ملخص
لعل الطموحات النووية الأميركية، تمضي في اتجاه مغاير، إذ تم رصد قرابة تريليوني دولار للنهوض بالترسانة النووية الأميركية، لا سيما أن بعضها قد بلغ عمر المعاش كما يتندر البعض. أهي عودة لسباق الاستنزاف المتبادل مالياً، ما يعيد ذكريات الأمس قبل سقوط الاتحاد السوفياتي؟
مرة جديدة يجد المرء نفسه أمام كارل ماركس ورؤيته للتاريخ الذي لا يعيد نفسه، ذلك أنه لو فعلها لكان في المرة الأولى مأساة، وفي الثانية ملهاة، ومرة أخرى يتردد صدى صوت الكاتب الأميركي الساخر مارك توين، التاريخ لا يعيد نفسه، لكن أحداثه تتشابه.
ما الذي يدعونا إلى إعادة التساؤل المثير وربما الخطر عن التاريخ وحركة الإنسان في هذا التوقيت؟
ربما تأتي حركة انفلات التسلح، وبنوع خاص الأسلحة النووية شرقاً وغرباً، لتضعنا أمام علامة استفهام حول مسار الإنسانية في النصف الثاني من العقد الثالث من القرن الـ21، وهل تمضي في سياق تكرار أزمة سباق التسلح التي عاشتها في زمن الحرب الباردة بين حلفي وارسو والأطلسي أم لا.
في آخر تقرير لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام للعام الحالي، نلاحظ أرقاماً مفزعة للتسلح النووي بصورة خاصة، حيث واصلت جميع الدول التسع المسلحة نووياً تقريباً، برامج التحديث النووي المكثفة، وترقية الأسلحة الحالية وإضافة إصدارات أحدث.
في هذا الصدد يصرح هانز م. كريستنسن، الزميل المشارك في برامج أسلحة الدمار الشامل بمعهد استوكهولم، ومدير مشروع المعلومات النووية في اتحاد العلماء الأميركيين بأن "عصر تخفيض عدد الأسلحة النووية في العالم، والذي استمر منذ نهاية الحرب الباردة، يقترب من نهايته". ويضيف "بدلاً من ذلك، نشهد اتجاهاً واضحاً نحو تنامي الترسانات النووية، وتصاعد حدة الخطاب النووي، والتخلي عن اتفاقيات الحد من الأسلحة".
في هذه القراءة يعن لنا أن نتوقف عند مرتكزين أساسيين في مشهد التسلح المعاصر، روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية والتساؤل: من يرهق الآخر في هذا السباق، وهل تعيد روسيا أخطاء الماضي السوفياتي، حين صارعت القوة الأميركية القادرة على التصدي والتحدي مالياً وعسكرياً، ولهذا تصدع الاتحاد السوفياتي وأفل من الوجود؟ أم أن الولايات المتحدة بدورها تعرض مستقبلها الاقتصادي للكثير من الأخطار لا سيما في ظل دخول الصين دائرة التسليح الجهنمية هذه بقدراتها المالية المتصاعدة في أعلى عليين يوماً تلو الآخر، ومن جهة أخرى تبدو أرقام الدين العام الأميركي مخيفة إلى حد الفزع وقد تتجاوز الـ40 تريليوناً من الدولارات قبل نهاية هذا العقد.
برامج التحديث النووي الروسي والأميركي
على رغم أن روسيا والولايات المتحدة الأميركية تمتلكان معاً نحو 90 في المئة من إجمالي الأسلحة النووية، ويبدو أن مخزوناتهما العسكرية قد استقرت نسبياً بحلول عام 2024، إلا أنهما تنفذان برامج تحديث واسعة النطاق من شأنها أن تزيد من حجم وتنوع ترسانتهما في المستقبل. وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق جديد للحد من مخزوناتهما، فمن المرجح أن يزداد عدد الرؤوس الحربية التي تنشرها على الصواريخ الاستراتيجية بعد انتهاء صلاحية معاهدة ستارت الجديدة الثنائية لعام 2010 في شأن تدبير زيادة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية والحد منها (ستارت الجديدة) في فبراير (شباط) 2026.
في هذا السياق يتقدم برنامج التحديث النووي للولايات المتحدة الأميركية، لكنه بدأ يواجه منذ عام 2024 تحديات في التخطيط والتمويل، قد تؤخر الترسانة الاستراتيجية الجديدة وتزيد كلفتها بشكل كبير. علاوة على ذلك، ستزيد إضافة أسلحة نووية غير استراتيجية جديدة إلى الترسانة الأميركية من الضغط على برنامج التحديث.
وفي الوقت عينه، يواجه برنامج التحديث النووي الروسي تحديات أخرى، لا سيما بعد إضافة أسلحة متقدمة للغاية على الصعيدين النووي التقليدي الاستراتيجي، والنووي التكتيكي، وبينهما قنابل خليط من النووي والكهرومغناطيسي، من عينة بوسيدون.
هل يعني ذلك أن الموازنات العسكرية الروسية والأميركية ستمضي في طريق استنزاف كثير من الموارد المخصصة للتنمية؟
من المرجح أن يزداد نشر الأسلحة النووية لكل من موسكو وواشنطن في السنوات المقبلة. ستحدث الزيادة الروسية بشكل رئيس نتيجة تحديث القوات الاستراتيجية المتبقية لحمل مزيد من الرؤوس الحربية على كل صاروخ، وإعادة تحميل بعض الصوامع التي فرغت سابقاً. أما الزيادة الأميركية فقد تحدث نتيجة نشر مزيد من الرؤوس الحربية على منصات الإطلاق الحالية، وإعادة تنشيط منصات الإطلاق الفارغة، وإضافة أسلحة نوية غير استراتيجية جديدة إلى الترسانة، فعلى سبيل المثال هناك حاجة أميركية عاجلة لنشر قرابة 300 رأس نووي تكتيكي في منطقة الإندوباسيفيك لمواجهة مخاوف حدوث هجمات صينية بنوع خاص، وحديث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن حتمية عودة تايوان إلى الصين الأم بحلول 2027 يشي بأن المعركة آتية لا محالة، وهو ما يعطي فريقاً من غلاة القوميين الأميركيين المبرر والوازع للقيام بمزيد من خطوات التسليح.
ارتفاع غير مسبوق في الإنفاق العسكري
هل كان لمثل هذا السباق أن يجري من غير كلف مالية عالية وغالية يتم اقتطاعها من موازنات التنمية في جميع البقاع والأصقاع؟
الأرقام في واقع الأمر لا تكذب ولا تتجمل، فقد ارتفع الإنفاق العسكري العالمي إلى 2718 مليار دولار أميركي في عام 2024، وهو العام العاشر على التوالي من الزيادات. وقد زادت جميع الدول الـ15 الأكثر إنفاقاً في العالم في عام 2024 إنفاقها العسكري. وارتفع العبء العسكري العالمي، أي حصة الناتج المحلي الإجمالي العالمي المخصصة للإنفاق العسكري إلى 2.5 في المئة في عام 2024.
ولعل ما يهمنا كما أشرنا سلفاً، هو التركيز على روسيا الاتحادية والاتحاد السوفياتي بنوع خاص، والنظر بعمق إلى الكلف المالية للطموحات النووية.
النظرة المقربة تفيد بأن الإنفاق الروسي بلغ ما يقدر بـ149 مليار دولار أميركي في عام 2024، بزيادة قدرها 38 في المئة عن عام 2023، والعهدة على شياو ليانغ، الباحث في برنامج الإنفاق العسكري وإنتاج الأسلحة في معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وهو ضعف مستواه في عام 2015. ويمثل هذا 7.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لروسيا و19 في المئة من إجمالي الإنفاق الحكومي الروسي.
من جهته، يرى دييغو لوبيز سيلفا، الباحث الأول في برنامج الإنفاق العسكري وإنتاج الأسلحة في معهد استوكهولم، أن روسيا رفعت إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ مجدداً، ما أدى إلى اتساع فجوة الإنفاق مع أوكرانيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ماذا عن الإنفاق على الجانب الأميركي؟
ارتفع الإنفاق العسكري للولايات المتحدة بنسبة 5.7 في المئة ليصل إلى 997 مليار دولار، أي ما يعادل 66 في المئة من إجمالي إنفاق حلف الناتو و37 في المئة من الإنفاق العسكري العالمي في عام 2024. وخصص جزء كبير من موازنة الولايات المتحدة لعام 2024 لتحديث القدرات العسكرية والترسانة النووية الأميركية للحفاظ على تفوق استراتيجي على روسيا والصين. وأنفقت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو 454 مليار دولار إجمالاً، وهو ما يمثل 30 في المئة من إجمالي الإنفاق في الحلف.
ولعل الطموحات النووية الأميركية، تمضي في اتجاه مغاير، حيث تم رصد قرابة تريليوني دولار للنهوض بالترسانة النووية الأميركية، لا سيما أن بعضها قد بلغ عمر المعاش كما يتندر البعض.
أهي عودة لسباق الاستنزاف المتبادل مالياً، ما يعيد ذكريات الأمس قبل سقوط الاتحاد السوفياتي؟
الاتحاد السوفياتي... المدافع قبل الزبد
أدى استخدام الولايات المتحدة للأسلحة النووية لإنهاء الحرب العالمية الثانية، إلى جهد حازم وناجح من قبل الاتحاد السوفياتي للحصول على مثل هذه الأسلحة.
استمر السباق السوفياتي مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية قرابة أربعة عقود، حاولت موسكو فيها أن تجاري المقدرات المالية للولايات المتحدة الأميركية، غير أن ذلك كان ضرباً من ضروب العبث الأيديولوجي، والذي انعكس بالسلب اقتصادياً على الاتحاد السوفياتي.
أرهقت الولايات المتحدة الاتحاد السوفياتي في سباق التسلح عبر التفوق التكنولوجي والاقتصادي، بخاصة في مجال الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، إضافة إلى بناء ترسانة عسكرية ضخمة ومتقدمة. كذلك أسهم الدعم المالي للجيوش المناهضة للسوفيات في استنزاف موارده.
وتحت ضغط سباق التسلح، اضطر الاتحاد السوفياتي لإنفاق جزء كبير من موازنته الضخمة على السلاح، مما أثر في اقتصاده بشكل عام، لذا دفع الإنفاق الضخم على الأسلحة المتطورة والتكنولوجيا المتقدمة الاتحاد السوفياتي إلى وضع اقتصادي صعب، مما أعاق نموه الاقتصادي ورفاهية شعبه.
عطفاً على ذلك، فقد تسبب الصراع المؤدلج مع الولايات المتحدة، في دخول الاتحاد السوفياتي في عدد من حروب الوكالة، وذلك في دول مثل فيتنام، حيث كانت أميركا تستخدم الحرب والتدخل لتطوير علاقاتها مع حلفائها لمواجهة نفوذ السوفيات وبحلول ثمانينيات القرن الماضي، بدأ الإرهاق الناتج من الحرب الباردة يظهر على الاتحاد السوفياتي. استمر الاقتصاد في النمو، لكن بشكل أبطأ من السابق. أدت المنافسة العسكرية مع أميركا إلى تباطؤ النمو لأسباب عدة:
أولاً، جرى احتكار موارد البحث والتطوير من قبل الجيش، ما أدى إلى حرمان الاقتصاد المدني من أفضل العلماء والمهندسين والآلات.
ثانياً، تخلت إدارة ريغان عن سياسة الانفراج لمصلحة البدء بسباق تسلح جديد الهدف منه إضعاف الاقتصاد السوفياتي، ولهذا فمن أجل ردع العدوانية الأميركية، أنفق الاتحاد السوفياتي جزءاً كبيراً جداً من الناتج المحلي الإجمالي على الجيش، بالمقابل، أنفقت أميركا، التي لديها اقتصاد أكبر، حصة أقل من ناتجها المحلي على الجيش، لكنها حصة أكبر من حيث القيمة المطلقة.
ثالثاً، اختار الاتحاد السوفياتي استخراج المواد الخام المهمة من أراضيه الواسعة بدلاً من استيرادها وذلك من أجل حماية نفسه من أخطار انقطاع تلك الموارد نتيجة محاولة تركيع الاتحاد السوفياتي، ولهذا استنزف موارده بمعدل أسرع من تعويضها.
رابعا، انحنى ظهر موسكو من رغبات ومطالبات ودعم الأصدقاء والحلفاء في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية وأفريقيا، وبات عليه دفع فاتورة هائلة لاحقاً.
اليوم يتساءل المراقبون، هل تكرر روسيا الخطأ نفسه ولا تتعلم من دروس التاريخ؟
روسيا والإنفاق الدفاعي لعام 2025
ارتفع الإنفاق الدفاعي الروسي إلى 13.5 تريليون روبل (145 مليار دولار) في عام 2025، وهو العام الرابع لما تسميه روسيا "عملية عسكرية خاصة" في أوكرانيا بزيادة بنسبة 25 في المئة عن مستوى عام 2024... ما الذي تعنيه تلك الأرقام؟
بهذه الصورة سيشكل الإنفاق الدفاعي 32 في المئة من إجمالي نفقات موازنة 2025 البالغة 41.5 تريليون روبل، على غير ما كان مخطط من قبل أي خفض الإنفاق الدفاعي بنسبة 21 في المئة بحلول عام 2025.
في القلب من تلك الأرقام يعن لنا التساؤل: هل الإنفاق الروسي على الأسلحة النووية بنوع خاص، يمكن أن يتسبب في إشكاليات عميقة للاقتصاد الروسي؟
الشاهد أنه تم اعتماد برنامج تسليح حكومي جديد حتى عام 2027 وذلك في عام 2018، وتتولى شركة روس أتوم مسؤولية تطوير وإنتاج الذخائر النووية، فيما تشرف مديرية مجمع الأسلحة النووية على أنشطة 17 منظمة ومؤسسة بحث وتطوير.
كذلك سيبدأ العام الحالي نشر القاذفة الاستراتيجية TU-160M2، المحسنة قيد التطوير حالياً، وسيتم الانتهاء من تحديث طائرة TU-95 MS التي بدأت في عام 2015. ومن المرجح أن يستمر العمل على تطوير قاذفة استراتيجية متقدمة في المستقبل، كذلك من المتوقع أن تكون طائرة طويلة المدى جداً دون سرعة الصوت. وبحلول منتصف عشرينيات القرن الـ21، سيتم بناء ثماني غواصات نووية استراتيجية من فئة BOREI، بما في ذلك خمس سفن من مشروع A955 المحسن، وقد يبدأ العمل على خليفته، مشروع B955.
يقدر إجمالي عدد الأفراد المشاركين مباشرة في الثلاثي النووي بـ90 ألف فرد، هذا إضافة إلى 30 ألف فرد من فوج العمليات العسكرية الثاني عشر. تشير الأدلة المتاحة إلى أن إجمالي عدد أفراد الخدمة في عام 2017 نحو 850 ألف فرد، وهذا يعني أن قوات الثلاثي النووي، تمثل ما يزيد قليلاً على 10 في المئة من الإجمالي.
كذلك تتولى هيئة الفضاء الروسية مسؤولية الصواريخ الباليستية العابرة للقارات البرية الروسية، سواء المنعزلة أو المتنقلة، ولا يعرف بدقة العدد الحالي للهيئة من حيث الأفراد، ولكن في عام 2009 تجاوز عددها ألف فرد.
هل هناك في الداخل الروسي من يستشعر خطراً محققاً من تصاعد الإنفاق العسكري على هذا النحو؟
يقول بافيل زولوتاريوف، نائب مدير معهد دراسات الولايات المتحدة وكندا، في موسكو، التابع للأكاديمية الروسية للعلوم "يشعر كثيرون بمن فيهم بعض الشخصيات الروسية البارزة، بقلق بالغ إزاء خطر تجدد سباق التسلح، وهم يتحدثون عنه علانية".
ويضيف "لم ينس أحد أن سباق التسلح كان له أثر مدمر على الاتحاد السوفياتي. فالولايات المتحدة تتمتع باقتصاد أكثر تطوراً وثراء ومرونة، قادر على نقل التكنولوجيا بين القطاعين المدني والعسكري بسرعة وكفاءة، أما الاقتصاد السوفياتي، فلم يكن قادراً على ذلك، ولم يتغير الوضع كثيراً منذ ذلك الحين".
ومن بين المنتقدين الدائمين لوضع التسلح الروسي الحالي، نجد أليكسي كودرين، تلميذ بوتين، الذي يشغل حالياً منصب رئيس غرفة المحاسبة في الحكومة الروسية، والذي حذر لسنوات من أن "المواجهة مع الغرب تشكل استنزافاً للاقتصاد وتهديداً للآمال الروسية في تطوير الديمقراطية".
هل أضحى الوضع الروسي مالياً مقلقاً بالفعل؟
اقتصاد بوتين الحربي والحدود القصوى
في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بدا وكأن القلق من مزالق سباق التسلح النووي الروسي، يخيم على عدد من كبار المحللين السياسيين الروس، وفي المقدمة منهم بوريس جروزفسكي، كاتب العمود، وصاحب قناة "الأحداث والنصوص" على "تيليغرام".
يشرح الرجل فكرته عبر قراءة مطولة يقول فيها إن موازنات سنوات الحرب وضعت وفقاً لمبدأ بسيط صاغه وزير المالية أنطوان سيلوانوف أواخر عام 2023 تحت مسمى "موازنات النصر". كان يخطط سنوياً لزيادة الإنفاق وبخاصة الدفاع، لكن الحرب ستتطلب مزيداً ومزيداً من الأموال. وستتجاوز النفقات الخطة، وستلجأ وزارة المالية إلى "حصالة النقود" وتقترض المبلغ الناقص من بنوك الدولة.
جاء أول تنبيه قبل عام، عندما رفعت الحكومة الإنفاق العسكري مجدداً بدلاً من خفضه كما هو مخطط، ولتحقيق ذلك، اضطرت إلى رفع ضرائب دخل الشركات وتطبيق ضريبة تصاعدية على الدخل الشخصي. علاوة على ذلك، كان ذلك الوقت الذي بدأ فيه الاقتصاد بالتباطؤ.
هل بدأ الفخ المالي يكرر نفسه مع أزمنة سباق التسلح الثاني، حيث الأولوية للمدافع في مواجهة الزبد؟
المؤكد أنه أصبح من الواضح أن الأمور لم تعد قابلة للاستمرار على هذا النحو، بمعنى أنه لن تكون موازنات النصر متوازنة. كان من الضروري إما وقف نمو الإنفاق -ليس قولاً، بل فعلاً- أو إعادة رفع الضرائب، على رغم أن كلاً من سيلوانوف وبوتين وعدا بعدم القيام بذلك حتى عام 2030، ولهذا تحدث أوليج بوكليميشيف، مدير مركز أبحاث السياسات الاقتصادية بكلية الاقتصاد بجامعة موسكو الحكومية بالقول "هذه ليست مجرد موازنة عادية. إنها خيار سياسي".
يبدو الاقتصاد الروسي في مأزق حقيقي لا سيما مع انخفاض أسعار النفط، الأمر الذي أدى إلى انهيار الدولة منه ومن الغاز على حد سواء، ولهذا وجدت وزارة المالية الروسية نفسها في أبريل (نيسان) الماضي مضطرة إلى مراجعة الموازنة.
في الوقت عينه وبحسب "شبكة CNN" الإخبارية الأميركية، فإن إدارة ترمب في ولايته الثانية تميل إلى تكرار مستنقع أفغانستان، بمعنى أنها ربما تعمد إلى إطالة أمد الحرب في أوكرانيا، كي تستنزف مقدرات روسيا المالية من جديد.
ويبقى الحديث عن الوضع الاقتصادي الروسي المأزوم في ظل سباق التسلح الثاني مفتوحاً، لكن في الوقت عينه يعن لنا أن نتساءل: هل سيحمي السباق الولايات المتحدة من إشكاليات مالية تنعكس على مقدراتها التنموية، لا سيما في تصاعد معدلات ديونها الخارجية بشكل ينذر بأزمة مالية عالمية، حكماً ستكون أكثر فداحة مما جرت به المقادير في الأزمة المالية العالمية، أوائل ثلاثينيات القرن الماضي من جانب، ولا تقاس بها أزمة البنوك والرهونات العقارية التي تابعها العالم وتركت تبعات سيئة على الجميع في عام 2008 واحتاجت إلى عدة سنوات للخروج من براثنها؟
أميركا ودعوات متزايدة للإنفاق العسكري
لا يبدو أن الوضع على الجانب الأميركي أقل رغبة في زيادة الإنفاق العسكري، لا سيما في ظل دعوات متزايدة ترى أنه إن لم ترتفع نفقات التسليح النووي الأميركي في مواجهة موازنات روسيا والصين، فإن الولايات المتحدة ستضحى الدولة الثالثة من حيث القدرات النووية العالمية، ما يقلص من نفوذها، لا سيما في ظل تأخر إعادة الصيانة، أو إنتاج أسلحة نووية جديدة. ويرى البعض من قبيل التندر أن طائرات B52 لو كانت من البشر، لاستحقت نوعاً من المعاش، والأمر كذلك ينسحب على الغواصات النووية من نوع أوهايو.
في هذا الإطار يدعو عدد متزايد من المعلقين المؤثرين في واشنطن إلى زيادة هائلة في الإنفاق العسكري.
على سبيل المثال يدعم السيناتور الجمهوري روجر ويكر من ولاية مسيسيبي، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، مقترحاً يرفع الإنفاق العسكري إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. سيؤدي ذلك إلى زيادة الإنفاق الدفاعي السنوي بنحو 90 في المئة بالقيمة (المعدلة بحسب التضخم). وقد دعت اللجنة المشتركة بين الحزبين التي كلفها الكونغرس، والمعنية باستراتيجية الدفاع الوطني، إلى إنفاق "متناسب مع الجهد الوطني المبذول خلال الحرب الباردة"، ما يعني مستويات إنفاق تعادل ربما 7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأميركية.
عند ستيفن كوسياك الباحث في معهد راند، عقل البنتاغون الأميركي النابض والمفكر، لا يبدو مبرر هذه الزيادة مقنعاً على الإطلاق، ذلك أنه من بين أمور أخرى، تنفق الولايات المتحدة بالفعل على الدفاع أكثر بكثير مما تنفقه الصين.
هل من مخاوف حقيقية من رفع معدلات الإنفاق العسكرية الأميركية؟
المقطوع به أن زيادة الإنفاق العسكري إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وليس 7 في المئة كما يطالب البعض، في عودة واضحة وفاضحة لزمن سباق التسلح إبان الحرب الباردة، ومن غير تغطية كلفه، من شأنها أن تزيد الدين الفيدرالي بشكل كبير، وسيؤدي ذلك إلى مضاعفة حجم "الفجوة المالية"، بأكثر من الضعف، أو إذا اقترن بتخفيضات ضريبية، فسيتضاعف ثلاثة أضعاف، وهو مقياس للفجوة بين الإنفاق والإيرادات التي يجب سدها لتثبيت الدين الفيدرالي.
هنا وفي ظل السياسات الأميركية الحالية، تعادل الفجوة المالية التي يلزم سدها، من خلال زيادات ضريبية و/أو إصلاحات في نظام الاستحقاقات، لتثبيت الدين الفيدرالي إلى نحو 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى رغم صعوبة الأمر سياسياً، فإن التوصل إلى إنفاق بهذا الحجم ممكن للغاية، لكن زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري، مقترنة بخفض ضريبي، من شأنها أن تفاقم مشكلة الدين الفيدرالي.
في هذا الإطار يطل على الأميركيين في الداخل مفهوم مثير وهو القول إن "العجز لا يهم"، فهل هذا قول صحيح؟
المؤكد أن النمو الهائل في عبء الدين الناتج من التوسع المفرط في الإنفاق العسكري سيزيد بشكل كبير من الأخطار التي تهدد النمو الاقتصادي طويل الأجل للبلاد وقدرتها على الاستجابة للانكماشات الاقتصادية، كذلك سيفاقم احتمالية تسبب الاقتراض المفرط في أزمة مالية... هل هناك بيانات أو معلومات تشير إلى ذلك؟
بالنظر إلى نماذج مكتب الموازنة في الكونغرس، نجد أنه بحلول خمسينيات القرن الـ21، قد يسبب النمو غير المنضبط في مستويات الدين كلف سنوية تقدر بتريليونات الدولارات على الاقتصاد، وفي النهاية، ستلحق هذه السياسات الضرر بأكثر بكثير من تعزيز الأمن القومي الأميركي.
هل من علاقة بين مستويات الإنفاق العسكري، لا سيما الدائرة النووية براً وبحراً وجواً، بل وأبعد من ذلك، أي في الفضاء الخارجي على مستقبل أزمة الديون الأميركية، ما يعني أن مصير الاتحاد السوفياتي، يترصد الولايات المتحدة الأميركية اليوم بشكل أو بآخر؟
الإنفاق العسكري وتنامي الدين العام
بحسب مكتب المحاسبة الخاص بالكونغرس، فإنه على مدى العقود الثلاثة المقبلة، فإن الدين الأميركي سينمو إلى نحو 260 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
والأسوأ من ذلك أن تنفيذ الزيادات المقترحة في الإنفاق الدفاعي وتخفيضات الضرائب قد يؤديان إلى ارتفاع الدين إلى مستويات أعلى، إلى نحو 310 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2054.
ولعله من الحقائق التي باتت ثابتة ومؤكدة، هو أن هناك خطراً حقيقياً من أن تنساق واشنطن في سباق تسلح مع روسيا التي باتت تتعامل بشكل جدي مع واشنطن وإن قادها إلى حتف مالي، ومع الصين التي تتحضر لتحوز قرابة ألف رأس نووي في 2030 و1500 رأس نووي في 2035، والتي استعرضت في سبتمبر (أيلول) الماضي، صاروخ DF-31 الذي يمكنه حمل نحو 60 رأساً نووية ورأساً هيدروجينية واحدة.
السباق الجديد سيزيد بشكل كبير من عجز الموازنة الفيدرالية الأميركية وديونها –كما حدث عدة مرات في الماضي- فقد أسهمت زيادات الإنفاق الدفاعي بشكل كبير في نمو الدين الفيدرالي الذي حدث خلال العقدين الماضيين، لكن التأثير سيكون أسوأ بكثير هذه المرة. ويرجع ذلك بشكل أكبر بكثير من الماضي، إلى أن الزيادة الجديدة المقترحة ستتزامن مع تغييرات هيكلية، لا سيما ارتفاع نسبة كبار السن في سكان الولايات المتحدة الأميركية، والتي خلقت وستخلق حكماً ضغوطاً كبيرة لا مفر منها لزيادة الإنفاق الفيدرالي. كذلك ستؤدي هذه الضغوط تحديداً إلى إنفاق على الضمان الاجتماعي، والرعاية الطبية، وغيرها من برامج الرعاية الصحية الفيدرالية الرئيسة، أعلى بكثير من مستويات الفترات السابقة، عندما كانت التركيبة السكانية للبلاد مختلفة اختلافا جذرياً.
هل يعني ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية بدورها باتت أمام اختبار صعب للمقاربة بين المدفع والزبدة؟
هل من خلاصة؟
يبدو من الواضح أن العالم مقبل على فصل جديد ثلاثي وليس ثنائي السعي نحو التسلح النووي، فصل كفيل بتعقيد المشهد عما كان عليه في زمن الحرب الباردة، لا سيما أن الصين هذه المرة يمكنها أن تشعل المشهد، وهو الأمر الذي ستتبعه قوى آسيوية، اهتمت طويلاً بالمقدرات والمقررات الاقتصادية، مثل اليابان التي سيسوؤها جداً تنامي الصين وروسيا على الصعيد النووي، عطفاً على قارة أستراليا والتي كانت على الدوام ضمن التبعية الأميركية- البريطانية، وكلاهما في وضع حرج من جهة ضرورة التسلح النووي في المستقبل القريب.
هل يعيد التاريخ نفسه بين صراع المدفع والزبدة؟ حتى لو لم يكن يفعل كما قال كارل ماركس ذات مرة، فإن ما يحدث هو تشابه في أحداثه بحسب الكاتب الأميركي الساخر مارك توين.