Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حراك "أورومتوسطي" لاستعادة "زخم" التعاون بين دول المتوسط

دول "المتوسط" يقرون رؤية استراتيجية جديدة في الذكرى الثلاثين لعملية برشلونة لمواجهة التحديات المشتركة والأزمات الجيوسياسية تبقى العائق الأكبر أمام تعميق التعاون

تأسس الاتحاد من أجل المتوسط عام 2008 منبثقا من إعلان برشلونة عام 1995 لتعزيز التعاون "الأورومتوسط" (الاتحاد من أجل المتوسط)

ملخص

أمام تعقد المشهد الجيوسياسي والأمني في دول جنوب المتوسط، وعلى رغم الزخم والحراك الأورومتوسطي الراهن، إلا أن السؤال في أروقة الاتحاد من أجل المتوسط تتمثل في كيفية تجاوز تلك التحديات والوصول نحو تحقيق الأهداف المعلنة في تعميق التعاون والتنسيق سوءاً على صعيد الشعوب أو البلدان أو الاقتصادات، وهو ما تتباين الآراء حوله.

على وقع الأزمات الجيوسياسية التي تضرب جنوب المتوسط، فضلاً عن التحديات السياسية والأمنية، وتفاوت معدلات النمو بين الجنوب والشمال، سعى وزراء خارجية وممثلو الدول الأعضاء في الاتحاد من أجل المتوسط، لتجديد التزامهم بمواجهة التحديات المشتركة وتعميق التعاون "الأورومتوسطي"، وذلك عبر إقرارهم في اجتماعهم ببرشلونة أمس الجمعة رؤية استراتيجية جديدة للمنظمة، تركز على ربط الشعوب والاقتصادات والبلدان، فضلاً عن دعم الميثاق الأوروبي للمتوسط سياسياً.

لكن وعلى رغم زخم الدعم السياسي من الدول الأعضاء الـ43 لتلك البداية الجديدة "التاريخية"، وفق توصيف عدد من وزراء الخارجية الأوروبيين ومن شمال أفريقيا، إلا أن التحديات السياسية والأمنية خيمت على المنتدى، الذي عقد في الذكرى السنوية الثلاثين لانطلاق عملية برشلونة، لتعميق التعاون بين دول ضفتي البحر المتوسط.

استراتيجية جديدة وميثاق عمل أوروبي

بعد محادثات ومناقشات في المنتدى الإقليمي العاشر في برشلونة، الذي عقد تحت شعار الذكرى الثلاثين "معاً من أجل شراكة أورومتوسطية أقوى"، والتي وصفها مسؤولو الاتحاد من أجل المتوسط بـ"الثرية"، سجل ممثلو الدول الأعضاء في المنظمة التي انبثقت في عام 2008 من إعلان برشلونة عام 1995 لتعزيز التعاون بين ضفتي المتوسط "خطوة هامة" لتعميق التعاون والتنسيق في ما بينها، وذلك في مسعى منهم لـ"إظهار الوحدة وسط التحديات الإقليمية".

وخلال الاجتماع الذي ترأسه كل من الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيسة المفوضية الأوروبية، كايا كالاس، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، بمشاركة الأمين العام للاتحاد من أجل المتوسط ناصر كامل، والمفوضية الأوروبية لشؤون المتوسط دوبرافكا شويسا، شدد المجتمعون على أهمية أن تظل منطقة المتوسط "فضاءً مشتركاً للسلام والازدهار والتفاهم المتبادل"، مؤكدين على أن "التعددية ليست خياراً بل ضرورة"، ومجددين التأكيد على أهمية عملية برشلونة واستمراريتها.

 

وأقر الوزراء رؤية استراتيجية جديدة للاتحاد من أجل المتوسط، تشكلت من خلال مشاورات إقليمية واسعة، لتوجيه عمل المنظمة في السنوات المقبلة. إذ يعتمد هذا الإطار الاستراتيجي على ثلاث ركائز مترابطة تمثلت في ربط الشعوب "من خلال التعليم، وتنقل الشباب، وتنمية المهارات، والمساواة بين الجنسين، والإدماج الاجتماعي"؛ وربط البلدان "من خلال تعزيز الحوار، والمرونة المناخية، وأمن المياه والطاقة، والتأهب للأزمات"؛ وربط الاقتصادات "من خلال تعزيز التجارة، والتعاون الرقمي، والبنية التحتية المستدامة، والاستثمار الأخضر".

كذلك في إطار المنتدى الإقليمي، وقع كل من الأمين العام للاتحاد ناصر كامل ووزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس اتفاقية مقر جديدة بين إسبانيا والاتحاد من أجل المتوسط، والذي "يمنح وضوحاً أكبر حول وضع الاتحاد كمنظمة دولية، ومواكبة لأفضل الممارسات العالمية، وتعزيزاً لقدرته على الوفاء بمهمته".

وبحسب المسؤولين في الاتحاد من أجل المتوسط، تضع الرؤية الاستراتيجية الجديدة واتفاقية المقر الاتحادَ من أجل المتوسط في موقع محوري لتقديم حلول جماعية للتحديات المشتركة، من تغير المناخ وندرة المياه إلى بطالة الشباب والتعافي ما بعد الأزمات.

كذلك عكس الإطلاق الرسمي لميثاق الاتحاد الأوروبي لمنطقة المتوسط التزاماً سياسياً ومالياً معززاً من جانب الاتحاد الأوروبي وبلدان جنوب المتوسط للنهوض بالأولويات المشتركة والمتمثلة في التحول الأخضر، والتحول الرقمي، ورأس المال البشري، وتعزيز الاستقرار الإقليمي. فضلاً عن تشديده على الأهمية الاستراتيجية لمنطقة البحر الأبيض المتوسط بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وعلى ضرورة تعميق التعاون مع دول الجنوب لبناء فضاء متوسطي مشترك قائم على الشراكة والتكامل.

كذلك تضمن الميثاق توسيع التعاون في مجالات السلام والأمن والدفاع، بما في ذلك منع النزاعات والوساطة ومكافحة الجريمة المنظمة، وحماية أمن وسلامة البحار، مع دعم بناء قدرات دول المتوسط وتفعيل التبادل الإقليمي، فضلاً عن دعوته لاعتماد نهج شامل في ما يتعلق بملف الهجرة، يكون قائماً على الحقوق، ويشمل جميع مستويات الحكومة ومسار الهجرة بأكمله، للحد من الهجرة غير النظامية، وحماية المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين، وتعزيز سياسات فعّالة للإعادة والقبول.

وأكد المجلس الأوروبي أهمية تعزيز الروابط بين الشعوب والدول لتعميق التفاهم المتبادل وخلق فرص للنمو والتنمية المستدامة، مشيراً إلى الإمكانات الكبيرة لزيادة التكامل الاقتصادي وتسهيل التجارة والاستثمار، وتطوير الاقتصاد الأزرق والطاقة، وتحسين الربط بين أوروبا وشركائها في الجنوب، بما يسهم في توفير فرص عمل وتعزيز الصمود الاقتصادي.

حجر الزاوية للتعاون "الأورومتوسطي"

في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، قال الأمين العام للاتحاد من أجل المتوسط:ناصر كامل "بعد ثلاثين عاماً، لا تزال عملية برشلونة حجر الزاوية في التعاون الأورومتوسطي. واليوم، نجدد رؤيتنا المشتركة من أجل منطقة متوسط يسودها السلام والازدهار والتضامن".

 

وذكر كامل أن الرؤية الجديدة للاتحاد "مبنية على مبدأ الترابط بين الشعوب والدول والاقتصادات، مع الحفاظ على الأهداف الأساسية المتمثلة في بناء اقتصاديات أكثر حركية، وتعزيز التجارة، والتصدي لتحديات التغير المناخي، وتوسيع مشاركة المرأة وتحقيق المساواة بينها وبين الرجل"، موضحاً أنها تقوم كذلك "على بناء منظمة أكثر قدرة على تنفيذ برامج فعالة تستند إلى التعليم، والتبادل، والتعاون بين الشعوب، إضافة إلى تعزيز الروابط الاقتصادية من خلال التجارة الحرة والاستثمار، وتقريب مراكز الإنتاج من الاستهلاك، والعمل على إنشاء سوق مشتركة للطاقة بالاستفادة من الإمكانات الهائلة للطاقة الشمسية والرياح في دول الجنوب".

ووفق كامل فإن "السنوات الثلاثين الماضية أسهمت في بناء هوية مشتركة بين ضفتي المتوسط، وترسيخ أطر واسعة للتعاون والمبادرات والمشاريع المشتركة، بحيث أصبحت الهوية الأورومتوسطية ثابتة في وعي المواطن العادي في الجنوب كما في الشمال"، مقراً في الوقت ذاته على أن المشروع "لم يحقق كامل أهدافه بعد، وأن ما تحقق يمثل جزءاً فقط من الطموح الأولي. فلا تزال الفجوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب قائمة، ولا تزال اختلالات النمو داخل اقتصاديات الضفتين تعكس الحاجة إلى مزيد من العمل لبناء فضاء أورومتوسطي أكثر ترابطاً وارتكازاً على تنمية عادلة ومتوازنة"، على حد وصفه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانبها، اعتبرت المفوضية الأوروبية لشؤون المتوسط دوبرافكا شويسا، إن المؤتمر الحالي يؤكد على أهمية التعاون في مجالات التعليم والاقتصاد وخلق مشاريع تعاون بين الجامعات الأوروبية والعربية في شمال أفريقيا وزيادة الاستثمارات مع دول الخليج وشمال أفريقيا، وكذلك التعاون في مجال الطاقة الجديدة والمتجددة ومجالات الهجرة والتوظيف والأمن وتطوير مشاريع ومبادرات جديدة"، مشيرة على أن الاتحاد الأوروبي "يسعى إلى أن يكون فاعلاً أساسياً في منطقة جنوب المتوسط".

وذكرت دوبرافكا أن مرور 30 عاماً على إعلان برشلونة يمثل "لحظة خاصة"، ليس للاحتفال، وإنما لتجديد الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الأورومتوسطي، واستحضار مسار طويل من الشراكة بين دول المنطقة، مشيرة إلى أن التجربة الممتدة لعقود ضمن إطار الاتحاد من أجل المتوسط أثمرت نتائج "مفيدة ومثمرة"، على رغم اختلاف المراحل والمسميات، وأن الاتحاد الذي يضم 43 دولة بات اليوم بحاجة أكبر إلى دراسات استراتيجية أعمق، وتحديد أوضح للفرص، والعمل على رفع مستويات الأمن والاستقرار والتعاون الثنائي والتنمية الإقليمية، إلى جانب تعزيز القدرة على الصمود وتوسيع نطاق الثقة المتبادلة.

وكان لافتاً كذلك إقرار الاتحاد من أجل المتوسط عودة سوريا إلى عضويته، وذلك بعد غياب استمر لنحو 13 عاماً، إذ شاركت دمشق في المحادثات ببرشلونة بوفد دبلوماسي ترأسه مدير الشؤون الأوروبية بوزارة الخارجية السورية محمد براء شكري.

أزمة غزة والانتهاكات الإسرائيلية تهيمن

من بين الملفات التي كانت مهيمنة على المحادثات وحتى كلمات المسؤولين الأوروبيين والعرب خلال المنتدى، كانت الأزمة الإنسانية في غزة وتبعات الحرب الإسرائيلية على القطاع، فضلاً عن انتهاكات تل أبيب المستمرة في كل من لبنان سوريا، إذ اعتبرها المسؤولون "تحدياً جيوسياسياً خطراً" من شأنه أن يعيق التعاون والتنسيق المنشود بين دول ضفتي المتوسط.

وخلال كلمته قال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، إن "حل الدولتين" يبقى السبيل الوحيد من أجل تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط، مشدداً على أن "الوقت حان لإنهاء كل هذه المعاناة وبناء سلام دائم"، وأن "ثمة حاجة لسلام عادل وشامل لكل شعوب المنطقة". وأشار في الوقت ذاته إلى أن "لا مستقبل للسلام في الشرق الأوسط إلا بإعطاء الشعب الفلسطيني حلاً عادلاً".

واعتبر ألباريس أن خطة السلام الأميركية في غزة وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الداعم لها "تشكل دليلاً لتطبيق حل الدولتين. هذا هو البديل الوحيد القادر على إعادة السلام والأمن لجميع شعوب الشرق الأوسط"، معتبراً أن الاتحاد من أجل المتوسط "هو الهيئة الوحيدة التي تضع تمثيل الفلسطينيين والإسرائيليين على الطاولة ذاتها".

وانتقد ألباريس عدم سماح إسرائيل بدخول مساعدات إنسانية كافية إلى قطاع غزة، واستمرار انتهاكات الدولة العبرية لكل من لبنان وسوريا بما يهدد الاستقرار والأمن في المنطقة.

من جانبه، انتقد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، مشيراً إلى "رفض إسرائيل الاعتراف بالقانون الدولي وإفلاتها من العقاب" على رغم "الإبادة الجماعية" التي ارتكبتها في غزة. وشدد بالقول: "لا يمكننا الاستمرار في التصرف وكأن شيئاً لم يحدث"، مضيفاً أنهم لن يقبلوا أبداً بإقامة نظام فصل عنصري ضد الفلسطينيين، وأن السعي إلى حل الدولتين سيستمر.

بدورها، أكدت المفوضية الأوروبية لشؤون المتوسط دوبرافكا شويسا، على الجهود التي يبذلها الاتحاد الأوروبي للوصول إلى السلام في الشرق الأوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين"، قائلة إن "هناك حالياً اتفاقاً لوقف إطلاق النار وهو أمر مهم لتحقيق تقدم في مسار السلام، وقد قام الاتحاد الأوروبي بإدانة التصرفات الإسرائيلية، ونبذل قصارى جهدنا لمساعدة الفلسطينيين ونتحدث مع السلطة الفلسطينية"، مدينة في الوقت ذاته "استمرار اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين في الضفة الغربية"، ولافتة إلى أن الاتحاد الأوروبي استثمر 1.3 مليار يورو لتحسين أوضاع الفلسطينيين.

هل يستمر هذا الزخم؟

أمام تعقد المشهد الجيوسياسي والأمني في دول جنوب المتوسط، وعلى رغم الزخم والحراك الأورومتوسطي الراهن، إلا أن السؤال في أروقة الاتحاد من أجل المتوسط تتمثل في كيفية تجاوز تلك التحديات والوصول نحو تحقيق الأهداف المعلنة في تعميق التعاون والتنسيق سوءاً على صعيد الشعوب أو البلدان أو الاقتصادات، وهو ما تتباين الآراء حوله.

يقول السفير مايكل كوهلر هو باحث أقدم في معهد دراسات التنمية الأوروبية (ODI) وسفير وشريك في مبادرة "الاتفاق الكبير"، إن ما من شك أن اللحظة الراهنة فارقة في العمل الأورومتوسطي، إلا أن ما تتطلبه هو "أن يظهر القادة السياسيون مزيداً من الإرادة لحل التحديات العالقة والمضي قدماً نحو تحقيق تلك الأهداف المعلنة"، موضحاً في حديثه إلينا: "أعتقد أن هناك حاجة ملحة ومصلحة مباشرة لكافة الدول المتوسطية لتعزيز وتعميق التعاون بين ضفتي المتوسط، وهناك الكثير من الإمكانات والقدرات المتوافرة لتلك الدول لحل أي تحديات وأي أزمات تعيق ذلك التعاون وذلك في ما يتعلق بالسياسة والأمن".

وذكر كوهلر: "نحن نعيش في المنطقة نفسها وعلينا حلحلة التحديات بشكل جماعي"، وتابع: "نمتلك الآن استراتيجية عمل جديدة لتعميق هذا التعاون لكن الأمر لا يتعلق بأعداد الوثائق والخطط، بل بالعزيمة والإصرار لتحقيق أهداف تلك الخطة، لذا آمل في أن تتوافر الإرادة السياسية لتحقيق ذلك".

وتابع: "بالتأكيد تؤثر المشكلات والأزمات الجيوسياسية على العمل الجماعي للاتحاد من أجل المتوسط، إذ تمتلئ منطقة جنوب المتوسط بالتحديات السياسية والأمنية سواء في ما يتعلق بالصراع بين فلسطين وإسرائيل أو الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في لبنان وسوريا، فضلاً عن صراع وأزمات في العلاقات بين المغرب والجزائر، واضطرابات في ليبيا وغيرها، لكن علينا ألا نبقى رهائن لتلك التحديات، وإيجاد الأرضيات المشتركة للتعاون وتحقيق الأهداف".

من جانبها، تقول المشارك الأول في المركز الأورومتوسطي فيرونيكا كاسرتيلي إن هذه اللحظة بالتأكيد تمثل "لحظة مهمة لتعزيز التعاون الأورومتوسطي ولا بد من البناء عليها لتعزيز وتعميق التعاون مع التأكيد على أهمية الوصول لحلول سياسية للأزمات التي تعيق هذا التعاون"، مضيفة في حديثها معنا: "ما نحتاجه هو تعزيز قنوات التواصل المباشر بين المجتمعات وحكومات الدول لحل الأزمات والتحديات التي قد تواجه أي عمل جماعي مشترك".

المزيد من تقارير