Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 أندرياس ريكفيتز: الخسارة مأزق أساسي في سياقات الحداثة

المشهد السياسي أصبح مختبراً مضطرباً وصعود الشعبوية اليمينية لا يمكن فهمه إلا ضمن مناخ الإحساس بالفقد

لوحة للرسامة أميدي أوزنفان (صفحة الرسامة - فيسبوك)

ملخص

في أحدث أبحاثه، يقدم أندرياس ريكفيتز، عالم الاجتماع الألماني الأستاذ في معهد العلوم الاجتماعية في جامعة هومبولت في برلين، دراسة موسعة تناول فيها مفهوم "الخسارة" بوصفه أحد أكثر المفاهيم حضوراً في النقاشات السوسيولوجية والفلسفية المعاصرة، لما يحمل من أبعاد وجودية وثقافية تمس حياة الفرد والمجتمع على حد سواء.

ينطلق ريكفيتز في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان "الخسارة، مشكلة أساسية في الحداثة" (دار زوركامب، 2024)، من فرضية مفادها بأن الحداثة التي تميزت بالتشريع لسلطة العقل وسيادته وفرضت مفهوماً جديداً لماهية الإنسان منذ عصر الأنوار ووعوده بالتقدم، والخسارة التي تناقض هذا الوعد.

فمنذ مطلع القرن الـ21 تجاوزت تجارب الخسارة حدودها التقليدية، لتصبح ظاهرة اجتماعية واسعة الانتشار، أقواها تغير المناخ وانعكاساته على مستقبل البشرية. فالأحوال الجوية المتطرفة، وتدمير الغطاء النباتي والحيواني، والتصحر والاحتباس الحراري، وتهديد الحياة البرية وإمدادات المياه العذبة، ليست سوى أمثلة تظهر كيف تتدهور شروط الحياة البشرية في أماكن عديدة حول العالم، ولعل توقع خسارات مستقبلية أقوى من الخسارات الراهنة بات أمراً واضحاً. ذلك أن السياسات الرامية إلى مكافحة تغير المناخ، على أهميتها، تنذر بخسائر من نوع آخر، قد تجد المجتمعات نفسها من جرائها مضطرة إلى التخلي عن أنماط الاستهلاك التي اعتادتها. ويسهم التقدم التكنولوجي في تفكيك البنى الاجتماعية وإعادة تشكيلها على نحو غير مألوف، فمع كل طفرة تكنولوجية تتلاشى مهن لم يعد لها ما يبرر وجودها، ومع كل تطور صناعي يعد بارتفاع غير مسبوق في مستوى المعيشة، يتكشف في المقابل تدهور يطاول بعض النظم البيئية الحساسة.

 

 

ثمة مجال آخر تتراكم فيه تجارب الخسارة تطرق إليه ريكفيتز، وهو المتعلق الطبقة الوسطى التي عانت التغيرات الاقتصادية خلال العقود الأخيرة في الغرب الأوسط الأميركي والمدن الصغيرة في فرنسا والمناطق الصناعية السابقة في شمال إنجلترا وشرق ألمانيا. تشهد هذه الفئات الاجتماعية تراجعاً في مستوى عيشها، بعدما عرفت في الفترة الممتدة من خمسينيات إلى سبعينيات القرن الـ20 تحسناً هائلاً في أحوالها، لكن اتضح أن هذه السنوات "المجيدة" لم تكن القاعدة بل الاستثناء، لأن الدخول في المجتمع ما بعد الصناعي أدى إلى توسيع الفجوة بين الرابحين والخاسرين في المجتمعات الأوروبية الحديثة، بحيث لم تعد الطبقة الوسطى الجديدة، على رغم كفاءاتها العالية، تتوقع الحفاظ على مستوى العيش نفسه الذي تمتع به الجيل السابق.

عنف التاريخ ومسرى الحداثة

وبسبب التاريخ العنيف الذي شكل مسرى الحداثة، عادت الصدمات الجماعية وخسائر الماضي للظهور بقوة غير مسبوقة. فمن العبودية في الولايات المتحدة إلى نهب الكنوز الفنية خلال الحقبة الاستعمارية، مروراً بضحايا الأنظمة التوتاليتارية والهجرات القسرية، لم تعد جراح الماضي مخفية. لقد برزت من جديد بكل ثقلها، مولدة آثاراً سياسية ملموسة، أبرزها تنامي المطالب باستعادة الممتلكات المنهوبة ورد الحقوق لأصحابها.

وهناك نوع آخر من الخسارة يتعلق بالانتكاسات السياسية، فقد شكلت آمال العولمة والديمقراطية وعداً بالتقدم غذى الخيال الغربي منذ انهيار الشيوعية في تسعينيات القرن الماضي، لكن إصرار روسيا على خوض الحرب ضد أوكرانيا، وتموضع الصين على نحو متزايد كخصم للغرب، وتراجع أشكال التعاون العالمي، إن دل على شيء، فعلى اقتراب تراجع في النظام العالمي وانحسار التعددية وبروز منافسات جديدة وتهديدات بالعنف، مما يشكل أيضاً برأي ريكفيتز نوعاً من خسارة الثقة باستقرار النظام العالمي.

 

 

صحيح أن تجارب الخسارة وجدت دوماً في التاريخ، لكن الخسائر الراهنة تناقض العقلية الحداثية التي يوجهها مبدأ التقدم القائم على التأكيد أن المستقبل سيكون أفضل من الحاضر. ولعل هذا المبدأ مترسب في العلم والتكنولوجيا والاقتصاد الرأسمالي الملزم بالنمو، وفي السياسة وادعائها توفير حياة أفضل.

إن التفاؤل بالمستقبل، إذا جاز التعبير، مدموغ في بنية الحداثة، إذ يبدو من جهة، أن ما جرى إنجازه مضمون وغير قابل للتراجع الجذري، ومن جهة أخرى، أن الأمور ستستمر في التحسن بفعل التحولات الاجتماعية والتكنولوجية والثقافية. هذا هو الوعد المزدوج للتقدم: ففي العصر الحديث يسير افتراض الاستمرارية جنباً إلى جنب مع افتراض الدينامية. أما الخسارة، فهي أمر تسعى الحداثة إلى تقليصه أو احتوائه والتخفيف من شأنه ولو خلفت باستمرار تجارب جديدة منها. فالمثل الأعلى للمجتمع الحديث هو التحرر من الخسارة والألم، الذي يصل إلى رؤى يوتوبية تشمل إلغاء الموت البشري، كما يقترح الترانسإنسانويون.

أدب الحنين

كان من نتيجة هذا التعامل المختلف مع الخسارة ظهور أدب الحنين، واقتصاد إدارة الأخطار والوقاية، وتسييس الخسائر، والعلاج النفسي. لكن المبدأ الصارم للتقدم الذي غالباً ما نجح في جعل الخسائر غير مرئية، لم يعد ممكناً اليوم. لأن وعد التقدم قد أصبح هشاً وفاقداً للصدقية، ولم تعد الخسائر قابلة للإخفاء بسهولة، فهي على العكس تتزايد عدداً، ويزداد الانتباه إليها والوعي بها.

لكن كيف تواجه المجتمعات الحديثة الخسائر الراهنة؟ وما هي الإمكانات المتاحة لـهذه المواجهة؟ وكيف يمكن للديمقراطية الليبرالية أن تزدهر على رغم وجود الخسائر؟

يتبين من أسئلة ريكفيتز أن المشهد السياسي الحالي أصبح مختبراً مضطرباً للتعامل مع الخسارة، وأن صعود الشعبوية اليمينية في أوروبا وأميركا الشمالية لا يمكن فهمه إلا ضمن هذا المناخ المتصاعد من الإحساس بالفقد. فالشعبوية، في جوهرها، سياسة تستند إلى الخسارة وتستمد قوتها من مخاوف بعض فئات الطبقة الوسطى، مما يؤجج شعور الغضب لديها. لذا لم يعد الخطاب يعد بالتقدم، بل يوهم بإعادة ما ضاع، كما يظهر في شعارات البريكست مثل "استعادة السيطرة" وشعار ترمب "لنجعل أميركا عظيمة من جديد".

لكن كيف يمكن مواجهة الخسائر والحد من جاذبية الشعبوية؟ يرى ريكفيتز أن أحد الحلول يكمن في الاستمرار في إدارة الأخطار وبناء مجتمع قادر على التحمل، إذ لا يمكن تجنب الأحداث السلبية كلياً. لهذا يهيمن اليوم خطاب تعزيز صمود المؤسسات والبنى الاجتماعية في مواجهة التغير المناخي والأخطار الأمنية والتداعيات العالمية، كما تجلى ذلك بوضوح خلال جائحة كورونا.

ويشير ريكفيتز أيضاً إلى استراتيجية ثانية للتعامل مع الخسارة تقوم على تبني سردية "الخسارة كربح"، وهي مقاربة بارزة في النقاشات البيئية والسياسات العامة، وكذلك في بعض العلاجات النفسية التي تجعل من الخسارة جزءاً عادياً من مسار الحياة.

الوعود والثمن

باختصار لقد نجح الغرب في التقليل من شأن الثمن الذي دفعه في سبيل التقدم بعد عقود من الوعود بالارتقاء المعيشي، لا سيما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الثقة في استمرار هذا المسار قد اهتزت. ومع تغير الظروف الاقتصادية والسياسية والبيئية، أصبح الإحساس بخسارة ما كان يعتبر مكاسب ثابتة سمة أساسية للذات الحديثة. من هنا قول ريكفيتز إن الخسارة الحقيقية ليست مجرد اختفاء شيء أو انتهاء وضع، بقدر ما هي حدث يمس علاقة الفرد بذاته وبالعالم ويؤثر في بنية هويته. فكيف يمكن لمجتمع مهووس بوعد "الأفضل" و"الأكثر" أن يضع نفسه في موقع يتيح له التعامل مع الخسارة؟ هذه هي إحدى القضايا السياسية والثقافية المفصلية في القرن الـ21 التي يعالجها هذا الكتاب.

الخسارة الحقيقية تقوم برأي الباحث على عناصر ثلاث: وجود ارتباط وجداني بما فقد، واستحالة استعادته، وتأثيره العميق في صلب الهوية. بهذا المعنى، لا يعد فقدان المال أو الأشياء اليومية خسارة بالمعنى العميق والوجودي للكلمة، بقدر ما يمثل فقدان شخص عزيز، أو انهيار يقين راسخ، أو ضياع أفق اجتماعي، تجربة خسارة فعلية تشق الذات وتعيد تشكيلها.

يستند ريكفيتز في تحليله لمفهوم الخسارة إذاً إلى مقاربة "براكسولوجية" تركز على الممارسات الاجتماعية. فالتجارب الإنسانية، بما فيها الخسارة، لا تفهم من منظوره إلا من خلال أفعال وسلوكيات الأفراد والجماعات، التي تمتد لتشكل ما يسميه الكاتب "أداء الخسارة" أو معالجتها، أي الأشكال المتعددة من التعامل مع الخسارة، مثل طقوس الحداد، وأساليب العلاج النفسي، والتعبير الفني، وعمليات التفسير. ذلك أن المجتمعات برأيه لا تملك فقط مفاهيم للخسارة، بل تملك أيضاً أنماطاً جاهزة لمعالجتها، تتغير بتغير الزمان ، مما يعكس تطور القيم والعلاقات الاجتماعية.

هذه التحليلات للخسارة، شددت على أن الهوية ليست معطى ثابتاً، بل هي حصيلة هذه الممارسات، فالفرد بالنسبة إلى المؤلف يعيد فهم ذاته عبر ما يفعله، ولا سيما في لحظات الخسارة التي تهز استقراره النفسي وتدفعه إلى التغيير. هنا يستفيد عالم الاجتماع من مفهوم "التكرارية" الذي طرحه جاك دريدا، ليؤكد أن كل ممارسة جديدة تستعيد ممارسات سابقة مع إدخال عنصر التغيير، مما يجعل الخسارة جزءاً لا يتجزأ من الفعل الإنساني ذاته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


ومن النقاط الجوهرية في أطروحة ريكفيتز تحليله للكيفية التي تتحول بها الخسارة إلى ظاهرة بنيوية في المجتمعات الحديثة. فالتاريخ القريب، كما سبق وأشرت، يشهد انتقالاً من مرحلة كان فيها التقدم الاقتصادي والاجتماعي يرى كمسار مستمر، إلى مرحلة أصبحت فيها احتمالات التراجع والانحدار أكثر حضوراً. يرجع الكاتب هذا التحول إلى عوامل عديدة، كاهتزاز السردية التقدمية التي حكمت الحداثة، وتزايد القلق من المستقبل، وتقلص فرص التقدم الاجتماعي والاقتصادي مقارنة بالأجيال السابقة، فضلاً عن التغيرات البيئية والمناخية التي تدفع الشباب خصوصاً إلى الشعور بفقدان الأمان الوجودي.

هنا يشير ريكفيتز إلى مفهوم "تصعيد الخسارة"، أي تراكم مشاعر الفقدان وتحولها إلى أزمة نفسية واجتماعية عامة. فالإنسان المعاصر يعيش برأيه في حال من القلق المستمر بسبب توقع الخسارة قبل حدوثها فعلياً، سواء كانت خسارة الوظيفة بسبب تحولات التكنولوجيا وتحدياتها، أو خسارة الاستقرار المناخي، أو خسارة المكانة الاجتماعية. لذا يتحدث عن المفارقة الحديثة للخسارة التي تتمثل في ظاهرتين متناقضتين: تضخيم الخطاب العام لبعض الخسارات كالخسارات الاقتصادية أو خسارات الطبقات الوسطى، وإخفاء أو تهميش الخسارات الأخرى كالخسارات البيئية التي يتحمل تبعاتها الجيل الشاب، أو خسارات مجموعات اجتماعية لا تمتلك وسائل التعبير السياسي. تطرح هذه المفارقة بحسب الكتاب مجموعة من الأسئلة، لعل أبرزها: من يملك حق الخسارة؟ وأية خسارة تستحق الاعتراف بها وأيها تعتبر غير مرئية؟ من هنا تنشأ ما يسميه الكاتب "معارك التأويل" التي تتجاذبها المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية.

يصنف كتاب ريكفيتز ضمن ما يسميه تشارلز تايلور "أفضل تفسير ممكن" لظاهرة معقدة، بفضل تنوع مصادره التي تجمع بين السوسيولوجيا والتاريخ والفن والقانون والثقافة. هذا التنوع أتاح للباحث تقديم قراءة متعددة الأبعاد لمفهوم الخسارة، تكشف عن هشاشة الإنسان المعاصر وتحولات عالمه.

ولئن لم يقتصر الكتاب على التحليل النظري، فإنه أبرز آثار الخسارة في مجالي التربية والسياسة، موضحاً كيف تؤثر أجواء القلق والخسارة تربوياً في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، وما الذي ينبغي على المؤسسات التعليمية مراعاته. أما سياسياً، فبين أن فهم بنية الخسارة يساعد في صياغة سياسات أكثر عدلاً، مثل "الصفقة الخضراء" التي توازن بين خسائر العمال المتضررين من التحول الصناعي ومخاوف الشباب من الكارثة البيئية.

تكشف أطروحة ريكفيتز إذاً أن الخسارة ليست مجرد مفهوم عابر، بل هي عنصر بنيوي في فهم الحداثة المتأخرة، وطبقة أساسية من طبقات الهوية الفردية والجماعية في عالم سريع التحول تتقدم فيه الخسارة أحياناً على وقوعها. ففي زمن الكوفيد، والحروب، وتغير المناخ، والانحسار الغربي، تصبح الخسارة مفتاحاً ضرورياً لفهم الواقع.

خلاصة القول، يدعو كتاب أندرياس ريكفيتز إلى وعي نقدي بالخسارات التي تحيط بالإنسان المعاصر، وإلى بناء مقاربات اجتماعية وسياسية أكثر حساسية ورصانة لمواجهة عالم يتسارع فيه الشعور بالضياع والبحث عن معنى جديد.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب