماً، ذلك لأن غالبية سكانها من المسيحيين (93 في المئة) ولهذا تمتد مواسم أعياد الميلاد خلال ما يعرف بأشهر "بير"، سبتمبر (أيلول)، أكتوبر (تشرين الأول)، نوفمبر (تشرين الثاني)، ديسمبر، وهناك طقوس تمزج بين الرؤية الإيمانية والموقع الجغرافي وسط آسيا وعلى سواحل البحار والمحيطات، الأمر الذي يترك بصمة خاصة على المأكولات المقدمة هناك وبنوع خاص رقاقة عيد الميلاد المعروفة باسم "بارولس ".
أما بالنسبة لروسيا، فهي دولة مسيحية تاريخية عريقة، لكنها تحتفل بالميلاد في السابع من يناير، أي مع غالبية المسيحيين الشرقيين، وإن كانت الاحتفالات لا تختلف كثيراً عن نظيراتها في غالبية الدول الغربية من حيث المظهر لا سيما بعد سقوط الشيوعية.
في الخلاصة، من المؤكد أن شعوب العالم المحتفلة بـ"الكريسماس"، تمضي غالب الوقت في طريق بسط عباءتها الثقافية والفكرية على "الكريسماس"، كل بطريقته وأريحيته، أسلوبه ومنهجه، مأكولاته ومهرجاناته، لكن يبقى الجامع، كونها أيام فرح ومسرة حيث "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة".