ملخص
يمر الدوري الإنجليزي الممتاز بمرحلة تحول عميق في ملكية أنديته، إذ يصعد أبناء المليارديرات لواجهة القرار في توتنهام وأرسنال، وسط صراعات نفوذ وتغيرات ثقافية تعيد تشكيل مستقبل كرة القدم الحديثة.
في الأسابيع التي سبقت رحيل دانييل ليفي عن توتنهام هوتسبر في سبتمبر (أيلول) الماضي، لاحظ أحد نظرائه في الدوري الإنجليزي الممتاز أمراً جعل هذه المغادرة الصادمة غير مفاجئة تماماً، فقد رصد كيف أن فيفيان لويس - ابنة مالك توتنهام السابق جو لويس، الذي تم وضع أسهمه لاحقاً في صندوق عائلي - باتت تحضر المباريات فجأة، وهي "تبتسم وتضحك"، وقد غدا هذا الانبساط أكثر لفتاً للانتباه لأن كثيراً من المديرين التنفيذيين المنافسين يقولون إنهم لم يقابلوها من قبل، وكان الشعور السائد "هذا لا يبدو جيداً بالنسبة إلى دانييل".
أما ليفي فلم يعد يُرى إطلاقاً الآن، وهو ما سيُحدث تغييراً فعلياً في ديربي شمال لندن، وصولاً إلى تولي الرئيس التنفيذي السابق لأرسنال، فيناي فينكاتيشام، منصباً في توتنهام، ومن المنتظر أن يستقبل الفريق الإداري الجديد، الحضور المتزايد لجوش كرونكي، نجل مالك أرسنال ستان كرونكي.
ولن يكون الأمر مجرد لقاء أول بين فرق القيادة الجديدة في شمال لندن، إذ صادف أن أجرى الناديان تغييرات ضخمة في الوقت نفسه، وقد يبشر ذلك أيضاً بتحول أكثر أهمية في كرة القدم الإنجليزية.
لقد استولى المليارديرات بالفعل، والآن حان وقت أبناء المليارديرات.
ومع أن أندية كرة القدم نقلت بالطبع عبر عائلات ثرية من قبل - وليس أقلها عائلة هيل وودز في أرسنال - فإن قواعد الملكية نفسها حالت دون التشابه الكامل، وحتى مانشستر يونايتد تختلف حالته، إذ كان أبناء مالكوم غليزر يتخذون القرارات في مانشستر يونايتد منذ البداية.
يصر المطلعون داخل توتنهام على أن عائلة لويس كانت حاضرة بشكل أكبر منذ مدة، لكن من دون أن يلحظهم أحد، تماماً كما كان جوش كرونكي يحضر مباريات الرجال والسيدات من دون أن يخضع للتدقيق نفسه الذي يواجهه الآن، ومع ذلك، فهذه هي المرة الأولى التي نشهد فيها عملية انتقال أعمق للسلطة في هذه الحقبة الرأسمالية الأميركية.
وهنا تبرز إشارة واضحة يتندر بها كثيرون في عالم كرة القدم بالفعل، وكأنه مسلسل "Succession - الخلافة" في الدوري الإنجليزي الممتاز.
وإذا كان الأمر كذلك فإن مثل هذا التحول يضيف تعقيداً جديداً إلى كرة القدم الحديثة، إلى جانب الجغرافيا السياسية وقوانين المنافسة، فلدينا الآن الدراما النفسية الكلاسيكية حول كيفية تفكير ورثة المليارديرات.
ويرى بعض التنفيذيين أن مثل هذه التحولات ينبغي أن تكون موضع اهتمام الجهة التنظيمية الجديدة لكرة القدم، وأن يتعين على هذه الهيئة فرض معايير حوكمة الشركات عند تقييم أي تعيينات جديدة.
وبينما قد يكون لكل ذلك تأثير كبير في كرة القدم، فإن التأثير يسير أيضاً في الاتجاه المعاكس.
فقد رأى كثير من المصادر التي استشيرت في إعداد هذا التقرير أن أبناء لويس كانوا سابقاً يرغبون في بيع توتنهام، على رغم أن هذا الأمر نُفي دائماً، وفي كل الأحوال، علمت مصادر "اندبندنت" بأن "اثنتين من رغبات الاهتمام الجادة للغاية" قد جرى "رفضهما بالكامل"، ويُقال إن العرض القطري قد تجاوز الأمر.
تحول العائلة من البيع إلى السيطرة
إن أبناء لويس - بقيادة فيفيان، وصهرها نيك بيوشر، وشقيقها تشارلز - أصبحوا الآن مستمتعين تماماً بالأمر، ويلاحظ التنفيذيون في الدوري الإنجليزي أنه، بوجه عام، "لا يستغرق الأمر سوى ثلاث مباريات"، فطبقة المالكين ترى أن قراراً واحداً في كرة القدم يحظى باهتمام أكبر من أي صفقة بمليارات الجنيهات.
ومع أن كثيراً من المليارديرات يدخلون هذا المجال بدافع الغرور أو لمجرد تحقيق مزيد من المال، فقد يكون هناك بعد آخر بالنسبة إلى الأبناء، فالأمر قد يشكل مساراً سريعاً لإثبات قدرتهم أمام والدهم - وهو دائماً الوالد - على أنهم قادرون على تحقيق النجاح.
يقول أحد الشخصيات في مجالس الإدارة "إن موضوع Succession فعلي تماماً، وتلاحظ ازدياد عدد الـ(كندال رويس)".
وقد اكتشف اثنان من أكثر الشخصيات تأثيراً في الناديين هذه الحقيقة على حسابهما، بوصفهما ضحيتين كلاسيكيتين لمكائد غرف الإدارة.
فليفي كان "كل شيء" في توتنهام وأطول المسؤولين خدمة في الدوري الإنجليزي، في حين تم وصف نائب الرئيس التنفيذي السابق لأرسنال تيم لويس بأنه الأكثر صراحة، بعدما أعاد - كما قال أحد المصادر - النادي إلى "الجدية"، وقد اكتسب سمعة عامة لمواجهته مانشستر سيتي وملكية الدول، لكنه كان ينظر إليه إجمالاً كأحد الأصوات الأكثر اهتماماً باللوائح السليمة.
ومع ذلك اكتشف الاثنان أن كل الجهود التي بذلاها لخدمة المالكين لم تكن أثقل وزناً من رابطة الدم، بعدما أُقصيا لصالح صعود الأبناء.
وقد أدى ذلك إلى تعليقات ساخرة أخرى داخل مجالس إدارة الدوري الإنجليزي، تُذكر بحوارات مسلسل "Succession" فقد كانت هناك إشارات إلى "أكثر الحيوانات المنوية حظاً" ودعوات لعدم "خطف الأضواء من ملوك الشمس".
التحول الداخلي الدرامي في أرسنال
أما ما يثير الفضول في أرسنال فهو قدر من الدائرة المغلقة، فعندما رحل أرسين فينغر عن النادي في 2018، تقول المصادر إنه كانت هناك خطط موضوعة ليمسك جوش كرونكي بزمام السيطرة المباشرة، لكن ذلك كان في حقبة من التيه، حين كان المنافسون يسخرون من أرسنال لكونه فريقاً ناعماً وباهتاً.
كان الأسوأ هو الانطباع بغياب المالك عن المشهد، إذ كان كبار المسؤولين يشكون من أنهم لا يستطيعون الوصول إلى ما يفكر فيه ستان كرونكي.
وتغير ذلك جذرياً مع وصول تيم لويس في 2020، وهو مشجع لأرسنال منذ طفولته وموالٍ لكرونكي منذ زمن طويل، فقد جلب تلك الصلة المباشرة، وبدأ يستعيد "حدة" تنبع من رؤية واضحة.
ومع وجود ميكيل أرتيتا بالفعل في منصبه كمدير فني، قدم لويس دعمه الكامل له، بينما وضع إستراتيجية تمتد أعواماً نيابة عن عائلة كرونكي لإعادة أرسنال إلى القمة.
وقد تمحورت الإستراتيجية حول فكرته عن "فريق القيادة الكروية"، وهو في جوهره مجلس كروي يضم اجتماعات أسبوعية بين الرئيس والمدرب والمدير الرياضي ومسؤولين كبار مثل الطاقم الطبي، وتقول كثير من المصادر الداخلية والخارجية إنه بدا وكأنه للمرة الأولى منذ عقود يمتلك أرسنال توجهاً واضحاً، في ظل أجواء جديدة تتسم بمعايير أعلى.
