Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غينيا بيساو... انقلاب عسكري يعيد البلاد لنقطة الصفر

الجيش رفض نتائج الانتخابات التي تمنح الرئيس ولاية ثانية واحتجزوه مع نائبه ورئيس الأركان ووزير الداخلية

وجد الرئيس أومارو سيسوكو إمبالو نفسه موقوفاً داخل مكتبه إلى جانب رئيس الأركان ونائبه ووزير الداخلية (أ ف ب)

ملخص

في بلد تشكل فيه الهوية والعرق خيطاً متشابكاً في بنية السلطة، يصبح أي صراع سياسي مهدداً بالتحول إلى شرخ اجتماعي، والجيش نفسه تشكل تاريخياً من مدنيين حملوا السلاح ضد المستعمر ثم تحولوا إلى قادة عسكريين، وهو ما جعل المؤسسة العسكرية تتصرف أحياناً كوصي على الدولة لا كجزء منها.

لم يكن يوماً عادياً في بيساو عاصمة غينيا بيساو، إذ كانت المدينة التي تنام في حضن خليج غينيا الذي يصب في المحيط الأطلسي على موعد ظهر أمس الأربعاء بانقلاب كسر هدوء حياة نصف مليون غيني يعيشون في مدينة تصدر المطاط والفول السوداني وتحتفظ أزقتها بحكايات أربعة رؤساء مفجوعين بخيبات ضياع حكمهم، إذ ظلت قصص الانقلابات الناجحة شبحاً يهدد التجربة الديمقراطية لبلد شهد عدداً من المحاولات الانقلابية الفاشلة.

دوى إطلاق نار قرب القصر الرئاسي في وقت كانت فيه البلاد تستعد لخطوة مفصلية في تاريخها السياسي، وساعات قليلة فقط قبل إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية وجد فيها الرئيس أومارو سيسوكو إمبالو نفسه موقوفاً داخل مكتبه إلى جانب رئيس الأركان ونائبه ووزير الداخلية، في مشهد أعاد للأذهان دورة الانقلابات التي لم تغادر هذه الدولة الصغيرة منذ عقود.

بعد ساعات قليلة ظهر ضباط عسكريون أطلقوا على أنفسهم اسم المجلس الأعلى لاستعادة النظام يتلون بياناً شديد اللهجة، أكدوا فيه توقف العملية الانتخابية وبث القنوات والإذاعات في البلاد.

الانتخابات شرارة سبقت العاصفة

على رغم أن الانتخابات جرت بسلام نسبي، ما عدا بعض المناوشات، إلا أنها، وفق مراقبين، كانت الشرارة التي أشعلت النار في البلاد.

ويقول الباحث في الشأن الأفريقي إسماعيل يعقوب الشيخ سيديا، إن "جذور الأزمة تكمن في جزئية حساسة تتعلق بالانتخابات نفسها، خصوصاً منع أكبر مرشح معارض من الترشح بحجة تقديم ملفه متأخراً".

ويضيف الشيخ سيديا أن اعتقال المرشح الذي رفض ترشحه واعتقال المرشح المعارض، الذي قبل ترشحه ثم توقيف الرئيس وقائد الأركان ووزير الداخلية يعني عملياً أن كل الفاعلين في العملية الانتخابية وجدوا أنفسهم خلف القضبان، وبالتالي فإن "الانقلاب مرتبط بالانتخابات ولا يمكن فصله عنها".

الانتخابات كانت ستمنح إمبالو فرصة نادرة في تاريخ البلاد، وهي الفوز بولاية ثانية، وهو ما لم يحدث مطلقاً منذ إدخال التعددية السياسية في تسعينيات القرن الماضي.

ومع استبعاد منافسه الأقوى دومينغوس سيموينس بيريرا أعلن الرئيس منذ البداية أنه الأقرب للفوز بنسبة قد تبلغ 60 في المئة، وكانت تلك سابقة هي الأولى ومكمن القلق.

دولة تقف على حافة إرثها

يعج تاريخ غينيا بيساو بالانقلابات، إذ نجح أربعة عسكريين في قلب نظام الحكم، بينما أخفق عدد من زملائهم في ما نجح فيه زملاؤهم من أصحاب الأحذية الخشنة، وبحسب الشيخ سيديا فإن علاقة العسكريين بالسياسيين شديدة التعقيد، لكنها ليست وحدها المحددة، فهناك عنصر ثالث لا يقل تأثيراً هو العرق، فمعظم القادة العسكريين ينتمون إلى عرقية "بالانتا"، بينما ينحدر غالب الساسة وبينهم الرئيس المطاح به من "الفلان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي بلد تشكل فيه الهوية والعرق خيطاً متشابكاً في بنية السلطة يصبح أي صراع سياسي مهدداً بالتحول إلى شرخ اجتماعي، والجيش نفسه تشكل تاريخياً من مدنيين حملوا السلاح ضد المستعمر ثم تحولوا إلى قادة عسكريين، وهو ما جعل المؤسسة العسكرية تتصرف أحياناً كوصي على الدولة لا كجزء منها.

انقسام وصدمة في القصر

لم يكن انقلاب غينيا مفاجئاً للمهتمين بالشأن السياسي في القارة الأفريقية، إذ إن انتشار الفساد وتردي الأوضاع الخدمية في أوساط السكان وتفشي المحسوبية والشللية في مفاصل الجيش وقوات الأمن أمور تدفع قادة المؤسسة الأكثر تنظيماً في البلاد إلى التدخل، بسبب ما ذكره بيان الانقلابين من حياكة مؤامرة ضد الدولة.

ويرى الصحافي المتخصص في القضايا الأفريقية محفوظ ولد السالك أن ما جرى ليس مجرد انقلاب، بل هو انعكاس لانقسام واضح داخل المؤسسة العسكرية، مشيراً إلى أن توقيف الرئيس ورئيس الأركان ونائبه يظهر أن كبار قادة المؤسسة لم يكونوا على علم بالعملية.

ويضيف ولد السالك أن الجيش في غينيا بيساو ضالع منذ سنوات في محاولات انقلابية متتالية، وقد سبق للرئيس إمبالو أن تحدث قبل عامين عن محاولة انقلاب غير معلنة شارك فيها سياسيون في البرلمان، مما أدى لاحقاً إلى حله.

لكن المفارقة، وفق ولد السالك، أن هذا الانقلاب وقع قبل ساعات من إعلان نتائج انتخابات مفصلية كان إمبالو فيها يسابق نفسه عملياً بعد إقصاء منافسه الشرس بيريرا.

بلد هش وسكان تحت خط الفقر

الأثر الداخلي للانقلاب يبدو ثقيلاً على بلد هو أصلاً في حالة هشاشة، فغالبية السكان يعيشون تحت خط الفقر، والمؤسسات لا تزال تتأرجح بين سلطة مدنية ضعيفة ومؤسسة عسكرية مترهلة لكنها واسعة النفوذ.

ولا تشهد البلاد استقراراً سياسياً منذ سنوات، مما يجعل أية شرارة صغيرة كانت أو كبيرة قابلة لإشعال سلسلة من الأزمات، وكان الانقلاب متوقعاً في أي وقت، بحسب ولد السالك، لكن ليس قبل إعلان نتائج الانتخابات، وهو توقيت اعتبره كثيرون الأكثر إثارة للدهشة.

بلد يكرر نفسه

غينيا التي تكرر تفاصيل مأساة حكمها كل عقد، تبدو اليوم مأزومة داخلياً بسبب الواقع الاقتصادي الصعب، ولا أمل يلوح في أفق بلد أرهقته المآسي السياسية، ويرجح متابعون أن تكون تداعيات الانقلاب كبيرة على الجوار المباشر لغينيا بيساو، لكنها كما يرى ولد السالك قد تشكل حافزاً لجيوش في دول أفريقية أخرى تشهد أزمات مشابهة، فالانقلابات التي شهدتها منطقة الساحل وغرب أفريقيا خلال السنوات الأخيرة خلقت عدوى سياسية يبدو أن بيساو أضافت إليها حلقة جديدة.

وبهذا الانقلاب تعود غينيا بيساو لنقطة البداية في دورة تبدو غير قابلة للكسر، انتخابات توترات اتهامات ثم انقلاب، وحتى يتغير هذا المسار ستحتاج البلاد إلى ما هو أبعد من الانتخابات والانقلابات، ستحتاج إلى دولة تستطيع أن تحتوي تاريخها قبل أن تحاول كتابة مستقبل جديد.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات