Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف قضى اللصوص ليلتهم في المدافن التدمرية لمتحف دمشق؟

سرقة تماثيل تعود إلى الفترة الرومانية والتحقيقات جارية للبحث عن هوية الفاعلين

المتحف السوري الذي تمت سرقته (اندبندنت عربية)

ملخص

لا يزال الغموض يلف حادثة سرقة تماثيل أثرية ثمينة تعود إلى الفترة الرومانية من المتحف الوطني في دمشق. "اندبندنت عربية" تواصلت مع أنس حاج زيدان مدير الآثار والمتاحف في سورية للاستفسار عن ملابسات السرقة التي وقعت ليل الأحد الماضي، إلا أن زيدان امتنع عن التصريح واكتفى بإحالتنا إلى الخبر الذي نشرته مديرية الآثار عبر حسابها في "فيسبوك". وكالة الأنباء الرسمية "سانا" اقتبست بدورها عنه.

 يوضح الخبر في وكالة "سانا" "أن المديرية باشرت بتحقيق رسمي في حادثة سرقة الآثار، بالتعاون مع الجهات الأمنية المختصة، وأكدت المديرية "أنه على رغم ما تسببت به حادثة السرقة من خسارة لم تؤثر في سير العمل داخل المتحف الذي يواصل استقبال زواره كالمعتاد. وأشارت المديرية في بيانها إلى أنها قامت بمجموعة من الإجراءات الفورية لضمان سلامة المقتنيات، وتعزيز منظومة الحماية والمراقبة".

ويتخيل البعض مدخلاً درامياً لفيلم وثائقي، وكيف قضى اللصوص ليلتهم داخل المدافن التدمرية، ثم كسروا صباحاً باب قسم الآثار الكلاسيكية الذي فوجئ موظفو المتحف بخلعه صباح الإثنين الماضي. إذ يتوقع البعض فقدان معروضات من قسم الآثار الكلاسيكية تعود مقتنياتها إلى العهود اليونانية والرومانية والبيزنطية، وتضم بهو المتحف، وتتكون من رواقين. الرواق الأول عرضت على واجهاته تماثيل رخامية وآثار فضية وبرونزية وعاجية وعظمية، أما الرواق الثاني فعرضت في واجهاته أجمل التماثيل والأواني الفخارية التي تشهد على تطور صناعة الزجاج القديم في البلاد، ويحتوي هذا القسم على تمثال مرمري نفيس يمثل سيرابيس رب الموت والعودة إلى الحياة (رقم سجله 2504)، ويمثل مفهوم الإنبات ومصير الروح الإنسانية في الحضارات السورية القديمة.

ومن بين المعروضات التي يمكن أن تكون قد سرقت من متحف دمشق تمثال رخامي كبير لربة الجمال ذات الثوب المبتل (رقم السجل 4857). وتبدو ربة الجمال في هذا التمثال النادر تقف على قاعدة مستطيلة ومتدثرة بثوب فضفاض ناعم ومبتل ملتصق بجسدها الرشيق فينم عن تفاصيله، ويبدو فوقه رداء تتجمع ثنياته فوق ساقيها، وقد استندت على رجلها اليمنى، بينما تقدمت برجلها اليسرى قليلاً إلى الأمام بحركة تعبّر عن الحياة، وتنتعل في قدميها صندلاً، ويبلغ ارتفاع هذا التمثال 95 سم، وهو مكتشف في محافظة اللاذقية (غرب البلاد).

واجهات وأروقة

ويضم المتحف العديد من واجهات العرض والأروقة والخزانات الزجاجية، ففي الواجهة الأولى من الرواق الأول هناك تماثيل تبرز تطور فن النحت، والمواضيع التي عالجها فنانو العصر الهلنستي والروماني متأثرين بالفكر السائد والمدارس الفنية الأساسية التي كانت الأنظار تتجه إليها يوم كان المثل الأعلى للفن هو الاهتمام بالإنسان وواقعه، والتعبير عن حقيقته بغرائزه وعواطفه ومشاعره ونزعاته، إذ يوجد تمثالان رخاميان لفينوس ترفع بيدها صندلاً كأنها تهدد به كيوبيد الذي يبدو على كتفها الأيسر، ويبلغ ارتفاع التمثالين نحو 27 سم و16 سم، ورقم السجل الخاص بهما هو (5029) ومكان اكتشافه بلدة تلبيسة (ريف حمص الشمالي).

ويوجد في قسم الآثار الرومانية في متحف دمشق العديد من تماثيل تجسد تصوراً للربة فينوس التي تعبر عن المثل الأعلى في الجمال، سواء في ملامح وجهها أو تقاسيم جسمها، إذ وصفتها شروحات آثاريين أوروبيين نقّبوا في أماكن عديدة من سورية منذ خمسينيات القرن الفائت، بأن فينوس ربة بحرية وسماوية وأرضية معاً، فصفتها السماوية جعلتها بمثابة حامية للمدن، وصفتها البحرية جعلتها سيدة الملاحة، كذلك فإن صفتها الأرضية جعلتها حامية للمدافن، بل تم تجسيدها كسيدة الزواج والحياة الاجتماعية، لا سيما ربة الحب الجسدي والجمال المثالي والرغبات التي تضطرم في أفئدة البشر، إذ اتخذت فينوس في تماثيل المتحف مظهرين: الأول المريبة وقاتلة الرجال، ومظهر الربة المحبوبة واللطيفة التي توحي بمسرات الحب وسعادته.

ويزخر متحف دمشق الوطني بنفائس من المنحوتات البرونزية تمثل حيوانات مختلفة من شأنها أن تعطي انطباعاً لزائر هذا المكان مدى اهتمام فناني العصور اليونانية والرومانية والبيزنطية بتمثيل العديد من الحيوانات، وخبرتهم المهنية في إبداع هذه التماثيل التي تتميز بقوتها التعبيرية، وتباين ميادين تأثرهم واقتباسهم وحرصهم على تجسيد الحيوانات في لحظة عابرة من حركاتها أو زئيرها، ومن بين هذه اللقى الأثرية المهمة تمثال يمثل نسراً باسطاً جناحيه ويقف على ظهر غزال (رقم السجل 4036) وعصفور برونزي (رقم السجل 7506) ومقبض برونزي له شكل ثور يجلس على قوائمه (رقم السجل 6090)، إضافة لتمثال قط اكتشف في أوغاريت من قبل البعثة الفرنسية (رقم سجله 14782).

آثار زجاجية

ويعتبر المتحف الوطني في دمشق من أغنى متاحف العالم بالآثار الزجاجية، وهذا ما يعطي الزائر لمحة عن مدى ازدهار هذه الصناعة عبر التاريخ، إذ يضم المتحف الدمشقي نماذج من قماقم مصنوعة من الزجاج المعتم "الزجاج الفينيقي"، والذي يشبه بأشكاله المكاحل الرخامية الإغريقية، وكانت هذه القماقم تصنع بطريقة الصب في جسم رملي، ويعود تاريخ صناعتها إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وهناك نماذج عن صناعة زجاج الموزاييك التي تعتمد على جمع قضبان زجاجية مختلفة الألوان والشفافية والبريق، إضافة لصناعة الأدوات الزجاجية المصنوعة بطريقة النفخ في قالب، ويشتمل المتحف على العديد من هذه القطع التي تدعى بالزجاج الحليبي اللون.

وتتعرض الآثار السورية منذ اندلاع شرارة الثورة السورية في آذار (مارس) 2011 إلى ما يمكن اعتباره نهباً منظماً عبر شبكات محلية ودولية لتهريب الآثار، ما جعل مديرية الآثار والمتاحف تقوم بنقل آلاف القطع الأثرية إلى متحف دمشق وغيره من المتاحف الوطنية البعيدة من نيران المعارك الدائرة، وكان مأمون عبد الكريم مدير عام الآثار والمتاحف السابق قد كتب على حسابه في "فيسبوك" يقول موضحاً عن هذا الموضوع: "نود التأكيد على أن ما نشرناه حول عمليات إنقاذ المتاحف والآثار السورية ما بين عامي 2012 و2017 يستند إلى بيانات دقيقة وشهادات موثوقة لأشخاص شاركوا ميدانياً في حماية التراث خلال أصعب مراحل الحرب، ولا يزال العديد منهم موجودين داخل سورية وخارجها، وقد كنا واضحين أن آثار تدمر تم إنقاذها عبر شاحنات، وليس عبر طائرات كما أشيع أخيراً بشكل غير دقيق وبمعلومات مشوهة، إذ لم يكن من الممكن حينها الحصول على طائرة شحن بسبب الإجراءات البيروقراطية لتنفيذ عملية النقل على غرار ما تم في متحف دير الزور، وفي ليلة سقوط المدينة تمكن الفريق الميداني من إنقاذ 400 تمثال وتمثال نصفي ومئات القطع الأثرية الصغيرة، إذ كان من المستحيل نقل جميع الآثار في تلك الليلة أو قبلها بسبب الظروف الأمنية المعقدة على الطرقات، وبعد تحرير تدمر تم نقل ما تبقى من القطع، بما ذلك 200 تمثال متضرر، ومن أبرزها تمثال أسد اللات الضخم الذي نقل إلى دمشق".

ويضيف عبد الكريم: "في تلك المرحلة تم اعتماد إخفاء المقتنيات في مستودعاتها داخل المحافظات كإجراء وقائي موقت لحمايتها، لكن في عام 2015 بسبب حدة العنف، جرى تغيير الاستراتيجية والبدء بنقل المجموعات الأثرية إلى مناطق أكثر أمناً في دمشق، ومن أبرز عمليات الإنقاذ التي نفذت آنذاك نحو 30 ألف قطعة أثرية من متحف دير الزور عبر طائرات شحن في صيفي 2014 و2015، في واحدة من أصعب عمليات الإنقاذ على مستوى العالم خلال حصار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) للمدينة، إضافةً لإنقاذ نحو 24 ألف قطعة أثرية من متحف حلب عبر شاحنات عام 2015 من منطقة كانت تشهد معارك عنيفة، و15 ألف قطعة من متحف حمص، و5 آلاف قطعة من متحف حماة، وكامل مقتنيات متاحف درعا والقنيطرة نقلت بأمان إلى دمشق وغيرها من المتاحف الوطنية".

لوحات فسيفساء

كذلك تم إنقاذ مقتنيات ولوحات فسيفساء في متحف المعرة بجهود المجتمع المحلي على رغم خروجها من إدارة المديرية العامة للآثار والمتاحف منذ عام 2012- يؤكد المدير السابق للآثار والمتاحف السورية "إن كل هذه الجهود نفذت بروح وطنية خالصة ومن دون أي مقابل مادي، وفي ظروف ميدانية بالغة الخطورة، إذ تعرضت حياة العديد من الزملاء والعاملين في الحقل الأثري للتهديد والموت، وكان الهدف الوحيد هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من التراث السوري، وهو ما شكّل بالفعل الغالبية المطلقة من مقتنيات المتاحف السورية، باستثناء متحفي الرقة 2014 وإدلب عام 2015، إذ خرجتا من إدارة المديرية العامة للآثار والمتاحف وتعرضا لخسائر كبيرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقبل تأسيس متحف دمشق عام 1919 كانت الآثار السورية في العهد العثماني تنقل إلى متاحف إسطنبول، أو تقع في أيدي التجار الأجانب أو التجار المحليين لتجد هذه الآثار طريقها إلى خارج البلاد، وفي فترة الاستقلال العربي الأول بعد جلاء القوات العثمانية وتأسيس حكومة الملك فيصل تم إحداث المجمع العلمي العربي والمتحف الوطني في دمشق، وكان هذا العمل أبرز الأعمال التي وصمت تلك الفترة التي تميزت بوعي وطني كبير، وإدراك لقيمة التراث الحضاري والثقافي في البلاد، إذ كان مقر هاتين المؤسستين في بناء من العهد الأيوبي (المدرسة العادلية) والكائنة في باب البريد في دمشق القديمة.

وبعدها أخذ المتحف ينمو رويداً رويداً حتى ضاق به البناء القديم، وفي عام 1936، أنشأت قوات الانتداب الفرنسي بناء حديثاً للمتحف الوطني قرب مبنى التكية السليمانية، وكان مخططه قابلاً للتوسع، وكان بناء القسم الأول مقتصراً على بهو ورواقين وأربع قاعات وجناح للمكاتب وطبقة علوية فيها ثلاث قاعات أخرى، وقد أعيد في هذا القسم بناء كنيس دورا أوروبوس ومدفن يرحاي التدمري. وقد اختص متحف دمشق آنذاك بحفظ الآثار الكلاسيكية، وخصصت فيه قاعتان فقط لآثار الفن الإسلامي، أما في عام 1939، وفي الجهة الغربية من القسم الأول بدئ بإنشاء القسم الشرقي الأوسط من واجهة قصر الحير الغربي الذي اكتشف في بادية الشام. وقد تأخر إنجاز هذا العمل بسبب الصعوبات الفنية ووقوع البلاد في حرب بين قوات فيشي وقوات فرنسا الحرة بقيادة الجنرال شارل ديغول، إلا أن أعمال الصيانة انتهت عام 1950.

وفي عام 1952 عرض للمرة الأولى في المتحف نتاج التنقيب في المواقع الأثرية القديمة والإسلامية من مثل مواقع ماري ورأس شمرا والرقة والرصافة، وفي عام 1953 أُنشئ إلى الغرب من قصر الحير الغربي جناح جديد مؤلف من ثلاث طبقات وقبو، ونظم في الطبقة الأرضية فرع الآثار العربية الإسلامية، وخصصت الطبقة الأولى من المكان لفرع الفن الحديث، والطبقة الثانية لتكون مقراً موقتاً للمعارض الأثرية أو الفنية الحديثة، إذ أقيمت هناك أولى معارض الخريف والربيع للفن التشكيلي السوري، ولقد أصبح متحف دمشق الوطني منذ ذلك الحين مخصصاً لعرض الآثار السورية القديمة التي تعود إلى فجر التاريخ (الألف الثالث قبل الميلاد حتى القرن الرابع قبل الميلاد).

ومنذ ذلك الوقت أخذ المتحف ينمو وتكبر مجموعاته بسبب توافد البعثات الأثرية الأوروبية، فكان لزاماً أن يتوسع البناء في مرحلته الأخيرة، فوضع عام 1956 حجر الأساس لامتداد الجناح الغربي من المتحف، وتم إتمام عمليات البناء عام 1962، ليضاف إلى المتحف رواق وثلاث قاعات مزدوجة وقاعة محاضرات، والتي أقر فيها في ما بعد عناصر تزيينية لقاعة شامية من القرن 18 ميلادي، إذ يعتبر المتحف الوطني في دمشق اليوم درة متاحف الشرق، وتعتبر حديقته ومقهاه ملتقى ومختبر مفتوح لعشرات الرسامين والباحثين والمثقفين السوريين. 

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة