Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدفع صدام... قصة صراع دبلوماسي مستمر بين لندن وأثينا

كان جزءاً من برنامج العراق السري لتطوير قاذفة فائقة القوة مما أثار مخاوف دولية من احتمال وصول هذه التكنولوجيا الحساسة إلى أيد خاطئة

أطلق مدفع صدام سجالاً دبلوماسياً بين بريطانيا واليونان (اندبندنت عربية)

ملخص

على مدى أعوام وجدت قضية مدفع صدام، الذي عُـرف بـ"مشروع بابل"، نفسها عالقة بين السلطات البريطانية واليونانية في صراع دبلوماسي معقد، إذ تصاعدت التوترات حول مسألة السيطرة على هذه المعدات العسكرية الفائقة السرية، بعدما ضبطت أجزاء من المدفع العراقي داخل ميناء باتراس باليونان... فماذا جرى بين البلدين؟

تعود القصة لعام 1990 حين ضبطت أجزاء من المدفع العراقي العملاق المعروف باسم "مشروع بابل" داخل ميناء باتراس باليونان، وهذه الأجزاء الثقيلة كانت جزءاً من برنامج العراق السري لتطوير مدفع فائق القوة، وقد أثارت مخاوف دولية من احتمال وصول هذه التكنولوجيا الحساسة إلى أيدي خاطئة، وما قد يمثله ذلك من تهديد للأمن الإقليمي والعالمي.

على مدى أعوام وجدت هذه القضية نفسها عالقة بين السلطات البريطانية واليونانية في صراع دبلوماسي معقد، إذ تصاعدت التوترات حول مسألة السيطرة على هذه المعدات العسكرية فائقة السرية، وفي خطوة رسمية رفعت وزارة الخارجية البريطانية الطابع السري عن مراسلاتها المتعلقة بهذه القضية في يونيو (حزيران) الماضي من خلال فتح الملف الذي يحمل اسم الوصف: (العراق: مكونات مدفعية ثقيلة "مدفع عملاق" لمشروع بابل - شحنة باتراس)، وأصبح بذلك متاحاً كسجل عام مفتوح، مما يعكس الأهمية التاريخية والسياسية لهذه الأحداث وما تركته من أثر في العلاقات الدولية.

البداية والمخاوف الدولية

بدأت المراسلات الرسمية حين وجّه ريتشارد بيكسون من وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث البريطانية رسالة إلى فيونا مور في السفارة البريطانية في أثينا، عبّر فيها عن القلق العميق للجمارك البريطانية رغم أن البلاد لم يكن لديها "مصلحة مباشرة" في الأجزاء نفسها.

وشدد بيكسون على أهمية التواصل مع وزارة الخارجية اليونانية والوزارات المعنية لإيصال ثلاث رسائل، أولاً أن التقارير تشير إلى دراسة اليونان التخلص من الأجزاء المصادرة، وثانياً أن موضوع التخلص من أجزاء المدفع العملاق يحمل بعداً دولياً كبيراً، وثالثاً أن بريطانيا لا تعارض عرض الأجزاء في متحف، لكنها تأمل ألا تُطرح للبيع بأي شكل من الأشكال، وقد طلب من الجانب اليوناني تزويد لندن بأي ردود فور ورودها لضمان متابعة دقيقة للقضية.

 

وفي تلك المرحلة تدخلت فيليبا موراي من وزارة الخارجية والكومنولث لتلخيص المستندات المتعلقة بالقضية في رسالة إلى السيد راسل، موضحة أهم التواريخ والمحطات الأساس، من إغلاق قضية Ashwell  في اليونان في يونيو 1990، وإسقاط الجمارك البريطانية القضية المتعلقة بالمدفع العملاق في نوفمبر (تشرين الثاني) 1990، ثم صدور الحكم النهائي بمصادرة الأنابيب لمصلحة التاج البريطاني في يناير (كانون الثاني) 1992.

وأشارت موراي أيضاً إلى عدم وجود دليل على قيام المسؤولين البريطانيين بالزيارة المقترحة إلى اليونان عام 1991، مما يعكس توقف متابعة القضية من جانب بريطانيا، لأنها أصبحت في نهاية المطاف من اختصاص السلطات اليونانية وحدها.

