Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موازنة الخريف تضع الاقتصاد البريطاني على الحافة

المملكة المتحدة تدخل مرحلة غير مسبوقة من الضرائب والإنفاق وسط سباق دقيق بين حماية المجتمع وكبح الدين العام

مزيج غير معتاد من القرارات الضريبية والاجتماعية يكشف هشاشة النمو البريطاني ويعيد رسم أولويات الحكومة. (أ ف ب)

ملخص

ارتفاع الضرائب وتوسع الإنفاق يدفعان الاقتصاد البريطاني إلى اختبار صعب، في ظل تباطؤ النمو ومحدودية الخيارات، بحسب ما يقول عدد من المحللين لـ"اندبندنت عربية".

شهدت المملكة المتحدة منعطفاً اقتصادياً حاسماً، أثار اهتمام الشارع والأسواق والمراقبين، مع إعلان وزيرة الخزانة راشيل ريفز، أخيراً، عن موازنة جديدة وصفت بأنها الأكثر ترقباً منذ أعوام.

لم تكن هذه الموازنة مجرد أرقام تعرض في البرلمان البريطاني، بل انعكاس لمستوى التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد، إذ تتقاطع الضغوط المالية مع الحاجة إلى حماية شبكات الدعم الاجتماعي.

وتواجه ريفز، بخلفيتها الاقتصادية، مهمة إدارة موازنة ثقيلة، تجمع بين دين عام مرتفع واقتصاد متباطئ، وسط توقعات صعبة للنمو والإنفاق، ومع كشف تفاصيل الموازنة، ظهر أن الحكومة تسعى إلى موازنة دقيقة بين تعزيز الإنفاق الاجتماعي وفرض الانضباط المالي لمواجهة ارتفاع الدين والضرائب.

بينما رحب بعض المراقبين بحماية الفئات الأكثر هشاشة، حذر آخرون من أن زيادة الضرائب قد تثقل كاهل الاقتصاد إذا لم يصاحبها نمو كاف يعوض هذا التشديد المالي.

وهكذا، أصبحت الموازنة مؤشراً إلى مرحلة جديدة تحتاج إلى إدارة دقيقة ورؤية استراتيجية طويلة المدى وتحمل مشترك بين الحكومة والمواطنين.

توازن دقيق

تفاصيل الموازنة تكشف عن سعي الحكومة إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية بما يوازن بين الأمن الاجتماعي والاستدامة المالية، إذ شملت التغيرات في هيكل الضرائب، والإجراءات على الإنفاق الصحي والرفاه الاجتماعي، وتعديلات الدعم، والضغوط على سوق العمل، مما يشكل لوحة معقدة أمام صانعي القرار.

الجدل السياسي كان حاضراً أيضاً، خصوصاً مع التسريبات الأخيرة من مكتب مسؤولية الموازنة، مما أضاف طبقة من الانتقادات حول مستوى الشفافية والانضباط المؤسسي، ومع ذلك ظل التركيز الأكبر على جوهر الأرقام والالتزامات المالية المستقبلية.

الموازنة شملت مزيجاً غير معتاد من القرارات الاجتماعية والضريبية: إلغاء الحد الأقصى لطفلين في نظام الإعانات أثر في أكثر من 450 ألف طفل، بينما جاءت الزيادات الضريبية المتفرقة لتعكس محاولة تجنب المساس المباشر بالضرائب الأساسية، مع تجميد العتبات الضريبية حتى العام المالي 2030 - 2031، مما يزيد العبء على ملايين الأسر.

عبء قياسي

وتظهر الإحصاءات أن بريطانيا تدخل مرحلة مالية تتميز بارتفاع غير مسبوق في الضرائب وتوسع كبير في الإنفاق، إذ أضافت الحكومة 26 مليار جنيه استرليني (34.4 مليار دولار) هذا العام إلى الضرائب، بعد زيادة سابقة بلغت 40 مليار جنيه استرليني (52.8 مليار دولار)، مما يرفع حصيلة الضرائب كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 38.3 في المئة بحلول 2030-2031، وهو مستوى لم يشهده الاقتصاد البريطاني منذ عقود.

وسيدفع تجميد العتبات الضريبية 780 ألف شخص إلى الشريحة الأساسية و920 ألفاً إلى الشريحة الأعلى، مما يضيف نحو 8 مليارات جنيه استرليني (10.56 مليار دولار) للخزانة سنوياً، ويشكل ضغطاً مالياً على الأسر في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.

توسع الإنفاق الاجتماعي

في المقابل، يشهد الإنفاق الاجتماعي تصاعداً ملحوظاً، خصوصاً على الرعاية الصحية وإعانات الإعاقة، التي تجاوزت وحدها 100 مليار جنيه استرليني (132 مليار دولار) سنوياً، وارتفع إجمالي الإنفاق على الرفاه الاجتماعي إلى أكثر من 389 مليار جنيه استرليني (513.48 مليار دولار) بحلول عام 2029-2030، بعد إلغاء الحد الأقصى لطفلين، مما يرفع الكلفة على المدى الطويل.

من المتوقع أن يظل الإنفاق العام عند 44–45 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية، مما يعكس اعتماداً كبيراً على القطاع العام في تقديم الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية، أما الدين العام، فيراوح ما بين 95 و97 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مما يقلل من قدرة الحكومة على تبني سياسات توسعية من دون أخطار مالية.

ردود فعل سلبية

أبدى البريطانيون ردود فعل سلبية للغاية تجاه موازنة وزيرة الخزانة راشيل ريفز، مما يشير إلى عدم وجود أي تحسن يذكر في شعبية حكومة حزب "العمال" التي تتراجع، طبقاً لما أظهره أول استطلاع للرأي في هذا الصدد.

وقال المشاركون في استطلاع رأي أجراه معهد "يوغوف"، إنهم يرون الموازنة غير عادلة، بهامش 48 في المئة، مقابل 21 في المئة، وتعد هذه ثاني أسوأ نتيجة يسجلها معهد "يوغوف" منذ أن بدأ في تتبع الآراء عام 2010، بحسب وكالة "بلومبيرغ" الأميركية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال نصف الأشخاص الذين شملهم استطلاع معهد "يوغوف"، إن موازنة ريفز ستجعلهم وأسرهم في وضع أسوأ من ذلك، مقارنة بثلاثة في المئة، قالوا إن وضعهم سيكون أفضل.

وقال ثلاثة في المئة فقط، إن الاقتصاد في حال "جيدة للغاية"، في حين أوضح ثلثا المشاركين أنهم يتوقعون أن تزيد الأمور سوءاً في الأشهر الـ12 المقبلة.

ضغوط مزدوجة

أكد متخصصون بالاقتصاد العالمي لـ"اندبندنت عربية"، أن الاقتصاد البريطاني يواجه تباطؤاً في النمو وارتفاعاً في التضخم، مما يستدعي مراجعة نماذج التمويل العام مع التركيز على تعزيز الإنتاجية بدل الاعتماد على الضرائب وحدها.

وأشاروا إلى أن التشديد الضريبي في بيئة نمو ضعيف قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يصاحبه تحفيز استثماري حقيقي.

وأوضحوا أن أبرز أرقام الموازنة تشمل رفع العبء الضريبي إلى مستويات قياسية، تجميد العتبات الضريبية، زيادات على سيارات كهربائية والمقامرات والعقارات، مع توقعات نمو منخفضة خلال الأعوام المقبلة، وارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحية وإعانات الإعاقة، ودين عام عند مستويات شبيهة بالستينيات.

هامش مناورة محدود

بدوره قال رئيس قسم الأبحاث في "إيكويتي غروب" رائد الخضر، إن الاقتصاد لم يصل بعد إلى مرحلة تمنع أي زيادات ضريبية، لكن هامش المناورة محدود.

وأضاف، أن أي توسع في الضرائب سيؤثر في دخول الأفراد والاستثمارات ويضعف حوافز العمل، وأكد أن إعادة توزيع العبء الضريبي على الثروات والعقارات والانبعاثات الكربونية قد توفر مساحة أكبر لمعالجة قيود النمو.

هشاشة مستمرة

أما المتخصص في الشأن الاقتصادي ومدير عام "إنسينكراتور" لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا محمد كرم، أكد أن الموازنة قلصت بعض الأخطار قصيرة ومتوسطة الأجل مثل العجز المالي وضغوط العدالة الاجتماعية، لكنها لم تعالج الهشاشة البنيوية للاقتصاد، مشيراً إلى أن عديداً من القرارات الصعبة لا تزال مؤجلة، واستدامة المالية العامة تعتمد على توقعات يصعب الالتزام بها سياسياً واقتصادياً.

من جانبه، أشار رئيس أبحاث السوق في "OW Markets" عاصم منصور، إلى أن السياسة النقدية المتشددة للبنك المركزي، إلى جانب الزيادات الضريبية، يضعان ضغوطاً إضافية على الحكومة ويجعلان تحفيز الاقتصاد أصعب، وأن قرار بنك إنجلترا بتثبيت سعر الفائدة عند أربعة في المئة كان متوازناً، مع انتظار دلائل على تراجع التضخم قبل أي خفض.

الأسواق تراقب

إلى ذلك لاحظت بنوك الاستثمار مثل "جيه بي مورغان" و"غولدمان ساكس" أن الحفاظ على مستويات مرتفعة من الضرائب والإنفاق يزيد من حساسية السندات لأي تغير في توقعات النمو أو أسعار الفائدة، في حين رأى "مورغان ستانلي" أن الأسواق تتعامل بحذر مع الأرقام، خصوصاً بعد التسريبات، ويستمر عدم اليقين حتى وضوح مسار السياسة النقدية.

وتوضح الموازنة الأخيرة أن الاقتصاد البريطاني يواجه تحديات متشابكة من بينها ارتفاع الضرائب، وتوسع الإنفاق الاجتماعي، ودين عام عند مستويات تاريخية، ونمو ضعيف، وأن الطريق نحو التوازن المالي طويل وشاق، ويحتاج إلى إصلاحات هيكلية أعمق من مجرد زيادة الإيرادات أو ترشيد النفقات، في وقت تعتمد قدرة الاقتصاد على التكيف على فعالية السياسات الاقتصادية وتفاعل الأسواق مع الإدارة المالية خلال المرحلة الحساسة المقبلة.

اقرأ المزيد