Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين روسيا وتركيا وإسرائيل... المشهد في سوريا أشبه بساحة نفوذ متشابكة

تل أبيب تتفق عميقاً مع موسكو فكلاهما لا يريد إيران وهذا كان واحداً من أهم جوانب تنسيق الطرفين ميدانياً واستخبارياً

كانت موسكو تقدم الحماية والغطاء الجوي واللوجستي والأسد يقدم الامتيازات والضمانات الاستثمارية طويلة الأمد (أ ف ب)

ملخص

إسرائيل في هذه المعادلة تتفق عميقاً مع روسيا، الاثنان لا يريدان إيران، وهذا كان واحداً من أهم جوانب تنسيق الطرفين ميدانياً واستخبارياً، ولضمان عدم حصول أي إمكان لصدام مباشر. صار الجنوب لإسرائيل بمطلق الصلاحيات، والساحل للروس بمطلق الصلاحيات، ووسط كل ذلك يتساءل سوريون في أوساط سياسية عن الأوراق التي ظلت في أيديهم، ما دام أن تركيا في الشمال، والروس في مثلث الساحل، وإسرائيل تقضم الجنوب تدريجاً، والقواعد الأميركية شرقاً وفي الجنوب الشرقي، واستخبارات دول كثيرة صارت لاعبة أساسية من الداخل هذه المرة لا الخارج.

أثر سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024 على مجمل التوازنات الإقليمية وانعكاساتها الدولية على سوريا، ليتخطى كونه مجرد حدث سياسي في منطقة تشهد تطورات أمنية وعسكرية وسياسية متسارعة، الحدث كما وصفه محللون كان أشبه بالزلزال الذي سيعيد تشكيل خيوط اللعبة والحدود وربما الجغرافيا من جديد.

في المرحلة الأولى ما بعد السقوط، ظهرت سوريا كهيكل من دون جهاز عصبي مركزي بتحكم بمفاصله، انهارت البلاد وتداخلت أزماتها في ما بينهما، ودخلت تيهاً عميقاً عنوانه فراغ المؤسسات المدنية والأمنية والعسكرية وهرب القيادات والمسؤولين الكبار، مع تنام مطرد ومتسارع في نفوذ الفصائل المعارضة المحلية والأجنبية والحركات المتطرفة.

الملامح الأولى

على الصعيد الدولي، إلى جانب إيران، كانت روسيا أكبر المستفيدين من نظام الأسد، فقد كانت موسكو تقدم الحماية والغطاء الجوي واللوجستي، والأسد يقدم الامتيازات والضمانات الاستثمارية طويلة الأمد ويجعل لروسيا موطئ قدم مستدام في المياه الدافئة، وهو حلم سوفياتي قديم. لكن مع سقوط الأسد ارتبكت حسابات الكرملين، لأن سبب وجودها انتفى، هذا ما كان ظاهراً في المرحلة الأولى.

من جانبها، لم ترد إسرائيل التعامل مع سوريا الجديدة كخط دفاع أمامي - وقائي فقط، بل كساحة نفوذ ممتدة المسافات استراتيجياً، وتلك كانت الفرصة المناسبة مع سقوط حكم استطال لعقود. فخلال الساعات الـ48 التي تلت سقوط النظام، نفذت إسرائيل نحو 500 طلعة جوية قصفت خلالها ترسانة الجيش السابق، محققة نسبة تدمير قدرها المراقبون العسكريون ووسائل الإعلام ما بين 80 إلى 90 في المئة من مجمل القوة العسكرية السورية، ولاحقاً استكملت إسرائيل ضرباتها خلال عام 2025 لتحقق نحو 1000 ضربة، وبهذا تقريباً قضت على كل ما كان متبقياً من الترسانة السابقة، ما بين أسلحة ثقيلة ومدرعات وصواريخ وخلافه.

بررت إسرائيل ذلك بالخوف من عودة خطر تمدد النفوذ الإيراني في سوريا، أو تكوين جبهات مقاومة داخلية أخرى تستفيد من تلك الأسلحة، وبالتالي كان الأفضل تدمير أساس أية نواة قد تعيد إنتاج فصيل أو تيار أو حتى جيش مركزي يتمكن مع مرور الأعوام من إعادة رسم خريطة الاشتباك السياسي وتوازن القوى.

من اللاذقية إلى طرطوس

مع الدخول الروسي لمساندة الأسد أواخر عام 2015، ثبت الروس قواعدهم العسكرية في مطار حميميم في ريف اللاذقية وفي مرفأ طرطوس، مع نقاط أخرى أصغر ثابتة أو متجولة، ولكن مع سقوط النظام تحول ملف القواعد إلى اختبار لمدى قدرة بقائها من دون غطاء سياسي داخلي. ولا شك أن الملف كان مقلقاً للغاية لبوتين، لكن في أشهر لاحقة عقدت لقاءات روسية - سورية غير متوقعة في موسكو حضرها وزير الخارجية السوري والدفاع ومسؤولون كبار، وتوجت أخيراً بزيارة الرئيس أحمد الشرع، الذي أوضح أن تلك الاتفاقات القديمة ستظل سارية وهي ملزمة.

 

مطار حميميم ضم في ذروته 107 مقاتلات جو - فضائية، ولكن بعد حرب أوكرانيا وحتى اليوم، بالكاد تبقى فيه بضع طائرات، وميناء طرطوس ظل كما هو: رصيف بحري ومستودعات صيانة وسفن دعم لوجستي وقوات حاضرة، خلال كل تلك الأعوام كان أهل الساحل ينظرون لروسيا كحامية لهم، لكن سقوط النظام أوضح أن الروس لم يعودوا حماة لهم، بل هم حماة لمصالحهم الجديدة التي يقيسونها بخيوط من حرير تسوده الامتيازات والرؤية الباردة، بدليل أنها لم تتدخل لتوقف مجازر الساحل التي وقعت على امتداد الشريط الساحلي بين نقطتي ارتكاز الروس الرئيسيتين في مارس (آذار) الماضي، ليكون الاهتمام الروسي دائماً هو ألا تخسر نفوذها الحيوي ولو كان فوق بنية موقتة.

إسرائيل والفرصة الذهبية

لم تكن إسرائيل يوماً على وفاق مع نظام الأسدين، وكثيراً ما قصفت أهدافاً لإيران و"حزب الله" داخل الأراضي السورية خلال الحرب الماضية، لكن فوضى سقوط النظام وغياب الرؤية الدولية اللحظية، جعلها تتعامل مع اللا شيء، ففوضت نفسها بحماية أمنها القومي بالطريقة المناسبة لها، من دون الحاجة إلى تبريرات أو دعم دولي، فطاولت يدها حتى دمرت كل ما كان ناجياً من الحرب السابقة.

هذه المرة كانت تعرف تل أبيب ما تريد، ليس هدفاً إيرانياً أو لـ"حزب الله" أو لمجموعات رديفة لهما، بل هي فرصة للإجهاز على كل ما تبقى من سلاح في سوريا. أسراب الطيران الإسرائيلي اجتاحت سوريا من شمالها إلى جنوبها، مدمرة كل بنك أهداف محتمل وضمناً المطارات والمرافق الحيوية وطرق الإمداد السابقة والمفترضة لاحقاً لخصومها.

يقول أستاذ العلوم السياسية عيسى صالح إن "إسرائيل قالت كلمتها، الترسانة السورية انتهت، لن تقوم قائمة لجيش مواجهة من جديد، استعادة المنظومات الدفاعية وشبكات الرادار أمر مستحيل، إيران وغيرها خارج المشهدية تماماً، تدمير منظومة الردع نهائياً عبر كشف سماء وأرض سوريا، وأية سلطة هذه أو غيرها ستحكم فستعيد بناء كل شيء من تحت الصفر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين موسكو وتل أبيب

انهيار النظام نفسه هو ما دفع الأطراف الدولية للبحث سريعاً عن مصالحها، مما خلق قنوات اتصال أكثر تعزيزاً بالشأن السوري بين الجانبين الإسرائيلي والروسي لتغدو شكلاً من أشكال التفاهم الأمني الدائم، بحسب الخبير الأمني العميد المتقاعد ظافر طرابلسي، الذي أضاف "موضوع منع الاحتكاك هو أمر مفروغ منه، هناك تلاقي مصالح أقرب لتوزيع نفوذ وتقاسمه، وتشاركهما في ذلك تركيا وجهات دولية أخرى. اليوم موسكو تتعهد عبر القنوات المغلقة بعدم جر الإقليم إلى حرب عبر وجودها كضامن، في مقابل أفضلية الحفاظ على مجالها الجوي سليماً، وكذلك ترى إسرائيل في روسيا ضمانة في الشمال الغربي من سوريا لناحيتين، الأولى منع العودة الإيرانية بين علويي الساحل، والثانية لجم محاولات التمدد التركي. ولم يعد سراً أن إسرائيل طلبت مباشرة من روسيا أن تظل في الساحل".

وفق تلك المعطيات تبدو المعادلة واضحة، الأمن الجوي والأرضي الروسي محفوظ في نقاطها الحيوي، واليد الإسرائيلية تمتد في الجنوب السوري، من دون أن يلتقي الاثنان في مواجهة، على رغم المطالب السورية من روسيا بنشر شرطتها العسكرية جنوباً لمنع التوغلات الإسرائيلية، وهذا ملف ما زالت سوريا تطلبه من روسيا من دون البت فيه.

يرى العميد ظافر أنه إبان مجازر الساحل كانت إسرائيل تنتظر من روسيا أكثر من ذلك، إذ كانت تتوقع تدخلها الميداني للجم الفصائل غير المنضبطة، باعتبارها راعية الساحل عسكرياً، "لكن موسكو قررت خفض التصعيد وعدم المواجهة أو التدخل، اكتفت بفتح أبواب قاعدة حميميم لاستقبال آلاف العائلات الهاربة، كذلك عملت خلال تلك الفترة والأشهر التي سبقتها على تهريب ضباط ومسؤولي نخبة النظام من قاعدتها الجوية نحو موسكو، وكأن روسيا كانت تقول: لا علاقة لنا بما حولنا، المهم هو منع المساس بقواعدنا ومصالحنا، وذلك ما يقودنا للتوافق الروسي - الإسرائيلي، فليحصل ما يحصل، المهم الأمن الحيوي والقومي والاستراتيجي لكل دولة داخل سوريا وفق ما تراه مناسباً لمصالحها".

الصراع الكبير

كثيراً ما تخوفت موسكو من نفوذ طهران في سوريا على رغم تحالفهما، واتضح ذلك في إقرار روسيا مناطق خفض التصعيد في مساري أستانا وسوتشي قبل عام 2020 والمحاولات الإيرانية المتكررة لإعادة فتح كل الجبهات. كان ذلك جزءاً عميقاً من اختلاف الرؤية الميدانية والأهداف الاستراتيجية بين البلدين، واليوم ما يشغل موسكو هو حماية قواعدها من جديد بعيداً من تمدد نفوذ إيراني غير محسوب يقدم نفسه لعلويي الساحل كمخلص لهم.

إسرائيل في هذه المعادلة تتفق عميقاً مع روسيا، الاثنان لا يريدان إيران، وهذا كان واحداً من أهم جوانب تنسيق الطرفين ميدانياً واستخبارياً ولضمان عدم حصول أي إمكان لصدام مباشر. صار الجنوب لإسرائيل بمطلق الصلاحيات، والساحل للروس بمطلق الصلاحيات، ووسط كل ذلك يتساءل سوريون في أوساط سياسية عن الأوراق التي ظلت في أيديهم، ما دام أن تركيا في الشمال، والروس في مثلث الساحل، وإسرائيل تقضم الجنوب تدريجاً، والقواعد الأميركية شرقاً وفي الجنوب الشرقي، واستخبارات دول كثيرة صارت لاعبة أساسية من الداخل هذه المرة لا الخارج.

السيادة السورية

يتساءل المحامي ياسين معروف عن شكل إعادة تعريف مفهوم السيادة السورية ضمن تخصصه القائم على القانون الدولي بقوله: "هل ما زالت سوريا بوصفها السيادي صاحبة قرار بالدفاع عن أراضيها؟ بمعزل عن المواجهات الشعبية الداخلية المحلية، القانون الدولي نص صراحة في معظم مواضيعه على أصول سيادة الدولة الشرعية في حق الدفاع عن نفسها بكل الوسائل، لكن اليوم الوضع معقد ومرتبك جداً، وكثرة اللاعبين المحليين والإقليمين والدوليين وفوضى الانتقال السياسي يجعلان توقيع تفاهمات أو اتفاقات حماية أمنية وعسكرية أو معاهدات مشتركة، أقرب لأن يكون غير ملزم لأن السلطة أساساً انتقالية أو موقتة، فهي لا تتمتع بالصفة التشريعية اللازمة للبحث بسبل التعاون الدولي خارج الغطاء الشرعي الموقت بدوره. وإن كانت سوريا بسلطتها الجديدة اليوم تحظى تباعاً بدعم شرعي وإعلامي كبير، لكنها في الوقت ذاته تعاني عقوبات اقتصادية ومالية قاهرة، وهذا نفسه جزء من اختلال معايير إحقاق السيادة الكاملة".

 

نظرة من الداخل

يقطن الشاب أحمد الأديب في مدينة طرطوس على مقربة من القاعدة الروسية، يتحدث عن سماع أصوات طائرات مسيرة ومضادات طيران في كثير من الليالي، ويؤكد أن الأخبار المتداولة بين الناس تقول إن تلك الأصوات تعود لتدريبات عسكرية لفصيل أجنبي متمركز قرب المدينة. يتابع "روسيا لا تبالي ولا تفعل شيئاً، ولم نعد أساساً نرى جنودهم وناقلاتهم وسياراتهم العسكرية، هم موجودون صحيح لكنهم اختفوا فجأة عن النظر، على رغم ذلك دائماً ما نضع ضمن احتمالاتنا أنه لو تكررت أية مجزرة فإننا سنهرب إلى أقرب قاعدة روسية".

في دمشق البعيدة من الوجود الروسي والأقرب للحضور الإسرائيلي، تقول المهندسة ميا توما إنهم خائفون من أي قصف إسرائيلي، "تل أبيب لا تقصف فقط أرتالاً للسلطة أو تتوغل في الجنوب، هي تقترب في أحيان كثيرة من بلدات في ريف دمشق، وتقصف في محيط العاصمة، وفي أحداث يوليو (تموز) في السويداء قامت بقصف وسط العاصمة حين استهدفت وزارة الدفاع والأركان. الضغط النفسي المطبق علينا رهيب ولا يطاق، فهل علينا أن نجمع أنفسنا نحن المدنيون ونطالب بمنطقة عازلة نحكمها من دون وجود كل هذه الدول بيننا؟".

الانعكاسات الخارجية على الداخل

العلاقة الروسية - الإسرائيلية تبلورت أكثر مع الأشهر الماضية في السياق السوري لتصبح ذات تأثير أوسع، ضمن بروتوكول تفاهمي يسهل لحظه وتتبعه ميدانياً. روسيا تسيطر على الساحل وتراقب بتمعن كل حركة من دون أن تقدم على المجازفة بالتدخل البري في أي حدث، تبحث تماماً عن حماية مصالحها وقواعدها وامتداد نفوذها وبقائه في البحر المتوسط.

بينما إسرائيل تتمتع بحرية حركة أوسع وأكبر وأشمل بكثير، فهي تثبت نقاطاً جديدة في جبل الشيخ والجنوب السوري، تتحرك بأريحية على الأرض وتقصف مطارات ومواقع في وسط سوريا وجنوبها، وأحياناً في شمالها قرب المواقع الروسية حين تشعر بخطر من هناك، على أن يكون ذلك بتنسيق مباشر ومسبق مع الروس، وغالباً ما تكون تلك الضربات موجهة ضد أهداف عسكرية تركية يشغلها مقاتلون سوريون، بحسب معلومات لـ"اندبندنت عربية" من داخل مطار حميميم.

مرحلة التيه السياسي

يتفق اليوم كثير من خبراء علوم السياسة والعسكر أن سوريا تعيش تيهاً سياسياً ليس بيدها ولم تكن قادرة على تغييره في أية لحظة مضت، وهو ما قاد البلاد لتصبح مسرح أحداث كبيراً لقوى كبرى تتداخل نفوذها ومصالحها اتفاقاً أو اختلافاً. فالأمر تخطى مرحلتيه الدبلوماسية والسياسية، وصار كفيلاً بالتأثير في المدنيين أنفسهم في الداخل وفي سياق بناء الدولة ومؤسساتها وفي شكلها المستقبلي، وطرح إمكان تقسيمها أو اقتطاع أجزاء منها أو الذهاب بها نحو الفيدرالية تحت قوة الأمر الواقع، عدا عن التهديد الواقع على دول الجوار وعلى رأسها الأردن ولبنان، وضمناً التخوفات المصرية والخليجية والغربية عامة.

وبين المعادلات المتداخلة على الأرض السورية جرى خلق حيز ليس بقليل يتيح الفرصة المثلى لتحرك الفصائل المتطرفة مثل "داعش" أو المقاتلين الأجانب وغيرهم، وبدمج مفاعيل القوى الداخلية والحضور الخارجي محلياً تصير سوريا دولة تعوم على بحر من الفراغ المتعلق بالسيطرة واستعادة زمام المبادرة الشاملة ضمن مفاهيم السيادة الحقيقية، ليعود القرار الكلي لها كمنظومة شرعية لا بيد طرف آخر داخلي أو خارجي.

المزيد من تقارير