Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الطب الشرعي بين الضغط الاجتماعي والذكاء الاصطناعي

جمع الأدلة وتحليلها لا يزال بدائياً في عدد من الدول العربية بينما طورت المعاهد الجنائية في أوروبا وأميركا استخدامات الأدوات الرقمية

مشهد جوي من طائرة مسيرة لموقع المقبرة الجماعية في الصحراء بالقرب من بلدة الضمير شرق سوريا (رويترز)

ملخص

بين تقرير يختصر حياة في البصرة ومقابر تخفى في صحراء دمشق يقف الطبيب الشرعي العربي بين العلم والضغط وبين الجسد والورقة المختومة.

في الرابع من أغسطس (آب) 2025 عُثر على الطبيبة النفسية بان زياد طارق داخل منزلها في البصرة، وخلال أيام صار موتها بين تقريرين، تقرير الطب العدلي من جهة، والرأي العام من جهة أخرى، وأحيل الملف إلى بغداد للتحقيقات الجنائية، ثم في الفترة من الـ18 حتى الـ23 من أغسطس الماضي حسم القضاء سبب الوفاة على أنه انتحار.

وبعيداً من البصرة، في صحراء سوريا القاحلة حدث نقل الجثث بين المقبرتين في سوريا في الفترة بين عامي 2019 و2021، وكانت الشاحنات تسير ليلاً محملة بجثث من مقبرة جماعية قرب القطيفة إلى أخرى في الضمير.

لم تكن تلك مجرد عملية دفن، بل عملية محو للأدلة، والتحقيقات الاستقصائية التي تتبعت صور الأقمار الاصطناعية وتحليل التربة قالت بوضوح إن هناك جريمة ثانية ترتكب فوق الجريمة الأولى.

بين جسد فردي في العراق وجثامين جماعية في ريف دمشق، يقف الطب الشرعي في منطقتنا أمام أسئلة لا تخص الطب وحده، إلى أي حد يمكن للعلم أن يصون العدالة؟ وماذا يفعل الطبيب الشرعي حين تغيب المختبرات أو تضغط إرادته؟ وهل دخل الذكاء الاصطناعي على الخط ليعيد شيئاً من الدقة؟ أم أنه مجرد وهم جديد فوق وهم قديم؟

في العراق تقرير يختصر حياة

التقرير الشرعي الأول في وفاة الناشطة العراقية رجح فرضية الانتحار، لكن العائلة قالت إن الجثة تحمل كدمات لا تتوافق مع الرواية الرسمية، ومع الأيام، انتقل الملف إلى بغداد، وأعلن مجلس القضاء الأعلى في الـ18 من أغسطس أن الوفاة "انتحار بحت".

بين بيان رسمي وشهادات محلية، صار الجسد نفسه مجال نزاع، ناشطة عراقية في حقوق الإنسان تلخص المعضلة هكذا، الطب العدلي في العراق محاصر بين ضغط العشيرة وضغط الدولة، وإذا كان الجسد أنثى، يزداد الأمر تعقيداً، كلمة "انتحار" مريحة للجميع، أما أحد المحامين العراقيين فقد قال إنه في قضايا قتل النساء، نرى التباساً دائماً بين التقرير الشرعي والتحقيق الشرطي، الأول يصف الأثر الجسدي، والثاني يركب القصة.

تشير تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن ما يقارب 37 إلى 40 في المئة من نساء المنطقة تعرضن لعنف من شريك مرة في الأقل في حياتهن.

في ميدان آخر وبين عامي 2019 و2021، كانت الشاحنات العسكرية تنقل ليلاً جثثاً من مقبرة جماعية قرب بلدة القطيفة شمال دمشق إلى موقع صحراوي ناءٍ قرب الضمير، الهدف لم يكن دفناً لائقاً، بل إخفاء، تحقيقات استقصائية وثقت العملية عبر صور أقمار اصطناعية، وتحليل تغير التربة، وشهادات لمشاركين في الدفن والحفر، ما كان يمكن أن يكون ملفاً للطب الشرعي تحول إلى ملف لإتلاف الأدلة.

في الحالة السورية، لم يكن للطب الشرعي مكان من الأساس، ففي عالم طبيعي، تستخرج الجثث من المقابر الجماعية لتحديد الهوية بواسطة الحمض النووي، وتوثيق سبب الوفاة، وبناء "سلسلة حيازة" من مسرح الجريمة إلى المختبر فالمحكمة.

المقابر الجماعية هي أكبر اختبار للطب الشرعي، هناك قوائم بأسماء المفقودين، لكن ليس هناك مختبرات مستقلة ولا حماية لخبراء الطب العدلي، ففي النهاية يقول معلقون سوريون معنيون بالمجازر الجماعية، إن نقل الجثث يقطع ما يسمى "سلسلة الحيازة"، حين تنكسر هذه السلسلة، يصبح إثبات الجريمة شبه مستحيل أمام أية محكمة، بهذه البساطة يغتال الطب الشرعي كما يغتال الضحايا.

جسد المرأة بين العنف والورقة الشرعية

في العالم العربي، العنف المنزلي ليس استثناءً، بل قاعدة صامتة، تقارير الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية تشير إلى أن ما يقارب ثلث إلى نصف النساء في بعض بلدان المنطقة تعرضن لشكل من صور العنف من شريك حميم، وفي مصر، أظهرت دراسة أن ثلثي النساء المتزوجات مررن بعنف أسري، وفي المغرب، أقرت وزارة التضامن عام 2019 بأن أكثر من نصف النساء تعرضن للعنف، لكن أقل من 10 في المئة تقدمن بشكوى رسمية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، تظهر التجارب الأوروبية والأميركية وجهاً آخر لما يمكن أن يكون عليه الطب الشرعي حين يحمى ويفعل، وفي بريطانيا، أي بلاغ عنف منزلي ترافقه وحدة فحص طبي جنائي متخصصة، توثق الإصابات بالصور والفحوص وتحفظ كل أثر في مختبر مع سلسلة حيازة واضحة، البيانات الرسمية تشير إلى أن قضايا العنف المنزلي المدعومة بتقارير طبية قوية تصل إلى نسب إدانة عالية، لأن القاضي لا يحكم على رواية متنازع عليها، بل إثر موثق علمياً.

في الولايات المتحدة، صارت وحدات "ممرضات فحص الاعتداء الجنسي" جزءاً من المستشفيات الكبرى، وأظهرت دراسة في نيويورك أن نسبة الإدانة في قضايا العنف الجنسي ترتفع بوضوح حين يكون هناك تقرير شرعي مفصل، مع عينات DNA وصور إصابات وسرد زمني دقيق للحادثة.

الفارق بين الطريقتين في تحديد الجريمة، بالتالي وضع التقارير حولها، ومن ثم إدانة مرتكبها، ليس في جسد المرأة، بل في ما يكتب عنه، الجسد واحد، لكن الورقة إما أن تكون أداة إنصاف، أو وسيلة طمس.

الطب الشرعي لا يشتغل بالعين المجردة فحسب، يحتاج إلى مختبرات وأجهزة تحليل وقواعد بيانات، وفنيين وسلسلة حيازة محمية بالقانون.

في اليمن، معظم التحقيقات لا تزال تبنى على الشهادات، إذ تفتقر الدولة إلى مختبرات DNA عاملة بعد سنوات الحرب، وفي السودان، الفحوص لا تجرى إلا في العاصمة بأجهزة قديمة، مما يطيل التقاضي لسنوات ويعرض الأدلة للتلف، اما في لبنان، أدى الانهيار الاقتصادي إلى شلل في مختبرات الأدلة الجنائية، وتوقف كثير من الأجهزة عن العمل أو الصيانة.

في المقابل، استثمرت دول مثل السعودية والإمارات في البنية التحتية للطب الشرعي، مختبرات حمض نووي حديثة، وتصوير ثلاثي الأبعاد لمسرح الجريمة، وأرشفة رقمية للأدلة، هذا الاستثمار لم يعد تفصيلاً تقنياً، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن والقضاء، ورفع من ثقة المحاكم في الأدلة العلمية وسرع إصدار الأحكام.

الذكاء الاصطناعي أداة جديدة أم وهم؟

دخل لاعب ثالث إلى مسرح الطب الشرعي، وهي الخوارزميات، التي راحت تدخل في كل شيء أساساً، ويحدد الطبيب البشري سبب الوفاة وزمنها التقريبي، ويربط الإصابات بأداة الجريمة، ويثبت وجود خنق أو تسميم أو إطلاق نار، ويشرح للمحكمة حدود ما يمكن للعلم أن يقوله وما لا يمكنه، أما الآلة، أي الذكاء الاصطناعي، فتسارع التحليل فتفك شيفرات العينات المعقدة، تكشف الأنماط الدقيقة في الصور والأشعة، ترصد التلاعب في الفيديوهات، وتحفظ ملايين البيانات في ثوانٍ، لكنها في النهاية أداة في يد من يستخدمها.

في الحمض النووي ظهرت برمجيات في عشرات المختبرات الأميركية والأوروبية، لحل ألغاز العينات المختلطة التي تتداخل فيها آثار أكثر من شخص، هذه الخوارزميات لا "تدين" أحداً بذاتها، لكنها تنتج احتمالات إحصائية دقيقة يستند إليها المتخصص البشري في شرحه للمحكمة.

في التشريح الافتراضي ظهر مشروع (Virtopsy) في سويسرا، والذي قدم نموذجاً للتشريح من دون مشرط، عبر التصوير الطبقي والرنين المغناطيسي وتحليل الصور بخوارزميات ترسم مسار الطلقات، وتحدد نوع الأداة، وتظهر كسور العظام المخفية، والهدف ليس إلغاء التشريح التقليدي، بل تقليل أخطاء الإغفال وإضافة طبقة تصويرية يمكن العودة إليها لاحقاً.

في الأدلة الرقمية طورت المعاهد الجنائية في أوروبا وأميركا أنظمة لكشف الفيديوهات المزيفة، عبر تحليل تزامن نبض الوجه مع اللون، أو تناسق الظلال والحركة، إلى جانب أنظمة التعرف على الوجوه التي تحسنت دقتها، مع بقاء تحذيرات جدية من التحيز ضد مجموعات سكانية معينة.

في أوروبا وأميركا، صار الطب الشرعي لغة ثانية للمحاكم: لا حكم بلا تقرير، ولا تقرير بلا مختبر، وفي عالمنا العربي، لا يزال الطب الشرعي يتأرجح بين أن يكون أداة للإنصاف أو ورقة تستعمل للتغطية، مرة يقصقصه ضغط العائلة، ومرة تكممه السلطة، ومرة يشله غياب المختبرات، ومرة يستخدم لتجميل رواية جاهزة.

العلم يقدم أدوات جديدة كل يوم: الذكاء الاصطناعي، والتشريح الافتراضي، وقواعد بيانات الحمض النووي العابرة للحدود، لكن العدالة هي سلسلة كاملة، ورأي عام لا يكتفي بالأسئلة، بل يبحث عن إجابة حقيقية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير