ملخص
أكدت الحكومة أن مدينة عمرة عند اكتمالها لن تكون عاصمة جديدة ولا مدينة إدارية، وإنما الهدف منها مواكبة الحاجات السكانية المستقبلية في الأردن، خصوصاً في مدينتي عمان والزرقاء اللتين يتوقع أن يصل عدد السكان فيهما إلى 11 مليون نسمة خلال 25 عاماً.
مع تطور المشهد العمراني والديموغرافي في الأردن، تبرز خطوة الحكومة الأردنية بإقامة "المدينة الجديدة" كأحد أكثر المشاريع إثارة للجدل والتساؤلات.
فبينما تواصل عمان اتساعها غير المنضبط، وتكافح تحت وطأة اكتظاظ سكاني خانق وبنية تحتية منهكة وتمدد عمراني عشوائي يلتهم ما تبقى من مساحاتها الخضراء، تطرح الحكومة رؤية لمدينة حديثة تبنى من الصفر، بعدما أصبح الخروج من عمان المزدحمة خياراً لا مفر منه.
ويعتقد مراقبون أن عمان وصلت إلى "نقطة الإشباع" من التضاريس الجبلية الصعبة والهجرات القسرية المتتالية وسوء التخطيط المتراكم لعقود، بحيث تحولت شوارع العاصمة إلى مرآب كبير للسيارات، في حين يقول آخرون إن المدن الجديدة ليست أولوية، وإنه يجب أولاً إصلاح وإدارة النمو في المدن القائمة.
مخاوف وتساؤلات
لكن هذا المشروع الجديد الذي يحمل اسم "عمرة" لقربه من قصر "عمرة" الأثري والتاريخي في الصحراء، لم يسلم من المخاوف والتساؤلات، حول ما إذا كان موجهاً لمصلحة طبقة معينة من الأردنيين، أم إنه مشروع مدينة ذكية مستدامة لكل الأردنيين من دون استثناء.
ويقف الأردنيون مع هذه التساؤلات أمام مشروع من المفترض أن يعيد تشكيل العاصمة لعقود قادمة، بخاصة أنه يمتد على مدار أكثر من 20 عاماً من العمل المتواصل.
ويرى نقيب المهندسين الأردنيين عبدالله غوشة أن ثمة تحديات أمام المدينة الجديدة تتجاوز الأبعاد التخطيطية والاقتصادية والاجتماعية، كوجود المخططات المرنة والسيناريوهات التخطيطية المختلفة، بخاصة مع مدينة تكتمل بعد 50 عاماً في عالم متغير بسرعة كبيرة ما بين المدن الذكية والمستدامة والحاجات المستقبلية.
ويطالب غوشة ببداية العمل بمنتج عمراني قادم يتوافق مع الرؤيا المستقبلية لتخطيط في عديد من المناطق والأقاليم في الأردن لا العاصمة فقط.
وترى بعض الآراء أنه من الممكن أن تتحول المدينة الجديدة إلى مدينة نخبوية تخدم فئات ميسورة قادرة على دفع أسعار مرتفعة للسكن، بينما ستبقى الطبقات الفقيرة والمتوسطة تعيش في عمان أو الزرقاء ضاغطة على البنية التحتية.
ويشير مراقبون إلى تجارب سابقة فشلت كمدينة الشرق في الزرقاء، بينما يعتقد آخرون أن المشروع الجديد سيشكل ضغطاً على الخزانة وأن الأولويات الاقتصادية تكون أكثر فائدة لو استثمرت في تنمية المحافظات والبنى التحتية والصناعة والزراعة بدل بناء مدينة فخمة.
مشروع طبقي؟
بدوره يقول المتخصص الاقتصادي فهمي الكتوت، إن مشروع مدينة عمرة يأتي في لحظة مفصلية يشهد فيها الاقتصاد الأردني ضغوطاً غير مسبوقة، لذلك فإن المشروع الجديد يحتاج إلى رؤية اقتصادية واضحة أكثر من حاجته إلى الإبهار العمراني.
يعبر الكتوت عن مخاوفه كون المشروع يندرج ضمن سياق تزايد الاعتماد على الشراكات الاستثمارية والتمويل الخارجي، وهو نهج ارتبط تاريخياً بتراكم الدين العام وتراجع قدرة الدولة على تمويل البنى التحتية من مواردها الذاتية.
أما الخشية الأكبر لدى الكتوت فهي تحول المشروع إلى صفقات عقارية بدلاً من أن يكون مشروعاً تنموياً يعالج التشوهات الهيكلية في الاقتصاد، بدليل ارتفاع أسعار الأراضي في محيط المشروع منذ هذه اللحظة.
وأعرب عن اعتقاده أن المدينة الجديدة لن تسهم بحل أزمة السكن التي يواجهها الشباب ما لم تفرض سياسات إسكان ميسر وملزمة، تمنع تحويلها إلى حيز استثماري مخصص للطبقات المقتدرة فقط.
في السياق ذاته، ثمة واقع مرير تعيشه العاصمة حالياً يتمثل بالمركزية القاتلة، حيث تتركز الوزارات والخدمات والشركات الكبرى في قلب عمان مما يجبر مئات الآلاف على التدفق إليها يومياً، ويخلق شللاً مرورياً واقتصادياً.
مدينة عابرة للحكومات
وفق تصريحات رسمية، فإن الهدف من المدينة الجديدة هو امتصاص الزيادة السكانية المتسارعة في عمان والزرقاء، وفي سياق تنفيس الضغط عن البنية التحتية المتعبة، عدا عن الاختناقات المرورية وارتفاع كلفة السكن وضيق مساحات الأراضي القابلة للسكن داخل المدن المكتظة.
وأن التصور الأولي للمدينة الجديدة يشير إلى أنها ستكون جزءاً من رؤية حضرية مستقبلية كمدينة ذكية وعصرية، ربما بنقل بعض مؤسسات الدولة أو الخدمات إليها، مما يخفف العبء على مراكز العاصمة.
أما من الناحية الاقتصادية، فينظر إليها أيضاً كفرصة جذب استثمارات سكنية وتجارية وربما صناعية، ووفقاً للتفاصيل يجري الحديث عن مدينة ستبنى على أراض مملوكة للدولة، تبعد 40 كيلومتراً عن وسط عمان، و33 كيلومتراً عن مطار الملكة علياء و26 كيلومتراً عن مدينة الزرقاء، بحيث تستوعب مليون نسمة.
وكشفت الحكومة عن تفاصيل مشروع "مدينة عمرة" الذي يتضمن مراحل عدة، تشمل تخصيص أراض لإقامة مشاريع استثمارية إنتاجية تضم مركزاً دولياً للمعارض والمؤتمرات سينجز عام 2027.
وأطلق رئيس الوزراء جعفر حسان مشروع المدينة الجديدة تحت شعار التطوير الحضري وإدارة النمو السكاني طويل الأمد والاستدامة والحداثة، كنواة لمدينة مستقبلية نموذجية للشباب والجيل القادم، وبتنظيم وتخطيط محكم، تمتد مراحل تطويرها على مدى 25 عاماً وبصورة عابرة للحكومات.
وأكدت الحكومة أن مدينة عمرة عند اكتمالها لن تكون عاصمة جديدة ولا إدارية، وإنما الهدف منها مواكبة الحاجات السكانية المستقبلية في المملكة، خصوصاً في مدينتي عمان والزرقاء اللتين يتوقع أن يصل عدد السكان فيهما إلى 11 مليون نسمة خلال 25 عاماً.
كذلك يتضمن المشروع تشييد مركز دولي للمعارض والمؤتمرات ومدينة رياضية متكاملة تضم استاداً دولياً لكرة القدم سينجز عام 2029 ومدينة أولمبية إلى جانبه إضافة إلى حديقة بيئية نموذجية ومدينة ترفيهية تنجز عام 2028 ومناطق تجارية وخدماتية ومدينة تعليمية ومركزاً تكنولوجياً للاستثمار في قطاع التعليم، إلى جانب متاحف ومنشآت ثقافية.
وسيتم تنفيذ المشاريع على مساحة 40 ألف دونم، من أصل ما يقارب نصف مليون دونم، وهي بالكامل أراض لخزانة الدولة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مشروع ذو بعد قومي
يصف المتخصص الاقتصادي حسام عايش مشروع مدينة عمرة بأنه أحد أبرز المقترحات العمرانية ذات البعد القومي في الأردن، مضيفاً أن نجاح وفشل هذا المشروع يتعلق بمدى قدرته على الارتباط بالخطط التنموية، إذ إن الأرقام الأولية المتداولة تتحدث عن 8 مليارات دينار (نحو 11.28 مليار دولار) وهو مؤشر إلى ضخامة الاستثمارات في هذا المشروع.
يؤكد عايش أن التجارب التاريخية المحلية تظهر أن المشاريع الكبرى تبدأ بنيات حسنة وتنتهي بأعباء على الموازنة إذا غاب الإطار الرقابي والحوكمة الرشيدة، مطالباً بتحديد الجدوى الاقتصادية ونسب مشاركة القطاع الخاص وطبيعة التمويل.
وينتقد عايش جزئية امتداد المشروع لـ25 عاماً مما يجعله رهينة للمتغيرات الجيو-اقتصادية، إضافة إلى أنه قد يتحول إلى مشروع مدينة متقدمة ذات خدمات وبنى تحتية راقية، مقابل مدن قائمة تهمش ويهمل تحديثها.
ويقدر عدد سكان الأردن عام 2025 بما يقارب 11.52 مليون نسمة، فيما تتجاوز نسبة السكان الذين يعيشون بالمدن 85 في المئة.
وتشكل العاصمة عمان أكبر تجمع حضري في البلاد إذ يبلغ عدد قاطنيها نحو 5 ملايين نسمة. ويؤثر التوسع السكاني والحضري في العاصمة على معدلات استهلاك الموارد وفي مقدمها المياه والخدمات والبنى التحتية، كذلك تشير التقارير المحلية إلى أن توسع عمان يتجاوز طاقتها البيئية من حيث الانبعاثات الضارة.
على رغم وجاهة الدوافع، فإن المخاوف أيضاً تبدو مشروعة جداً، وتستند إلى مؤشرات عدة من بينها كلفة العيش والسكن المرتفعة في المدينة الجديدة، واحتمالية نقل المقار الحكومية والوزارات إليها.
وفق تسلسل تاريخي، طرحت فكرة إنشاء مدينة جديدة في عمان للمرة الأولى عام 2017، بعدما وصل الأردنيون إلى قناعة مفادها بأن عمان (بجبالها السبعة) لن تحتمل التوسع اللانهائي.
وفي حقبة التسعينيات ومع بدء ظهور ملامح "عمان الكبرى" والهرب غرباً، توسعت العاصمة عبر دمج القرى والبلدات المحيطة لتشكل "أمانة عمان الكبرى"، كحل بديل وواقعي بدلاً من بناء عاصمة جديدة، فابتلعت عمان جاراتها من المدن والأحياء الصغيرة مثل صويلح ووادي السير وتلاع العلي.
وفي عام 2008 بدأت فكرة المخطط الشمولي الذي تنبأ بالانفجار الحالي، لكنها اصطدمت بالأزمة المالية العالمية 2008، وبقي المخطط حبراً على ورق.