ملخص
ظهر طائر الغاق الأفريقي في مصر بعد 122 عاماً من الاختفاء حيث سُجل آخر ظهور له عام 1903، أسباب متعددة أدت لظهوره فما هي وماذا يمثل هذا الأمر على جودة البيئة وكيف ينعكس على التنوع البيولوجي؟
تعتبر منطقة بحيرة ناصر الواقعة في أقصى جنوب مصر واحدة من أهم المناطق التي تزخر بتنوع كبير في أنواع الطيور التي توجد بها، وتعتبر نقطة أساسية لكل المهتمين بالحياة البرية ودراسة الأنواع المختلفة من الطيور وأماكن وجودها، باعتبار وجود أنواع متعددة تستوطنها إلى جانب كونها نقطة أساسية ومحطة هامة في مسارات الطيور المهاجرة التي تمر على مصر في رحلتها السنوية من الشمال آتية من أوروبا باتجاه الجنوب.
العوامل السابقة مجتمعةً جعلت المنطقة من أهم المناطق التي تُعتبر وجهة رئيسة لسياحة مراقبة الطيور التي يأتي لها الناس من دول مختلفة باعتبار أن مصر تمثل وجهة مثالية لها لتعدد الأنواع واختلافها.
في العام الأخير رصد مراقبو الطيور في منطقة بحيرة ناصر أكثر من مرة ظهور لطائر الغاق الأفريقي وهو طائر ذو ريش داكن تميزه لمعة بسيطة في أجنحته. ويستوطن هذا الطائر بشكل أساس منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ويوجد في المناطق ذات المسطحات المائية الهادئة والأراضي الرطبة التي يستوطنها ويتخذها محلاً لتكاثره.
لا تقتصر مراقبة الطيور ودراستها على مجرد التعرف إليها وتأملها وتحديد مواقع وجودها وإنما يتم تسجيل الأنواع والفصائل المختلفة من الطيور التي تظهر في كل منطقة، وطبقاً لهذه السجلات فإن طائر الغاق الأفريقي لم يسجَل له أي ظهور في مصر منذ عام 1903 أي منذ نحو 122 عاماً.
الظهور الأول
في العام الأخير رصد مراقبو الطيور في محافظة أسوان مجموعات من طائر الغاق تكرر ظهورها أكثر من مرة وفي مناطق متفرقة، فرُصدت عند منطقة أبو سمبل ورُصدت في مناطق متفرقة من بحيرة ناصر، إلى جانب ظهورها جنوب خزان أسوان، إلا أن الحدث الأبرز هو رصد المراقبين أعشاشاً للطائر في المنطقة دليل على تكاثره في مصر، مما يعنى أنه مستوطن وليس مجرد عابر، وشكّل هذا أهمية كبرى في ما يتعلق بالحياة البرية في مصر وجودتها، باعتبار أن هذا هو الظهور الأول للطائر منذ أكثر من قرن.
إسماعيل خليفة، مراقب الطيور ومصور الحياة البرية ومؤسس موقع "أسوان بيرد واتشينغ" (Aswan bird watching) يوضح أن "الغاق الأفريقي من الطيور المستوطنة في أفريقيا وكان موجوداً سابقاً في مصر، فظهوره لا يرتبط بتغير مسار هجرته أو اعتماده مساراً جديداً ولكن يرتبط بفقدان الموئل الملائم والبيئة المناسبة ومصادر الغذاء الوفير التي تمثل العناصر الأساسية لتوطن طائر في موقع معين. يُعرف الطائر أيضاً بـ ’غاق القصب‘ باعتبار أنه يعيش بالقرب من زراعات القصب الكثيفة والتي توجد مساحات شاسعة منها في أسوان، وهو طائر متوسط الحجم يميزه ريش داكن ولمعان برونزي ومنقار أصفر مدبب".
وزاد خليفة، "لم يقتصر الأمر في الفترة الأخيرة على ظهور طائر الغاق ولكنه امتد إلى أنواع أخرى من بينها ’نساج القرية‘ الذي يعرف بالحباك ويشتهر ببناء أعشاش كروية بدقة وتميز، والنوع الثاني هو شمعي المنقار قرمزي العجز وهو من الأنواع التي لم تكن منتشرة في مصر، وكلا الطائرين هما من الطيور التي تستوطن منطقة أفريقيا جنوب الصحراء وظهرت في مصر خلال الفترة الأخيرة بفعل تحسن جودة البيئة مما استقطب أنواعاً متعددة من الطيور".
ووفق رؤية خليفة فإن "للتغير المناخي في الفترة الأخيرة دوراً في حدوث بعض التغيرات في المناطق التي تستوطنها الطيور، فبعض الأنواع اتجهت شمالاً باعتبار أن البيئات أصبحت أكثر دفئاً من السابق، والسياسات الحكومية الأخيرة التي تبنتها مصر إضافة إلى العوامل الخاصة بتغير المناخ دفعت كثيراً من أنواع الطيور إلى الاتجاه شمالاً بحثاً عن موائل مناسبة ومناطق يتوافر فيها الغذاء، وانعكس هذا على ثراء التنوع البيولوجي في مصر بظهور أنواع جديدة وعودة أنواع كانت موجودة سابقاً مثل طائر الغاق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قرار منع الصيد في بحيرة ناصر
من العوامل التي كان لها مردود كبير في الفترة الأخيرة على الحياة البرية في مصر هو القرار الذي اتخذته الحكومة المصرية بمنع الصيد في بحيرة ناصر، ففي موسم الصيد 2022/2023 وثّقت الجمعية المصرية لحماية الطبيعة ما لا يقل عن 15 رحلة صيد غير قانونية استهدفت أنواعاً متعددة من الطيور من بينها طيور مهاجرة، وبعض هذه الرحلات كان يتم تحت غطاء منظم بواسطة شركات سياحية، ولكن رحلات عدة أصبحت لا تراعي القواعد أو الأطر القانونية المنظمة للصيد في البحيرة، وتسببت بكثير من الانتهاكات بصيد أنواع نادرة أو مهددة بالانقراض.
وزاد من الأزمة المساحة الشاسعة لبحيرة ناصر التي تُعتبر من أكبر مسطحات المياه العذبة في العالم مما يجعل عملية الرقابة عليها أمراً شديد الصعوبة لامتداد مساحتها على نطاق واسع، ولمواجهة هذه الأخطار أصدرت وزارة البيئة المصرية قراراً غير مسبوق في عام 2023 يقضي بمنع الصيد نهائياً في بحيرة ناصر لمدة عامين كان له انعكاس كبير على الحياة والبيئة هناك.
وفي الفترة الأخيرة أطلقت الجمعية المصرية لحماية الطبيعة في مصر حملة بعنوان "حتى تعود الطيور" للعمل على تمديد قرار حظر الصيد واستمراره في بحيرة ناصر لحماية الحياة البرية والتنوع البيولوجي في المنطقة والانتقال بالبحيرة من الاستنزاف إلى التنمية، وهو ما حدث بالفعل، إذ صدر قرار بالعمل على منع الصيد في البحيرة لعام ثالث.
المدير التنفيذي للجمعية المصرية لحماية الطبيعة خالد النوبي أوضح أنه "على مدار العقدين الأخيرين عانت منطقة بحيرة ناصر من الصيد الجائر، وتسبب ذلك بأضرار كبيرة على البيئة، فما كان متبعاً أنه كان يصدر بشكل سنوي قرار لتنظيم الصيد في البحيرة ينص على الأنواع التي يُسمح بصيدها وما يُحظر صيده، ولكن هذا القرار لم ينص على الكميات ولا الكيفية وكانت له أضرار كبيرة على البيئة، فحتى صوت البنادق المستخدمة في الصيد كان يسبب ضرراً بالغاً للطيور ويدفعها إلى الهرب من المنطقة باعتباره مصدر خطر. ومنذ عام 2019 ونحن نسعى للحصول على قرار بمنع الصيد في بحيرة ناصر، وبالفعل تم إصداره منذ عامين حظر فيهما الصيد تماماً في البحيرة، وانعكس ذلك بشكل كبير على البيئة وتنوع الحياة البرية ومن بينه ظهور أنواع من الطيور لم تكن موجودة في السنوات الأخيرة ومن بينها طائر الغاق الأفريقي"، مشيراً إلى أن "وجود الطيور في منطقة معينة يمثل مؤشراً إلى صحة البيئة، فوجود طائر وتوطنه في منطقة معينة يعني أنه يوجد طعام وفير ومكان آمن لا توجد فيه مهددات. وتكاثر الطيور في منطقة معينة يمثل دليلاً أقوى على جودة البيئة باعتبار أن هذه الطيور بُنيت أعشاشها واستقرت في هذه المنطقة وتكاثرت فيها، فهي مقيمة وليست عابرة بالصدفة، وهذا ما حدث في بحيرة ناصر في السنوات الأخيرة مع ظهور أكثر من نوع من الطيور من بينها طائر الغاق الأفريقي".
وأوضح النوبي أن "أسوان هي نقطة تلاقي الطيور المنتمية لمنطقتين بيئيتين، وهما الطيور الآتية من أوروبا شمالاً في رحلتها نحو المناطق الدافئة في الجنوب، والطيور الآتية من أفريقيا جنوباً نحو الشمال لأسباب متعددة من بينها أخيراً تغير المناخ، إضافة إلى الطيور المستوطنة في مصر، فهذه المنطقة بها تنوع كبير في الطيور. ومع بداية العام الثالث لقرار حظر الصيد حدثت تغيرات عدة أهمها زيادة أعداد الطيور، تسجيل لطيور متكاثرة نتيجة جودة البيئة، ظهور أنواع من الطيور للمرة الأولى في المنطقة مثل طائر الغاق، ولهذا فهذه المنطقة من أهم مواقع سياحة مراقبة الطيور في العالم، ويمكن دعم هذا المجال والتوسع فيه باعتباره ستنتج منه عائدات كبيرة، إذ إن نوعية السائحين المهتمين به من الأكثر إنفاقاً".