ملخص
يمتلك الطعام قوة استثنائية في الدبلوماسية لأنه يتجاوز كونه مجرد غذاء ليصبح وسيلة اتصال إنسانية فريدة، تجمع بين الرمزية والعواطف والحواس، فهو يتحدث لغة عالمية تتجاوز الحواجز اللغوية ولا يحتاج إلى ترجمة، فالجميع يفهم لغة الاستمتاع بطعم لذيذ ورائحة شهية ومظهر أنيق.
في قصور الرئاسة وقاعات القمم العالمية، حيث تدار مفاوضات مصيرية وتصنع قرارات تغير ملامح العالم، ثمة لاعب خفي لا يقل تأثيراً عن الخطابات الرنانة والاتفاقات السياسية، لاعب لديه لغة أخرى في الكلام، لغة لا تعلن بل تقدم، ولا تكتب بل تُطهى.
إنها موائد الطعام الدبلوماسية، فوراء كل علاقة دولية تاريخية مأدبة عشاء، وخلف كل تحالف إستراتيجي كبير وليمة دبلوماسية، وفي هذه المساحات التي تجمع بين رائحة الطعام ونفَس السياسة، بين أناقة المائدة ودهاء السياسة، تصنع التحالفات وتذوب الخلافات، حيث يصبح حساء القرع جسراً للتقارب ولحم الضأن رسالة ثقة والحلوى وعداً بمستقبل أكثر جمالاً، إنها اللحظات التي تتحول فيها الأطباق إلى سفراء صامتين، والمذاقات إلى لغة عالمية تفوق قوة الخطابات الرسمية.
ومن مآدب السلام التي غيرت خريطة العالم إلى ولائم المصالحة التي طوت صفحات العداء، ظل الطعام شاهداً على تحولات كبرى في السياسة الدولية، فكيف استطاعت هذه الوجبات أن تلعب دوراً إستراتيجياً في تشكيل السياسات الخارجية للدول؟
دراسة حديثة
تتشكل التحالفات وتشتعل المشاعر وتتغير السياسات العالمية، وقد يحدث كثير أثناء العشاء والكوكتيلات، فمهما كان الوقت فإن دعوة العشاء تحمل أهمية خاصة، وكثيراً ما استخدم الجلوس لتناول وجبة مع الأصدقاء أو الزملاء أو المنافسين عبر الثقافات وعلى مر العصور كفرصة للتواصل والمشاركة والاحتفال.
وعبر التاريخ اعتاد الملوك والملكات إقامة الولائم الباذخة لاستعراض الثروة والرخاء والسلطة، ففي منتصف القرن الـ 20 في أميركا كانت حفلات العشاء غالباً ما تمثل تجسيداً للمكانة الاجتماعية المتصاعدة ووسيلة لتوطيد العلاقات المهمة، بل إن دعوة الآخرين إلى الجلوس على المائدة، كما يقال، تمثل إشارة إلى الثقة والشفافية بين الخصوم.
وفي دراسة نشرت في مجلةFrontiers in Political Science، تناولت بالتفصيل كيفية تأثير قائمة طعام في السلطات السياسية، فحص فريق من الباحثين في البرتغال مئات قوائم الطعام من حفلات عشاء دبلوماسية ومآدب رسمية وحفلات استقبال أقيمت على مدى القرنين الـ 20 والـ 21، وقد أوضح الباحث في علوم الطهي في المركز الباسكي للطهي والمشارك في الدراسة، أوسكار كابرال، أن هذه "الوجبات تؤدي دوراً مهماً كمؤسسات دبلوماسية في تنفيذ واستمرار السياسة الخارجية البرتغالية، فهي تظهر كيف سهّل الطهي والتذوق المفاوضات الدبلوماسية ووفر فرصاً للتبادل الثقافي والرسائل السياسية ونقل الثقافة البرتغالية".
والدراسة التي عملت على تحليل 457 قائمة طعام رسمية برتغالية دبلوماسية يعود تاريخها للفترة ما بين عامي 1910 و2023، اعتبرت كل واحدة منها وثيقة سياسية، فقد سجلت أسماء الحضور وكيفية تنظيم الدورات ومصادر المكونات وكيفية وصف الأطباق، ومن خلال هذه المجموعة من البيانات حدد الباحثون خمسة أدوار دبلوماسية مميزة، فقد مثلت الوجبات التكتيكية زيارات حساسة أو تحولات إقليمية، في حين أكدت الوجبات الجيوسياسية التحالفات عبر أوروبا وداخل الـ "ناتو"، وسلطت الوجبات الدبلوماسية الاقتصادية الضوء على العناصر المرتبطة بالتجارة أو أسواق التصدير، وأسهمت الوجبات العلمية والثقافية والتنموية في مواءمة البرتغال مع المشاريع المشتركة، وعززت الوجبات التي تعنى بالتقارب الثقافي العلاقات مع الدول الناطقة بالبرتغالية.
قوة استثنائية
يمتلك الطعام قوة استثنائية في الدبلوماسية لأنه يتجاوز كونه مجرد غذاء ليصبح وسيلة اتصال إنسانية فريدة تجمع بين الرمزية والعواطف والحواس، فهو يتحدث لغة عالمية تتجاوز الحواجز اللغوية ولا يحتاج إلى ترجمة، فالجميع يفهم لغة الاستمتاع بطعم لذيذ ورائحة شهية ومظهر أنيق، وبينما قد تعوق الحواجز اللغوية المحادثات الرسمية فإن الوجبة المشتركة تخلق مساحة مشتركة من الفهم غير اللفظي، ويلمس الطعام الجانب العاطفي والإنساني الأساس، إذ يثير مشاعر الأمان والرعاية، كالحال في طفولتنا، مما يخلق جواً من الثقة والانفتاح ويجسد في أماكن أخرى القوة الناعمة في أبهى صورها، ويخلق مساحة للمساواة والتبادل، فحول مائدة الطعام يصبح الجميع متساوين يجلسون ويأكلون الوجبة ذاتها ويخضعون للتجربة الحسية ذاتها، إضافة إلى أنه يحمل طبقات عدة من المعنى الرمزي، فالمكونات يمكن أن ترمز للسلام مثل زيت الزيتون أو الرفاهية مثل الكافيار أو البساطة كالخبز، كما أن طريقة التقديم تعكس التقاليد والقيم، من البروتوكول الصارم للمآدب الأوروبية إلى البساطة الواعية للوجبات اليابانية، فيما يوافر الطعام غطاء للتفاعل غير الرسمي، فكثيراً ما تتخذ القرارات الحقيقية في هذه اللحظات غير الرسمية، مثل جلسات الاجتماع على هامش القمم.
وتعبّر ولائم الطعام عن الاحترام الثقافي العميق عبر بذل الجهد لمعرفة وتقديم أطباق تليق بثقافة الضيف أو تقاليده الدينية، مما يرسل رسالة قوية بالاحترام والرغبة في التفاهم، وهذا الاحترام يبني رأسمال عاطفياً يمكن استنفاده في المفاوضات الصعبة ويعمل كجسر بين الماضي والمستقبل، فكثير من الأطباق التقليدية يحمل قصص سلام أو مصالحة تاريخية.
وأخيراً هناك السبب النفسي العميق الذي تشرحه نظرية "الارتباط المشترك" في علم النفس، بأن المشاركة في نشاط ممتع ومشترك، مثل تناول وجبة لذيذة، يخلق إفراز الإندورفين في الدماغ مما يعزز المشاعر الإيجابية تجاه الآخرين، والارتباط الشرطي حين تربط العواطف الإيجابية الناتجة من الطعام بالشخص الذي تشاركه الطعام، لذا يبقى الطعام واحداً من الروابط العالمية القليلة التي يمكنها جمع الخصوم حول مائدة واحدة، وتذكيرهم بإنسانيتهم المشتركة قبل أن يبدأوا في مناقشة خلافاتهم.
النص المخفي
وبما أن قوائم الطعام في الدبلوماسية مثل النص الخفي للمفاوضات، فكل طبق كلمة وترتيب الوجبات هو جملة، والرسالة الإجمالية هي خطاب سياسي، لذا فالإعداد لها لا يقل عن الإعداد لأجندة المفاوضات، إذ إن تأثيرها النفسي والرمزي يمكن أن يهيئ الأجواء للنجاح أو الفشل مما يجعل طاهي القصر دبلوماسياً بقدر ما هو فنان طهي، فعندما زار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون الصين عام 1972، كانت كل وجبة جزءاً من الأداء الدبلوماسي، فقد أراد المضيف الصيني تشو إنلاي إبهار الأميركيين بعراقة وروعة المطبخ الصيني، بينما أراد نيكسون إظهار الاحترام من خلال تعلم استخدام العيدان.
وخلال العشاء الرسمي الذي أقيم في هافانا أثناء زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما التاريخية إلى كوبا عام 2016، كان الهدف من المأدبة خلق جو من المصالحة والبدء في علاقة جديدة، فجاءت قائمة الطعام دمجاً ذكياً بين المطبخين الكوبي والأميركي، وأرسلت بذلك رسالة واضحة عن الاندماج والمستقبل المشترك، بينما أكدت استخدام المكونات المحلية على الاحترام للهوية الكوبية.
وفي الزيارة التاريخية للملكة إليزابيث الثانية إلى إيرلندا عام 2011 كانت كل حركة تهدف إلى التئام الجراح، إذ إن اختيار قائمة الطعام كان جزءاً أساساً من هذه الإستراتيجية التي ركزت بصورة كاملة على المكونات الإيرلندية الأصلية، فأرسلت الملكة رسالة من خلال تجنب المأكولات البريطانية الفاخرة والتركيز على أفضل ما تنتجه إيرلندا، بأنها هنا لتكرم أرضكم وشعبكم وتعترف بهويتكم المستقلة وتتذوق خيراتها، وكان هذا ترجمة للاعتذار والمصالحة.
أما وليمة لينين الدبلوماسية عام 1921 في ظل المجاعة، فقد كانت روسيا السوفياتية تعاني مجاعة كارثية بعد الحرب الأهلية، وكان الزعيم السوفياتي فلاديمير لينين بحاجة ماسة إلى المساعدة الغربية لكنه كان حريصاً على عدم الظهور بمظهر المتسول، وبدلاً من وليمة فاخرة قدم لينين لوفد الصحافيين والمبعوثين الأجانب وجبة بسيطة ومتقشفة تعكس الوضع في البلاد، وكانت عبارة عن "خبز أسود ووعاء من الكاشا والحبوب المطبوخة مع الشاي"، ولم تكن هناك كحول أو مأكولات فاخرة، فكانت هذه الوجبة رسالة دبلوماسية بارعة، وبدلاً من إخفاء الأزمة فقد عرضها لينين بصورة صادمة ومباشرة، والهدف هو إظهار الحاجة الملحة إلى المساعدة وإثبات أن النظام الجديد واقعي ولا يخفي عيوبه، لذا فقد ساعد هذا الصدق المتَعمد في فتح قنوات للحوار وانتهى بتوقيع اتفاقات تجارية مع دول غربية والحصول على مساعدة إنسانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومنذ أيام أقام الرئيس الأميركي دونالد ترمب مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض تكريماً لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وشهد العشاء الرسمي الفاخر الذي أقيم في الغرفة الشرقية في الـ 18 من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري أول زيارة لولي العهد إلى الولايات المتحدة منذ سبعة أعوام، وضمت قائمة الضيوف شخصيات عالمية عرّفهم ترمب بأنهم أكبر القادة في العالم ورجال الأعمال والرياضة، وخلال كلمته في العشاء الفخم أعلن أن الولايات المتحدة صنفت السعودية "حليفاً رئيساً من خارج حلف شمال الأطلسي"، وتنص وزارة الخارجية الأميركية على أن الدول التي تتمتع بوضع حليف رئيس من خارج حلف شمال الأطلسي يمكنها الحصول على فوائد معينة في مجالات التجارة الدفاعية والتعاون الأمني، بما في ذلك الأهلية للحصول على قروض المواد أو الإمدادات أو المعدات لأغراض البحث التعاوني، أو التطوير أو الاختبار أو التقييم، وتعيينها كموقع للمخزونات العسكرية الأميركية.