وبالتوازي مع النتائج، بدأ الدخل التجاري المتجدد يقترب من مستوى ليفربول.
وكانت علاقة أرتيتا بلويس قوية، وتوطدت فترة وجيزة من خلال شراكة متنامية مع المدير الرياضي الجديد أندريا بيرتا، وقد أكدت تعاقدات الصيف الأخيرة أيضاً فهم لويس العميق طريقة تفكير المالكين، ويقول أحد المطلعين الكبار إنه كان الشخص الوحيد القادر على إقناع ستان كرونكي بعمليات التوقيع، إذ كان يذهب إلى المالك بخطط مفصلة تشرح لماذا ينبغي إتمام صفقات بعينها.
وكان التعاقد مع إيبرشي إيزي رمزياً في هذا السياق، وليس فقط لأن أرسنال خطفه من توتنهام، فالنادي كان مدركاً للضغط المتزايد لتحقيق الفوز الآن، ولهذا كان القلق كبيراً عندما تعرض كاي هافرتز للإصابة، وقد أقنع لويس المالكين بضرورة الضغط على الزر والمضي قدماً لضم إيزي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكانت داخل هذا المسار أولى بوادر التصدع، فقد طُرحت سابقاً أفكار تقضي بأن يعمل جوش كرونكي داخل النادي تحت إشراف لويس، لكنه كان مرتبطاً بالتزامات مع فريق دنفر ناغتس لكرة السلة، ومع ذلك تزامن صعود أرسنال مع بروز أكبر لجوش.
وبينما لم يكن مشاركاً في تعيين بيرتا، تفيد المصادر بأن كرونكي دفع باتجاه التعاقد مع بينجامين سيسكو بدلاً من فيكتور غيوكيريس، وعُد حضوره في حفل جوائز رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين إشارة واضحة إلى رغبته في أن يكون "منخرطاً بشكل مباشر"، وهو ما تلاه ضغط شخصي للتعاقد مع بييرو هينكابي.
وقد حير رحيل لويس المفاجئ، بعد أسابيع من ذلك كثيرين في الوسط الكروي، وحتى أولئك الذين كانت علاقته بهم أكثر تعقيداً يشعرون بأن المحامي السابق كان يستحق قدراً أكبر من التقدير على ما وصل إليه أرسنال، فبعيداً من التأثير التحويلي لأرتيتا، يعزو كثيرون إلى منهج لويس وشخصيته قيادة التحول الثقافي داخل النادي، الذي بات يقوم اليوم على هيكل موحد.
وعلى رغم أن رواية أرسنال الرسمية كانت أن تغيير مجلس الإدارة يعكس ببساطة رغبة في "تطور مستمر"، فمن الصعب تصور غياب التوتر، وتقول مصادر عدة إن "جوش كان يريد بوضوح أن يكون هو الرئيس"، الأمر الذي كان سيصطدم حتماً بحقيقة أن لويس كان يُنظر إليه داخلياً بوصفه الرئيس الفعلي.
وربما كان ذلك يعني بصورة لا مفر منها أنه سيتعارض في النهاية مع هذه الديناميكية بين الأب والابن، وقد أُعلن عن رحيله في الـ19 من سبتمبر الماضي، وتم التواصل مع أرسنال وتوتنهام وليفي ولويس لغرض هذا المقال، لكنهم امتنعوا جميعاً عن التعليق.
سقوط ليفي وبداية عصر إداري جديد في توتنهام
ومع ذلك يبقى توقيع إيزي صفقة حاسمة يمكن أن تحدد ملامح هذا الديربي، وقد سبقت خروج ليفي نفسه، فقد كانت تلك النكسة الأخيرة في سلسلة من الإخفاقات في سوق الانتقالات لتوتنهام، بينما كانت الملكية تراقب كيفية تقدم النادي، وكان النادي يريد الآن الانتقال إلى المستوى التالي، لكنه شعر بأن ليفي قد ترسخت أساليبه بعد 25 عاماً.
ومع ذلك ينبغي الإقرار بأن تلك الأساليب منحت أبناء لويس قاعدة أعلى للانطلاق، فليفي يثير كثيراً من الآراء، لكن من الصعب مجادلة الطريقة التي نقل بها توتنهام تدريجاً من فريق يعاني في وسط الجدول إلى بلوغ نهائي دوري أبطال أوروبا وامتلاك واحد من أفضل الملاعب في العالم.
كانت العيوب في التفاصيل الصغيرة أكثر منها في الصورة الكبرى، وفي التردد الواضح تجاه اتخاذ قرارات كروية خالصة تقتنص اللحظة، وشعر من تفاوضوا مع ليفي أنه منخرط أكثر من اللازم في صفقات اللاعبين، وأن عملية الاستقطاب كانت موجهة بشدة عبر "اتجاهات اللحظة".
وعلاوة على ذلك، يوصف ليفي بأنه كان يتصرف كما لو أنه المالك، على رغم امتلاكه حصة أقلية فقط، وقد كانت سيطرته واسعة، ويقول أحد المصادر إن ليفي كان "مصدوماً تماماً" بقرار سبتمبر، لأنه لم يتصور أنه ممكن.
ويتطلع منافسو الدوري الإنجليزي الآن بفضول شديد لمعرفة من سيتخذ القرارات الكبرى في توتنهام، ويؤكد المطلعون أن عائلة لويس لن تدير الأمور بأسلوب التدخل الدقيق، وأن الخطة هي تطوير فريق متعدد الخبرات حول فينكاتيشام.
لا يزال الجميع في انتظار ما سيحدث، تماماً كما تتجه كل الأنظار في أرسنال إلى كرونكي الابن والرئيس التنفيذي الجديد ريتشارد غارليك، فكلاهما أمامه كثير ليتعلمه.
ويجادل آخرون بأن الأب والابن من عائلة كرونكي كانا يعملان بالفعل جنباً إلى جنب كرئيسين مشاركين منذ فترة، وأن التغيير الرئيس يتمثل في مجلس إدارة بخبرات مختلفة، لمرحلة مختلفة من تطور النادي.
يُوصف جوش كرونكي أيضاً بأنه أكثر وعياً من والده بالطريقة التي تدرك بها الجماهير شكل الملكية، مع رغبته في "القيام بما هو صائب تجاه المشجعين"، وقد يعكس ذلك تطوراً مختلفاً في هذه الديناميكيات، وكيف يمكن للمالكين أن ينتقلوا من رؤية هذه "الممتلكات" بوصفها مجرد أصول، إلى إدراكها كأندية حية تنبض بالحياة.
ويتهكم آخرون بالقول إن كرونكي يمكنه أن يحسن نفسه عبر الرد على بعض رسائل البريد الإلكتروني في أقل من 10 أيام.
مستقبل البريميرليغ في عصر رأس المال الجديد
وإذا كانت هذه التحولات قد تغير عقلية اثنين من أعرق أندية إنجلترا، فهي بلا شك تغير عقلية الدوري الإنجليزي الممتاز، فقد جلب ليفي ثروة من الخبرة، بينما دفع لويس المسابقة إلى التفكير في قضايا أكبر. وينظر بالفعل إلى تردد أرسنال في شأن مفهوم تثبيت نفقات الأندية الجديد - بحيث لا تكون هناك فجوات مالية كبيرة - في تصويت بالدوري الإنجليزي باعتباره أمراً ذا دلالة.
وهناك رأي بين أصحاب المصالح الطويلي الأمد مفاده أنه كلما ابتعدت المسابقة عن مؤسسيها، قل اهتمام المالكين بكرة القدم الإنجليزية.
فهل سيكون مستقبلها مرسوماً بيد الدول، وصناديق الأسهم الخاصة، والمليارديرات، والآن أبنائهم؟ يقال إن اجتماعات الدوري الإنجليزي أصبحت بالفعل أكثر "طابعاً مؤسسياً"، مع بقاء ستيف باريش من كريستال بالاس واحداً من الأصوات المميزة القليلة، وحتى أسلوب الكلام بات يتغير.
أما في ما يتعلق بالتعليقات الساخرة حول مسلسل Succession، فلم يجرؤ أحد حتى الآن على قولها مباشرة أمام قادة المرحلة الجديدة.
والتساؤل هو ما إذا كان الرد سيظل عندها ابتسامات وضحكاً.
© The Independent