تجدد الاهتمام والصراع على المصير

ولم يُنس الموضوع تماماً فقد عاد للواجهة عام 1995 بعد نشر تقرير في المجلة اليونانية الساخرة "بونتيكي"، أشار إلى أن أجزاء المدفع لا تزال محتجزة داخل مستودع عسكري في باتراس، وأن وزارتي الدفاع والمالية في اليونان تتنازعان حول مصيرها، ووفق التقرير ترغب وزارة الدفاع في الاحتفاظ بالأجزاء لعرضها لاحقاً في متحف الحرب، بينما تفكر وزارة المالية في التخلص منها وبيعها وفق القوانين التي تسمح ببيع الأسلحة المصادرة أو المستوردة بطريقة غير قانونية.

وعلى إثر هذا التقرير أرسلت فيونا مور من سفارة لندن في أثينا رسالة عاجلة إلى وزارة الخارجية البريطانية تطلب توجيهاً واضحاً في شأن كيفية مخاطبة الجانب اليوناني بعد مرور أربعة أعوام من آخر اتصال رسمي، وأعادت مور التذكير بالموقف البريطاني الذي وضع عام 1991 ونص على ضرورة عدم إتلاف الأجزاء إذا كانت لازمة لإجراءات قانونية في المملكة المتحدة، وضرورة بقاء الأجزاء داخل اليونان أو إتلافها مع منع خروجها تحت أي ظرف، نظراً إلى حساسية القضية وأبعادها الأمنية والدبلوماسية، وأيضاً طلبت صياغة بيان رسمي يمكن استخدامه في المفاوضات مع السلطات اليونانية، إضافة إلى إعداد ردود جاهزة للتعامل مع الإعلام في حال توسعت التغطية الصحافية.

 

وفي رسالة لاحقة بتاريخ الثاني من أغسطس (آب) أعادت فيليبا موراي لراسل سرد تفاصيل القضية والتواريخ المهمة، مؤكدة أن قرار التخلص من الأجزاء كان من اختصاص السلطات اليونانية وحدها، وأن أية معلومات عن مصيرها بعد ذلك غير متوافرة في السجلات البريطانية، لأن متابعة الموضوع لم تعد من مسؤولية المملكة المتحدة، وهذه السلسلة الطويلة من المراسلات تعكس تعقيد القضايا الدولية التي تجمع بين الأمن والقانون والسياسة، وتوضح كيف يمكن لقضية فنية بحتة أن تتحول إلى مسألة دبلوماسية حساسة تمتد لأعوام طويلة من دون حل نهائي.

مراسلات حول مصير أجزاء المدفع العراقي العملاق

في مطلع مارس (آذار) 1995 أرسل ريتشارد بيكسون من قسم الشرق الأوسط رسالة إلى السيد روير بخصوص المدفع العملاق العراقي وشحنة باتراس، وأرفق بيكسون نسخة من تيلي ليتر من أثينا توضح طلب السفارة وضع موقف رسمي للتعامل مع السلطات اليونانية في شأن التخلص من أجزاء المدفع التي صادرتها الجمارك اليونانية عام 1990.

 

وأشار بيكسون إلى نقطتين تحتاجان إلى النظر: أولاً ما إذا كانت الجمارك البريطانية لا تزال مهتمة بهذه الأجزاء، مستنداً إلى رسالة فيليبا موراي بتاريخ الثاني من أغسطس 1994 التي توضح أن الاهتمام قد انتهى، وثانياً ما إذا كانت الأجزاء لا تزال صالحة للاستخدام وقد تثير اهتمام مشتر محتمل، محذراً من إحراج محتمل إذا انتهى الأمر بهذه الأجزاء في مخازن أسلحة وطنية معينة، مع الإشارة إلى رسالة وزارة الدفاع عام 1990 التي قد تكون ذات صلة.

وأرفق بيكسون مسودة رد مقترحة لأثينا استناداً إلى هذه النقاط طالباً التعليقات بحلول نهاية الثلاثاء السابع من مارس (آذار).

رسالة بريطانية حول مصير شحنة المدفع العملاق في اليونان

وفي الثامن من مارس 1995 أرسل ريتشارد بيزون من قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية البريطانية رسالة سرية إلى فيونا مور في أثينا بخصوص شحنة المدفع العملاق العراقي إلى باتراس، فشكر بيزون مور على برقيتها بتاريخ الـ 24 من فبراير (شباط) الموجهة إلى ديفيد فيتتون موضحاً أن الجمارك البريطانية لم تعد مهتمة بالأجزاء نفسها، لكنه أعرب عن قلقه من احتمال وصولها إلى أيدي خاطئة.

وطلب من مور التواصل مع وزارة الخارجية اليونانية والوزارات المعنية الأخرى لتوضيح النقاط التالية:

 

أولاً، تشير التقارير إلى أن التخلص من أجزاء المدفع العملاق المصادرة عام 1990 لا يزال قيد الدرس.

ثانياً، على رغم عدم وجود مصلحة مباشرة للجمارك البريطانية في الأجزاء لكن التخلص منها يمثل مسألة دولية مهمة.

 ثالثاً، لا مانع لديهم من عرض الأجزاء في المتاحف لكنهم يأملون بأن ترفض اليونان عرضها للبيع، كما طلب بيزون أن تُبلغ أي ردود فعل من الجانب اليوناني عند توافرها.

توجيهات بريطانية في شأن مصير شحنة المدفع العملاق

في الـ 13 من مارس 1995 أرسل ريتشارد بيزون رسالة سرية إلى فيونا مور في أثينا بخصوص شحنة المدفع العملاق العراقي إلى باتراس، وأشاد بيزون بتلقي تيلي ليتر مور في الـ 24 من فبراير الموجهة إلى ديفيد فيتتون، موضحاً أن الجمارك البريطانية لم تعد مهتمة بالأجزاء نفسها إلا أنهم لا يزالون قلقين من احتمال وصولها إلى أيدي خاطئة.

وطلب بيزون من مور التواصل مع وزارة الخارجية اليونانية والوزارات المعنية الأخرى لمعالجة الأمر بما يشمل النقاط التالية:

 

أولاً، أن التقارير تشير إلى أن التخلص من أجزاء المدفع العملاق المصادرة عام 1990 لا تزال قيد الدرس.

 ثانياً، على رغم أن الجمارك البريطانية لا تمتلك أية مصلحة مباشرة في الأجزاء لكن التخلص منها يمثل مسألة ذات اهتمام دولي بالغ.

ثالثاً، لا مانع لديهم من عرض الأجزاء في المتاحف لكنهم يأملون بأن ترفض اليونان بيعها، وأكد بيزون ضرورة إرسال أي رد فعل من الجانب اليوناني عند توافره.

صراع اليونان على أجزاء المدفع العراقي

في الـ 24 من فبراير 1995 أرسلت فيونا مور من أثينا رسالة سرية إلى ديفيد فيتتون في وزارة الخارجية البريطانية حول أجزاء المدفع العملاق العراقي المصادرة في ميناء باتراس عام 1990 والتي لا تزال محتجزة داخل المستودع العسكري بالمدينة، وذكرت مور أن الوزارات اليونانية كانت تتجادل حول مصير هذه الأجزاء وطلبت إرشادات حول الموقف الذي ينبغي اتخاذه في التعامل مع وزارة الخارجية اليونانية، إضافة إلى صياغة بيان صحافي محتمل، وأوضحت مور أن آخر تبادل للرسائل مع اليونانيين كان في يناير عام 1991 عندما ناقش روبرت كولشو، حينها نائب رئيس البعثة الدبلوماسية، الأمر مع وزارة الخارجية اليونانية وفق تعليمات رسالة من سايمون بيج في الثامن من يناير 1991 تضمنت ما يلي:

أولاً، نظراً إلى احتمال الحاجة إلى أجزاء المدفع في إجراءات قانونية في المملكة المتحدة فلا ينبغي تدميرها موقتاً.

 

ثانياً، بسبب الحساسية الاستثنائية لقضية المدفع العملاق كان من المفضل أن تحتفظ اليونان بالأجزاء أو تدمرها.

 ثالثاً، تحت أي ظرف يجب عدم إخراج الأجزاء من الإشراف الرسمي أو السماح لها بمغادرة البلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشارت مور إلى أن مجلة يونانية ساخرة نشرت قصة عن المدفع العملاق وادعت أن وزارة الدفاع ووزارة المالية تتصارع على الأجزاء، فالأولى ترغب في الاحتفاظ بها في المستودع حتى يمكن عرضها في متحف الحرب، بينما تفكر الثانية في بيعها وفق التشريعات اليونانية المتعلقة بالأسلحة المصادرة، وأوضحت مور أن القنصلية البريطانية في باتراس تحقق في صحة هذه المزاعم وأنهم أبدت اهتمامها بالموضوع لدى وزارة الخارجية اليونانية، وطلبت مور توجيهات حول الموقف الواجب اتخاذه بعد مرور أربعة أعوام، خصوصاً حول الأسباب التي قد تمنع اليونان من بيع الأجزاء، إضافة إلى إعداد بيان صحافي باكر تحسباً لتغطية إعلامية أخرى.

مخاوف من الاستنباط والتصنيع العكسي للمدفع

تلقى قسم التحقيقات التابع لجورج سانبروك استفساراً من موريس بايهام حول رغبته في الحصول على أجزاء من المدفع العملاق لاستخدامها في برنامج علمي، وأشار بايهام إلى معرفته بأماكن وجود جميع الأجزاء المصادرة باستثناء خمسة أنابيب كانت تحت إشراف مختبر الأبحاث الدفاعية البريطانية، وقد جرى توضيح أن المتاحف هي الجهة المتخصصة بالنظر في طلبات الإفراج عن الأجزاء، وأن أي تسليم يخضع لشروط صارمة.

 

وادعى بايهام أن استخدامه للأجزاء سيكون في تصنيع قطع لأوعية ضغط عالية تتحمل أعماق المياه وربما تجهز بمعدات الواقع الافتراضي المستخدمة في تصنيع ودعم التحكم في الدبابات العسكرية، مشيراً إلى أنه يعمل الآن في شركة تقوم بتطويرات تحت سطح البحر، وقد أُبلغ أنه يمكن التحقق من صحة ادعاءاته، وتبين أن بايهام ليس لديه سجل جنائي وأنه يمكن متابعة إمكان حصوله على الأجزاء الخمسة التي لم يُتعرف على أماكنها حالياً، مع اقتراح أن يقوم مختبر بالمشاركة في أي مشروع مشروع علمي حقيقي إذا سمحت بذلك الإدارة العليا.

وأشار مسؤول الجمارك مايك توربي إلى خطر الاستنباط العكسي (Reverse Engineering) للأجزاء، إذ يمكن إعادة إنتاج التكنولوجيا العسكرية، ومع ذلك لم يُعتبر الاتصال الذي تلقوه مكالمة غير جدية وجرى التأكيد على التعامل مع الطلب بحذر شديد.

مصير أجزاء المدفع العراقي في اليونان

في أواخر مايو (أيار) 1995 تابعت السفارة البريطانية في أثينا ملف أجزاء المدفع العملاق العراقي المصادرة في ميناء باتراس منذ عام 1990، وبعد أن أثارت السفارة الموضوع مع نائب رئيس إدارة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية اليونانية خريستوبولوس في الـ 15 من مارس، تعهد الأخير بالتحقق لكنه عاد لاحقاً ليؤكد أن الاتفاق في أوائل عام 1991 كان يقضي بأن لليونانيين حرية التصرف في الأجزاء كما يشاؤون، وردت السفارة بكتاب موجه إلى رئيس إدارة الشرق الأوسط الذي كان مسؤولاً عن القضية آنذاك، لتصحيح هذا الانطباع وتأكيد استمرار القلق البريطاني تجاه مصير الأجزاء، مع انتظار ردود من وزارة الدفاع اليونانية التي سبق لملحق الدفاع البريطاني أن تواصل معها في مارس.

 

وفي السابع من يونيو 1995، ناقشت السفارة القضية مع رئيس إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية اليونانية كليس، والذي اعترف بأن المسألة أصبحت مصدر إحراج للسلطات اليونانية، موضحاً أن قائد القاعدة العسكرية في باتراس ضاق ذرعاً بالأجزاء المكدسة داخل موقعه، بينما لا ترغب أية جهة في تولي مسؤوليتها، وسخر كليس من الفكرة المتداولة في الصحافة حول عرض الأجزاء في متحف، متسائلاً "أي متحف قد يقبل بها؟".

وأبلغت السفارة الجانب اليوناني أن المصلحة البريطانية الوحيدة هي أن يجري التخلص من الأجزاء بطريقة نهائية وغير مثيرة للجدل، وردّ كليس بأن إحدى الأفكار قيد الدرس وهي استخدامها كخردة معدنية، وإذا تبين أن للمعادن قيمة بيع فقد تُوجه العائدات إلى صندوق رعاية الجيش اليوناني، وطلبت السفارة حينها تأكيداً من لندن حول مدى قبول هذه الخطوة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير