ملخص
بريطانيا تتخلف عن تعزيز قدراتها العسكرية بينما ألمانيا وبولندا ودول أوروبية أخرى تعيد الخدمة الإلزامية وتزيد الإنفاق الدفاعي لمواجهة التهديد الروسي في أكبر تحدٍّ لأمن أوروبا وديمقراطيتها منذ الحرب العالمية الثانية.
لقد أثارت حملة "ارفعوا الأعلام" [حملة رمزية لرفع الأعلام تعكس نزعة وطنية عاطفية] شعوراً بالفخر في أنحاء بريطانيا، إذ يحيي السائقون الجماهير الحماسية فوق الجسور أثناء مرورهم من تحتها، ويرفع المارة قبعاتهم تحية لعلم إنجلترا (صليب القديس جورج الأحمر) ولعلم الاتحاد. يا لها من متعة حقيقية لأولئك الذين يرون العالم بعدسة مجلات كوماندوز المصورة [قصص مصورة بريطانية قديمة تمجد القتال والعسكر البريطانيين في الحرب العالمية الثانية] وبطولات المعاطف الحمر في فيلم "زولو" لمايكل كين [في إشارة إلى الزي البريطاني العسكري في القرن الـ19، وبخاصة في المعارك الاستعمارية التي ظهرت في الفيلم].
ومن الغريب أن أنصار الماضي المجيد من اليمين البريطاني لا يصطفون أمام مراكز التجنيد للالتحاق بالجيش الفعلي في وقت تخوض فيه بلادهم حرباً هجينة تنذر بالتصاعد والتحول إلى مواجهة شاملة خلال أشهر قليلة.
لكن ألمانيا تتحرك.
إذا أثارت هذه العبارة الذعر لدى البعض، فذلك لأنهم لا يرون الخطر الحقيقي ويركزون على أمر غير مهم. فبريطانيا وسائر أوروبا تواجهان أخطر تهديد للديمقراطية وللقارة نفسها منذ عام 1945.
أما في بريطانيا فإن أكثر "الوطنيين" حماسة ينصب جل تركيزهم على شن حملات ضد المهاجرين الذين جاءوا للمشاركة في أمجاد بريطانيا، بينما يلتزمون الصمت المطبق إزاء ضرورة الدفاع عن البلاد ضد روسيا التي تسعى إلى تدمير بريطانيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بريطانيا تتخلف عن الركب في وقت يدرك فيه حلفاؤها الأوروبيون بسرعة حقيقة مفادها أن التاريخ يفرض عليهم عنوة بسبب الأفعال التي يقوم بها فلاديمير بوتين في أوكرانيا وتهديداته الواضحة لبقية دول أوروبا الشرقية.
حتى ألمانيا التي كان دستورها يحظر عليها بناء جيش قوي بعد الحقبة النازية باتت تخطط لتعزيز قواتها.
الأسبوع الماضي أعلنت برلين إخضاع جميع الشبان بسن الـ18 سنة لفحص طبي إجباري للتجنيد العسكري في إطار خطة لرفع عدد الجيش من 182 ألف جندي حالياً إلى 260 ألفاً بحلول 2035، وزيادة الاحتياط من 60 ألفاً إلى 200 ألف. ويرجى أن يكون التوسع طوعياً، لكن القوانين التي تسمح بإعادة الخدمة الوطنية التي انتهت عام 2011 لا تزال سارية.
تخطط ألمانيا لتصبح إحدى أكبر القوى الدفاعية في أوروبا و"الناتو". وفي غضون أربع سنوات من المتوقع أن يرتفع الإنفاق الدفاعي الألماني إلى 153 مليار يورو (135 مليار جنيه استرليني) سنوياً، ما نسبته 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما سيبلغ الإنفاق البريطاني نحو 75 مليار جنيه استرليني والفرنسي نحو 80 مليار يورو.
ويشمل التوسع الألماني الهائل في إنتاج الأسلحة سياسة تقضي بإنفاق 10 في المئة فقط من موازنتها على أسلحة أميركية للحفاظ على الوظائف ومنافع الإنفاق الحكومي داخل ألمانيا وأوروبا.
ستتفوق ألمانيا على كل من فرنسا وبريطانيا من حيث الحجم والنفوذ ضمن منظومة الدفاع الأوروبية وحلف "الناتو"، وكذلك ستفعل بولندا التي تنفق بالفعل 4.7 في المئة من ناتجها المحلي على الدفاع، وهي نسبة تتجاوز التزام دول "الناتو" الأخرى بالوصول إلى سقف 3.5 في المئة.
وكانت وارسو قد أطلقت برنامجاً للتدريب العسكري يستهدف جميع الذكور البالغين في البلاد.
وفي تصريح لرئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في مايو (أيار) الماضي قال "نسعى لإعداد نموذج جاهز بنهاية العام الحالي بحيث يتلقى كل ذكر بالغ في بولندا تدريباً عسكرياً في حال نشوب حرب، وذلك لضمان وجود قوة احتياط مؤهلة ومناسبة للتهديدات المحتملة".
أما أهداف التجنيد العسكري البريطاني فتسعى إلى زيادة القوة المدربة بدوام كامل في الجيش والبحرية الملكية وسلاح الجو الملكي، لكن الاستجابة الفعلية كانت مخيبة للآمال. ويواجه الجيش عجزاً بنسبة 3 في المئة عن هدفه المتمثل في تجنيد نحو 10 آلاف مجند جديد للوصول بالقوات الدائمة إلى 76 ألف جندي.
أما البحرية الملكية فأسوأ حالاً، حيث تخلفت عن أهدافها في التجنيد بنسبة 8 في المئة، فيما يعد سجل سلاح الجو الملكي الأسوأ بتخلفه 13 في المئة عن الأعداد المستهدفة.
ومن المقرر أن تنفق بريطانيا 2.2 مليار جنيه إضافية على الدفاع في 2025-2026 فحسب، ليصل إجمال الإنفاق إلى أكثر من 62.2 مليار جنيه، مع تركيز الزيادة على تحديث القدرات العسكرية، بما فيها أنظمة أسلحة جديدة وطائرات مسيرة وتقنيات ذكاء اصطناعي و"أسلحة طاقة موجهة" (ليزر).
وتخصص جهود تمويلية هائلة لتمويل نحو 7 آلاف نظام سلاح وغواصة جديدة تشمل غواصات ذات قدرات نووية.
وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد قادا الجهود الأوروبية في بناء الدعم لأوكرانيا في دفاعها ضد روسيا، بعد قطع دونالد ترمب الدعم الأميركي تماماً، لكن على عكس ألمانيا وبولندا ودول البلطيق وكرواتيا (التي أعادت الخدمة الوطنية الإلزامية للرجال)، ما زال أمام بريطانيا مهمة إقناع مواطنيها بأن الوطنية الحقيقية تترجم بالانضمام للجيش والخدمة العسكرية وليس بمجرد رفع الأعلام على الجسور وأعمدة الإنارة.
© The Independent