Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عطل" فريدريش دورينمات في عهدة ممثلين مصريين

المخرج محمد فريد لعب على المفارقة وأبرز توحش الرأسمالية

من مسرحية "عين العقل" المصرية المقتبسة من دورينمات (خدمة الفرقة)

ملخص

قدم المخرج المصري محمد فريد فؤاد عرضه المسرحي "عين العقل" على مسرح الهوسابير وسط القاهرة، ضمن مهرجان نقابة المهن التمثيلية للمسرح المصري، في نسخة كوميدية "ممصّرة" عن نص "العطل" للكاتب السويسري فريدريش دورينمات.

اهتم المسرح المصري كثيراً بالرواية القصيرة "العطل" للكاتب السويسري فريدريش دورينمات (1921-1990) وجرى تحويلها إلى عروض مسرحية مرات عدة، حتى إنها قدمت خلال الموسم الماضي في أربع معالجات مسرحية.

وضمن مهرجان نقابة المهن التمثيلية للمسرح المصري الذي ضم 32 عرضاً مسرحياً، قدم المخرج محمد فريد فؤاد، من إعداده، نسخة كوميدية ممصرة من نص "العطل" وأجرى بعض التعديلات على النص الأصلي، وإن حافظ، ولو بصورة نسبية، على روح نص دورينمات.

لقد ناقش دورينمات في روايته القصيرة "العطل" توحش الرأسمالية وصراعاتها المميتة، وكذلك فكرة تحقيق العدالة حتى لو لم يسندها القانون، فالجريمة التي وقعت بيضاء تماماً، بمعنى أن هناك قتيلاً ولكن من دون دماء، مجرد رجل أعمال مات إثر أزمة قلبية. هذا هو المعلن، لكن غير المعلن أن مساعده هو من تسبب في موته، فقد خانه في العمل، وخانه كذلك مع زوجته الشابة، وأوحى إلى بعض أصدقائه أن يخبروا هذا الرئيس بعلاقته بزوجته، ليصيبه في مقتل، فلم يحتمل الرجل الصدمتين، صدمة خيانة مساعده مع عملائه، وصدمة خيانته مع زوجته، فلم يحتمل قلبه، المصاب بمتاعب أصلاً، فتعرض لأزمة قلبية أدت إلى موته.

لعبة المحاكمة

تتعطل سيارة هذا المساعد في إحدى القرى، فلم يجد سوى بيت قاضٍ متقاعد يلجأ إليه، وفي هذا البيت يلعب القاضي مع صديقيه، وكيل النيابة والمحامي المتقاعدين، لعبة المحاكمة، بأن يختاروا شخصاً كل ليلة ليحاكموه، متحررين من مواد القانون الجامدة التي لا تعترف سوى بالأوراق والأدلة المادية، ويدخل الضيف اللعبة، وتفضي المحاكمة إلى اعترافه بقتل رئيسه في العمل، وعلى رغم أن الحكم بالإعدام كان معنوياً، نظراً إلى أنها مجرد لعبة، فقد قام الضيف بشنق نفسه، تكفيراً عن فعلته.

وفي عرض "عين العقل" نحن أمام رجل جاء ليشتري منزلاً في إحدى الضواحي، وهذا المنزل يستخدم كمصح نفسي، فيدعوه نزلاؤه إلى مشاركتهم لعبتهم الأثيرة، وبوصفه متهماً، يوافق على اللعب ويراوغهم في البداية، لكنه يعترف في النهاية، وبعد أن ضيق ممثل الادعاء الخناق عليه، بأنه خان صاحب شركة المقاولات التي كان يعمل بها مساعداً له، وتواصل مع العملاء سراً وعقد معهم صفقات لمصلحته، وأقام علاقة مع الزوجة وارتبط بها رسمياً بعد وفاة زوجها متأثرا بأزمته القلبية، وينتهي العرض بأن ينضم الضيف إلى نزلاء البيت من المرضى النفسيين.

مفارقات كوميدية

دارت الأحداث في إطار كوميدي، معتمداً على المفارقات، فضلا عن "الإفيهات" وعلى رغم إغراءات الكوميديا وما يتمتع به الممثلون من حس كوميدي عالٍ، بخاصة أبطال المحاكمة (محمد يوركا ووائل العوني ووليد عبدالغني وأحمد شريف)، فإن ذلك لم يؤدٍّ إلى تغييم الرسالة أو المرور عليها سريعاً أوتسطيحها، تحت سطوة الكوميديا، مما يحسب لطاقم العمل، وأدركوا جميعاً أن الكوميديا، كواحدة من أصعب فنون الدراما، لا تعني الاستظراف أو التهريج، وأن بإمكانها، متى توافر لها صناع واعون ومهرة، مناقشة أعمق القضايا بصورة يبدو ظاهرها بسيطاً، بينما باطنها مركب ومحتشد بالأسئلة.

ودارت أحداث العرض في منظر واحد ثابت (تصميم محمد فريد) عبارة عن بهو منزل فخم به بعض المقاعد ومنضدتان، وجرى استغلال جانبي المسرح، خارج منطقة التمثيل، في تجسيد بعض مشاهد الاسترجاع "فلاش باك" التي استخدم فيها المخرج تقنية المونتاج السينمائي، فسارت الأحداث وفق إيقاع منضبط، وإن شابها أحياناً بعض الترهل المقبول في مثل هذه العروض التي لا تغفل عن تقديم التسلية.

ويمكن القول إن الديكور لم يذهب بعيداً من الواقعية التي تتسق والمنهج الإخراجي نفسه الذي اتبعه المخرج، كما قام بوظيفة جمالية في إثراء صورة العرض، أكدت عليها الإضاءة (تصميم جاسر الفرن) وهو شاب واعد وموهوب، جاء تصميمه مستجيباً لدراما العرض ومتماساً معها، بخاصة أثناء اللحظات الحدية المتوترة، ليشكل بها تأثيراً مضاعفاً لتلك اللحظات، كأن يشكل سجناً للضيف في لحظات التضييق عليه من قبل ممثل الادعاء، أو يستخدم الألوان الساخنة خلال لحظات لقاء الضيف، المستعادة، مع زوجة رئيسه، أو البؤر الضوئية في المشاهد الثنائية، وهكذا بوعي وحساسية، على رغم أن الإنارة الكاملة في مثل هذه العروض هي أقرب ما يلجأ إليه مصمم الإضاءة، لكن الفرن اجتهد هنا وقدم إضافته النوعية للعرض.

اختيار واعٍ

قام المخرج بدور ممثل الادعاء، بعيداً من الكوميديا التي وسمت العرض، وهو اختيار واعٍ، ربما أدرك أنه لا يستطيع مجاراة زملائه في الأداء الكوميدي، وربما أراد للشخصية أن تكون أكثر جدية من غيرها، وهذا لا يعيبه في كل الأحوال، وهو نفس ما سار عليه أشرف فاروق (صاحب شركة المقاولات المغدور) بأداء جاد ومنضبط يعبر عن طبيعة الشخصية التي يؤديها، بخاصة أنه ممثل صاحب خبرة طويلة في العمل المسرحي. أما الزوجة (ميرنا نديم) فهي خامة جيدة، أدت دور الزوجة اللعوب بفهم لطبيعة مثل هذه الشخصية، من دون ابتذال أو تعمد إثارة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويبقى السؤال، لماذا اختار المخرج مجموعة من المرضى النفسيين للقيام بمحاكمة الضيف، ففي النص الأصلي نحن أمام مجموعة من الشخصيات الطبيعية المتقاعدة، فضلاً عن أنهم كانوا يمارسون مهنهم القديمة. وظني أنه اجتهاد شكل إضافة للنص الأصلي، وليس هروباً من مقص الرقيب الذي من المؤكد أنه لن يسمح بتقديم شخصيات قضائية على نحو كوميدي، وحتى لو كان هروباً فهو هروب ذكي، فهؤلاء المرضى النفسيون استطاعوا الإيقاع بعاقل يمتلك من الذكاء والشر، ما مكنه من الصعود على أكتاف رئيسه وقتله واحتلال الشركة والزوجة وكل شيء.

وذلك في مفارقة ربما ترمي إلى أن ذلك القاتل هو المريض بالفعل وليس أولئك الذين يتلقون علاجاً نفسياً، فالقاتل هنا يمثل الرأسمالية المتوحشة التي بإمكانها الإقدام على ارتكاب كل الجرائم من أجل الوصول إلى غايتها، مما يشير إلى أن دعاتها هم المصابون بالمرض الفعلي الذي يستعصي علاجه.

وإذا كان مخرج العرض قد وفق في صياغة رؤيته على نحو جيد، واستطاع الحفاظ على روح النص الأصلي على رغم تمصيره، باعتبار أن النص اكتسب عالميته وشهرته من أنه ينسحب على تلك النوعية من البشر الموجودة في كل زمان ومكان، فإن اختيار العنوان "عين العقل" أحدث شيئاً من اللبس، فهذه العبارة تقال عندما يأتي أحدهم بفعل جيد فيقال له "عين العقل"، فلمن تقال العبارة هنا، هل للقائمين بالمحاكمة، أم للضيف، بخاصة أن مطوية العرض تحمل صورة الضيف وإشارة إلى أن عينه متجهة نحو عقله، مما يحيل مباشرة إلى أنه المقصود بالعبارة، فأي عين عقل تلك التي دفعته إلى ارتكاب جريمته، هل المقصود أن المحاكمة التي أدت به إلى الاعتراف بجريمته وبأنه قاتل، جعلته في النهاية ينظر بعين العقل إلى ما أقدم عليه، فينضم إلى عالم المرضى النفسيين باعتباره الاختيار الأصح؟ ربما.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة