ملخص
عندما تضعف المؤسسات، تلجأ السلطة إلى القوة الموازية كمسكن سريع. تمنحها السلاح لتواجه العدو، والمال لتشتري الولاء، والشرعية لتخوض حرباً لا تريد أن تتحمل تبعاتها، ثم تنسى أن القوة التي تُخلق خارج القانون، لا تعرف العودة إليه.
دخل العالم مرحلة جديدة منذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، مرحلة أعادت تعريف مفاهيم "الأمن" و"العدو" و"الفاعلين المسلحين". ودشنت الحرب على الإرهاب التي أطلقها الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، في أعقاب تلك الهجمات، نظاماً أمنياً عالمياً منح الدول تفويضاً واسعاً لملاحقة التنظيمات غير النظامية، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب لتوسع المنطق الميليشياوي داخل الدول نفسها.
في حين بررت القوى الكبرى تدخلاتها العسكرية خارج الحدود تحت عنوان "مكافحة الإرهاب"، بدأت الدول الهشة أو التي تعيش صراعات داخلية بتقليد المنطق نفسه، أي إنشاء قوات رديفة أو شبه عسكرية قادرة على التحرك بمرونة أكبر من الجيوش التقليدية، وأقل تقيداً بالقانون الدولي أو بالرقابة السياسية. وهكذا ظهرت الميليشيات الرديفة ليس بوصفها "خارج الدولة"، بل كأذرع لها، أو أدوات موازية لتأمين النظام أو تعويض ضعفه. لكن التحول الأخطر جاء بعد منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، مع انهيار أنظمة عربية وتمدد التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، كـ "داعش"، و"النصرة"، وغيرهما، عندها لم تعد الميليشيات مجرد وسيلة دفاع محلي، بل أصبحت بنية سياسية واقتصادية قائمة بذاتها، ففي العراق، اندمجت قوات "الحشد الشعبي" في مؤسسات الدولة، لكنها احتفظت بولاءاتها العابرة للحدود. وفي سوريا، تحولت الميليشيات الرديفة إلى أدوات تفاوض دولي، تدير مناطق وتتحكم بالثروات. وفي اليمن وليبيا والسودان، باتت الميليشيا نواة السلطة الفعلية بعد تفكك الجيوش. وحتى في الدول الكبرى كروسيا، أعادت "فاغنر" إنتاج فكرة الجيش الموازي بصيغة تجارية وعابرة للقارات.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الحرب على الإرهاب، التي أُطلقت باسم استعادة سيادة الدول، انتهت إلى نتيجة معاكسة، لقد شرعنت وجود فاعلين مسلحين خارج النظام التقليدي، طالما أن وظيفتهم تخدم الأمن القومي أو الاستقرار. ومع الوقت، تغير التوازن، وأصبح هؤلاء الفاعلون شركاء مضادين، يملكون السلاح والخبرة والمجتمع، ويطالبون بنصيب من السلطة. ومع انحسار الموجة العابرة للحدود، لم يختف المنطق الميليشياوي، بل عاد إلى الداخل في صورة "قوات رديفة" تُدار بأيدي الدولة نفسها، لتتحول الدولة الحديثة إلى كيان مزدوج، جيش رسمي منهك بالقانون والموازنة، وذراع غير رسمية فعالة لكنها منفلتة من السيطرة.
إنها مفارقة ما بعد 11 سبتمبر، الحرب على الإرهاب لم تنهِ الميليشيات، بل مهدت لشرعنتها، وجعلتها جزءاً من هندسة السلطة في الشرق الأوسط والعالم.
الدولة المزدوجة... من احتكار العنف إلى تقاسمه
إن الميليشيات الرديفة التي ولدت في سياق "الحرب على الإرهاب" لم تكن ظاهرة طارئة، بل تحولت إلى نموذج جديد لإدارة السلطة في العالم العربي ومحيطه. فبدل أن تستعيد الدولة احتكارها للعنف، اختارت، عن قصد أو اضطرار، أن تتقاسمه مع شركاء محليين يتولون المهام القذرة، أو يملؤون الفراغ الأمني الذي عجزت مؤسساتها عن ضبطه. وبهذا المنطق، تشكل ما يمكن تسميته بـ"الدولة المزدوجة"، أي دولة رسمية تمتلك مؤسسات وأعلاماً وقوانين، ودولة ظل تمتلك السلاح والقدرة على التنفيذ. الأولى تدير الخطاب السياسي وتتحدث باسم الشرعية، والثانية تمسك بالأرض وتفرض تلك الشرعية بالقوة. هذا الازدواج لم يعد استثناء بل أصبح قاعدة في عدد من دول الإقليم، من العراق وسوريا إلى اليمن والسودان، تتكرر الصيغة نفسها، جيش يرفع شعار الدولة، وميليشيات ترفع شعار حماية الدولة، لكن الحدود بين الشعارين تذوب تدريجاً، فيصبح من الصعب التمييز بين من يحمي ومن يهيمن، وبين من يمثل الدولة ومن يحتكرها.
معادلة القرن الجديد
هذا التحول البنيوي هو الوريث الحقيقي لعصر ما بعد 11 سبتمبر، عصر لم تعد فيه الميليشيات خارج النظام، بل في قلبه، ولم تعد الدولة تتصدى للمسلحين، بل تتعايش معهم وتعيد إنتاجهم باسم الواقعية الأمنية. وهكذا تتأسس معادلة القرن الجديد، كلما ضعفت الدولة، توسعت الميليشيات، وكلما استخدمت الميليشيات، تآكلت الدولة أكثر. وتلجأ دول إلى إنشاء أو رعاية ميليشيات شبه عسكرية، أو شركات أمنية خاصة لتخفيض كلفة القوة، أو لملء فراغات أمنية وقانونية، أو لخلق أداة مرنة تنفذ ما يتعذر على الجيوش النظامية القيام به. لكن هذه الأدوات تتطور مؤسساتياً وسياسياً ومالياً، وتكتسب مصادر تمويل وتسليح وخطاباً ذاتياً، فتتبدل علاقة الموكل بالوكيل، إلى تنافس ثم تمرد وابتزاز للدولة.
لماذا تنقلب الأداة على صاحبها؟
إن خلق سلسلة قيادة موازية خارج القانون، يزرع منطق الولاء للشخص أو الجهة الراعية، بدل الولاء للدولة. كذلك فإن اقتصاد الحرب الذاتي من تهريب، وضرائب عرفية، وعقود حراسة، وموارد طبيعية، يمنح استقلالاً مالياً وسلاحاً لا يمر عبر الخزانة العامة. أيضاً تلك الميليشيات تحصل على شرعية رمزية، وذلك من خلال تراكم سردية "نحن من يحمي الناس والنظام"، وهذا يحول الميليشيات إلى فاعل سياسي جماهيري. أضف إلى فراغات الحوكمة في الدول الهشة، فكلما طال أمد التكليف غير المقنن، تمددت الصلاحيات وتمدد معها الطموح. وفي حين تتغير أولويات الدولة أو موازين القوى، تبقى الميليشيات أسيرة منطقها الخاص فتقاوم إعادة الدمج أو الحل.
يتساءل المؤرخ البريطاني كارتر مالكاسيان الذي عمل مستشاراً للقادة العسكريين الأميركيين في أفغانستان في كتابه "الحرب الأميركية في أفغانستان" The American War in Afghanistan إصدار 2021 "كيف يعقل أن تخفق الولايات المتحدة وحلفاؤها في إلحاق الهزيمة بطالبان على رغم حشدهم زهاء 140 ألف جندي عام 2011 وأحدث أنواع الأسلحة والعتاد في العالم؟". ويضيف "ما السبب الذي جعل القوى الغربية تمكث طوال تلك المدة ليكلفها ذلك ما يفوق تريليوني دولار وأكثر من 3500 من أرواح جنود الحلفاء، هذا غير أعداد كثيرة أخرى من الجنود الذين أصيبوا إصابات بليغة في قتالهم بتلك الحرب".
في السياق عينه، قال الكاتب والباحث اللبناني وسام سعادة في مقالة له نشرت في سبتمبر عام 2021، "إن الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 لم يأخذ بنصيحة الاكتفاء بحل الحرس الجمهوري والتشكيلات العسكرية التابعة مباشرة لحزب البعث، بل آثر الحاكم المدني للعراق بول بريمر في 23 مايو (أيار) من ذلك العام حلّ الجيش النظامي نفسه وتسريح جميع عناصره وإلغاء الرتب فيه، هذا في دولة، بل في كيان قائم أساساً منذ تأسيسه على يد بريطانيا على مركزية الجيش النظامي في عملية تكوينه وربط أوصاله ككيان. وروّج الأميركيون عندما حلوا الجيش العراقي أنهم يعيدون بناء الأمة من جديد في العراق، بما يلزم كسر شكلها القائم وإعادة تركيبه من جديد، فاختاروا سلوك درب إعادة إنشاء الجيش النظامي من الصفر أيضاً. وجاءت النتيجة وبعد 11 عاماً وخيمة، وكان أن انهار هذا الجيش بشكل مريع أمام التقدم السريع والدموي لقوات داعش". وتابع سعادة أن "المنطق الذي فرض نفسه آنذاك، يقول إن مواجهة خطر مسلحين متحركين متطرفين غير ميسرة من خلال جيش نظامي، ويلزم بالتالي تشكيل قوة شعبية مسلحة غير نظامية، وهذا ما حدث مع دعم قوات الصحوة السنية في مواجهة القاعدة، ثم فتوى الجهاد الكفائي للمرجع الشيعي علي السيستاني التي سوغت قيام قوات الحشد الشعبي المتعددة الفصائل، والمتفاوتة في درجة قربها، بل وتداخلها مع الحرس الثوري الإيراني".
نماذج عن ميليشيات أو شركات عسكرية تحولت إلى قوى رديفة
"فاغنر" في روسيا وهي شركة عسكرية خاصة خرجت من عباءة الدولة. تأسست كذراع مرنة للسياسة الروسية في أوكرانيا وسوريا وأفريقيا. ولكن مع توسع نفوذ يفغيني بريغوجين، والذي كان من أشد المقربين من الرئيس فلاديمير بوتين، الإعلامي والعملياتي، وقع صدام مفتوح مع وزارة الدفاع، وتوج بتمرد متسارع نحو موسكو يومي 23 و24 يونيو (حزيران) عام 2023، قبل أن يتراجع بصفقة وساطة، ثم قتل بريغوجين بحادث تحطم طائرته بعد شهرين. وهذا ما يشير إلى أن خصخصة القوة من دون إطار قانوني صارم تنتج، مركز قوى، قادراً على ابتزاز الدولة، بل وتهديد عاصمتها لساعات.
قوات "الدعم السريع" في السودان... من "الجنجويد" إلى حرب داخلية
هي ميليشيات شبه عسكرية مشكلة ومكونة من ميليشيات "الجنجويد" التي كانت تقاتل نيابة عن الحكومة السودانية خلال الحرب في دارفور. كانت تدار من قبل جهاز المخابرات والأمن الوطني وهذا الأخير يتبع قيادة القوات المسلحة السودانية. تأتمر قوات "الدعم السريع" بأمر محمد حمدان دقلو المعروف أيضاً باسم "حميدتي" والذي برز بعد سقوط نظام عمر البشير وصار في وقت لاحق نائب رئيس المجلس العسكري. وخلال الاحتجاجات السودانية عام 2019 وبعد الانقلاب العسكري الذي نفذه الجيش والذي مكّنه من الوصول للسلطة، صار لقوات "الدعم السريع" صلاحيات أكبر ولعبت الدور الأبرز فِي القمع العنيف للمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية. وتحولت العاصمة الخرطوم منذ صباح 15 أبريل (نيسان) عام 2023 إلى ساحة قتال ضارٍ بين أكبر قوتين عسكريتين في البلاد. وجاء ذلك بعد أن تحولت قوات "الدعم السريع" والتي أنشئت لتكون ذراعاً للجيش إلى قوة موازية له، وخرجت عن سيطرة القوات المسلحة النظامية، وذلك بفضل تضخم مواردها ومكانتها إلى حد منافسة الجيش، فانفجرت الحرب بينها وبين القوات المسلحة مزلزلة الدولة السودانية. من هنا يمكن القول إن تقنين ميليشيات قائمة لا يعني السيطرة عليها، بل قد يجمل استقلاليتها ويوفر لها الغطاء للتضخم.
"طالبان"... من حليف استخباري إلى كابوس استراتيجي بعد الانسحاب الأميركي
نشأت "طالبان" في منتصف التسعينيات بدعم مباشر من الاستخبارات الباكستانية، كقوة طلابية ودينية هدفها استقرار أفغانستان بعد الفوضى التي خلفها انسحاب السوفيات وسقوط "المجاهدين" المتناحرين. لكن الحركة تحولت سريعاً إلى سلطة مطلقة بسطت سيطرتها على كابول عام 1996، وأقامت "إمارة إسلامية" ووفرت ملاذاً لـ"تنظيم القاعدة". بعد 11 سبتمبر، كانت "طالبان" أحد الأسباب الرئيسة لإطلاق "الحرب على الإرهاب". أُطيح بها عام 2001، لكن جذورها القبلية والعقائدية والحدودية ظلت حاضرة، تدار وتمول من مناطق نفوذ باكستانية، إلى أن عاد الأميركيون بأنفسهم ووقعوا معها اتفاق الدوحة عام 2020 الذي مهد لانسحابهم الكامل عام 2021. بذلك اكتملت المفارقة، أي القوة التي صنعت برعاية أجهزة استخبارات إقليمية ودحرت في حرب عالمية على الإرهاب، عادت بعد عقدين إلى الحكم أقوى وأصلب، لتتحول من أداة نفوذ باكستانية إلى عبء أمني واستراتيجي عليها. فـ"طالبان" الجديدة تستقل بقرارها، وتغض الطرف عن عمليات "طالبان - باكستان" داخل الأراضي الباكستانية، ما جعل الراعي القديم أسيراً لوليد تمرد عليه.
أفغانستان اليوم تجسد النتيجة القصوى لفشل نموذج "الميليشيات الحليفة"، فعندما تنهار الدولة، تتحول الأداة إلى نظام، والراعي إلى رهينة لواقع صنعه بيده.
إيران... "الحرس الثوري" الميليشيات التي صارت هي الدولة
تعتبر تجربة "الحرس الثوري الإيراني" نموذجاً فريداً في التاريخ الحديث، لأنها تمثل تطور الميليشيات إلى دولة متكاملة. أُنشئ الحرس عام 1979 كقوة ثورية لحماية النظام الإيراني الوليد من الداخل والخارج، بديلاً عن الجيش الذي وصف آنذاك بأنه "جيش الشاه". كان دوره الأولي أيديولوجياً، عقائدياً، يضمن ولاء الثورة للسلطة الجديدة، لكن بمرور الوقت، بنى الحرس مؤسساته الاقتصادية والعسكرية والاستخبارية الخاصة.
اقتصادياً، سيطر على قطاعات النفط، البناء، الاتصالات، المرافئ، وحتى الجامعات. وعسكرياً، أنشأ "فيلق القدس" للتدخل الخارجي، وأدار شبكات وكلاء في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغزة. وسياسياً، أصبح حاضناً للنخب الجديدة وصانع قرارات الرئاسة والبرلمان.
واليوم لا يمكن الحديث عن الدولة الإيرانية بمعزل عن "الحرس الثوري"، لأنه بنية حاكمة داخل البنية الحاكمة، ويمتلك جيشاً، واقتصاداً، وأيديولوجيا، وشبكة نفوذ إقليمية، ويضبط إيقاع العلاقات بين المرشد والحكومة والميدان. وعليه، فإنه في الحالة الإيرانية لم تعد الميليشيات تهديداً للدولة بل جوهرها الفعلي، لقد نجح الحرس في عكس المعادلة، من ذراع رديفة للثورة إلى المؤسسة التي تحتكر الثورة والدولة معاً. وهنا تكمن خصوصية التجربة الإيرانية مقارنة ببقية الإقليم، فهي ليست نموذج "الوحش الذي خرج عن السيطرة"، بل الوحش الذي بنى القفص وأدخل الجميع فيه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
العراق... فصائل "الحشد الشعبي" من شريك أمني إلى شريك في الدولة
حين سقطت الموصل بيد تنظيم "داعش" في صيف عام 2014، بدت الدولة العراقية وكأنها تتلاشى من الداخل. في تلك اللحظة الحرجة، خرجت فتوى "الجهاد الكفائي" من النجف، أصدرها المرجع الديني علي السيستاني، كنداء دفاعي لإنقاذ ما تبقى من الوطن. لبى الآلاف النداء، من الجنوب والوسط، من فقراء المدن وأبناء القرى الذين رأوا في السلاح خلاصاً شخصياً وجماعياً. لكن ما بدأ كحركة تعبئة شعبية سرعان ما تحول إلى كيان يتجاوز حدود الاستثناء، إلى مؤسسة موازية للجيش نفسه. وفي السنوات التالية، نما "الحشد الشعبي" ليصبح أحد الأعمدة الفعلية للنظام العراقي الجديد، قوته على الأرض جعلت منه شريكاً لا يمكن تجاوزه، فاستُدرج إلى المعادلة السياسية، وأضفيت عليه شرعية قانونية عام 2016، لكن من دون إخضاع فعلي لسلطة القائد العام للقوات المسلحة.
منذ تلك اللحظة، بدأ التحول العميق، من جهاز تعبئة إلى شبكة نفوذ عابرة للمؤسسات، تمتلك جناحاً برلمانياً، وشركات استيراد وتصدير، ومكاتب اقتصادية داخل الوزارات والموانئ والمعابر. وبعض فصائله حافظ على شعارات "الدفاع عن الوطن"، لكن أخرى تحولت إلى أذرع إقليمية مرتبطة بـ"الحرس الثوري الإيراني"، ما جعل قرار السلم والحرب في العراق يتقاسم مركزين، الدولة الرسمية، والدولة الموازية، وبينهما جيش وطني مقيد بقواعد الانضباط، وجيش رديف يتحرك بحرية بدعوى "الشرعية الثورية". ومع مرور الوقت، صار الحشد لا يكتفي بتقاسم القوة، بل بإدارة الموارد، ففي اقتصاد ما بعد الحرب، وجد قادته فرصتهم في السيطرة على عقود الإعمار، وحقول النفط، والنقل البري، والمنافذ الحدودية، حتى تشكلت حوله منظومة اقتصادية - سياسية تحمي ذاتها وتعيد إنتاج نفوذها عبر صناديق الاقتراع والمال والسلاح معاً.
مأساة بشرية صامتة
في الظاهر، الحشد جزء من الدولة، في الواقع، هو الدولة التي لم تكتمل، والجيش الذي لم يحلّ، وأصبح رمزاً للثنائية العراقية الحديثة، دولة تستمد شرعيتها من الدستور، وأخرى من الفتوى والسلاح. لكن خلف هذه البنية، هناك مأساة بشرية صامتة، عشرات الآلاف من المقاتلين الذين قاتلوا بشجاعة ضد "داعش"، يعيشون اليوم في فراغ رمادي بين العسكرية والسياسة، بين الولاء للوطن والولاء للفصيل، وكثيرون منهم لم يدمج فعلياً في الحياة المدنية، ولم يمنح بديلاً عن البندقية، فبقي رهينةً للقيادات التي تمتلك المال والهوية. وهكذا تحول "الحشد الشعبي" من شريك أمني موقت إلى فاعل بنيوي في معادلة الحكم، يشارك في تشكيل الحكومات كما شارك يوماً في معارك التحرير، خرج من رحم الدولة، لكنه لم يعد إليها، إنه المرآة التي تعكس كل مفارقات العراق الحديث، دولة ما بعد الحرب التي استعانت بـ "المقاومة" لإنقاذ نفسها، ثم وجدت نفسها أسيرة لها.
القوات المسلحة الهجينة داخل الدولة الهجينة
يصف يزيد صايغ الباحث الرئيسي في مركز "كارنيغي" للشرق الأوسط في بيروت في دراسته "تهجين الأمن: جيوش، وميليشيات، وسيادة مقيدة"، في ديسمبر (كانون الأول) عام 2018، ونشرت عبر "المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية"، و"مركز كارنيغي للشرق الأوسط"، هذه الظاهرة بـ"القوات المسلحة الهجينة داخل الدولة الهجينة". ويشير إلى أنه من النتائج المباشرة لتزايد انخراط خليط من القوات المسلحة النظامية الوطنية أو فلولها وبقاياها والجماعات المسلحة (بما في ذلك الميليشيات التي ترعاها الدولة أو غيرها التي حققت مكانة شبه رسمية)، في العراق ولبنان وليبيا وسوريا واليمن، في أنماط معقدة من تجنب الصراعات والتعايش والتعاون المندرجة ضمن سياق أوسع من التنافس المستمر في ما بينها، إضافة إلى التنافس الجيوسياسي بين مروحة من الجهات الداعمة الخارجية، هو تهجين الحوكمة الأمنية في هذه البلدان، ما جعل سيادتها مقيدة بشكل أو بآخر ومتنازعاً عليها باستمرار في آن. وعلى مدى عقود جسد تهجين الهياكل الأمنية استراتيجية متعمدة تلجأ إليها مجموعة الدول العربية هذه، حيث كانت الموازنة بين القوات المسلحة الوطنية من جهة والهياكل العسكرية والأمنية الموازية من جهة أخرى بمثابة وسيلة للحيلولة دون حدوث انقلاب وإدامة النظام السياسي الحاكم. وحصل تهجين الهياكل الأمنية في أواخر القرن العشرين "من أعلى"، أي على يد السلطات الحاكمة، لكن تقهقر قدرات الدولة وتآكل العقد الاجتماعي ومواجهة الهوية الوطنية نشأت عنها تحديات جمة أدت إلى بروز ظاهرة عكسية. ففي خضم تفكك الدول وتفاقم الأزمة المالية وجدت النخب السياسية القائمة نفسها عاجزة أمام صعود جهات أمنية غير رسمية وجماعات مسلحة أخرى خارج إطار الدولة، أو هي شجعت عمداً صعودها من أجل تصدير أعباء الأمن إليها. كانت هذه أشبه بعملية تصاعدية من أسفل إلى أعلى، بحيث فقدت القوات المسلحة الوطنية تماسكها الداخلي أو تجزأت تماماً، في حين باتت الجماعات المسلحة على اختلافها جزءاً لا يتجزأ من الترتيبات الأمنية التي تظل بمعظمها غير رسمية، لكنها مع ذلك اكتسبت صفة شبه رسمية بفضل شرعنة الأمر الواقع من قبل السلطات الحاكمة. ومن وجهة نظر الباحث في مركز "كارنيغي" أيضاً، فريدريك ويري، في إطار بحثه الذي جاء بعنوان "ترويض الميليشيات: بناء الحرس الوطني في الدول العربية المتصدعة"، مايو عام 2015، أنه منذ اندلاع "الربيع العربي" عام 2011، انهارت السلطة العسكرية المركزية في كل من شمال أفريقيا والمشرق العربي واليمن، ولجأ عدد من الدول العربية الضعيفة إلى الميليشيات المحلية لمساعدتها على الدفاع عن أنظمتها، "صحيح أن هذه الميليشيات الموالية للحكومات يمكن أن تؤدي أدواراً أمنية مهمة، إلا أنها تتمتع بمقدرة عسكرية وصدقية محدودتين، ذلك أن بعض الميليشيات يرتبط بالأحزاب الحاكمة ويستمد المقاتلين مباشرة من مناصري النظام. في المقابل، تتكون ميليشيات أخرى من فصائل ثورية سابقة أو منشقين من مجموعات إرهابية ومتمردة، وغالباً ما تسعى هذه الميليشيات إلى الإبقاء على استقلاليتها، حتى لو أعلنت الولاء ووضعت نفسها في خدمة الدولة. وغالباً ما تكون الميليشيات أقل كلفة وأكثر ليونة من قوات الأمن النظامية، كذلك تتمتع بمعرفة محلية أكبر، ما يتيح لها أن تنشط بفعالية في المناطق حيث لا تستطيع قوات الأمن النظامية العمل، لكنها تفتقر إلى المهنية، وقد ترتكب أعمال عنف ضد السكان المدنيين، متيحة للأنظمة تنصلاً مقبولاً وحصانة في وجه التنديد الدولي بانتهاكات حقوق الإنسان". ويؤكد الباحث أنه من الخطر الاعتماد على الميليشيات، "فقد ترفض الانصياع إلى الأوامر أو تنقلب على رعاتها الدوليين. وحتى لو كانت الميليشيات وفية فهي غالباً ما تفتقر إلى التدريب والمعدات الضرورية لمواجهة أعداء أقوى، وقد يؤدي انتشارها إلى ضعضعة احتكار الدولة لاستخدام القوة".
هل تتعلم الدول من أخطائها؟ أم تعيد هندسة الوحش ذاته؟
في التاريخ القريب، نادراً ما تعلمت الدول من أخطائها في هندسة "وحوشها". تسقط حكومة، تتبدل الأسماء، لكن المنهج نفسه يعاد إنتاجه. عندما تضعف المؤسسات، تلجأ السلطة إلى القوة الموازية كمسكن سريع. تمنحها السلاح لتواجه العدو، والمال لتشتري الولاء، والشرعية لتخوض حرباً لا تريد أن تتحمل تبعاتها. ثم تنسى أن القوة التي تُخلق خارج القانون، لا تعرف العودة إليه. تتغير الجغرافيا، لكن القصة واحدة، من دارفور إلى الموصل، ومن كابول إلى طرطوس، كانت الميليشيات ابنة الحاجة ووصمة العجز. ومثل جميع الأبناء غير الشرعيين، تطالب لاحقاً باسمها الكامل وبحقها في الإرث. حينها تدرك الدولة أنها ربت داخلها مشروعاً يتنفس خارجها، لكن المفارقة الأكثر إيلاماً ليست في سقوط القادة، بل في مصير المقاتلين الذين تركوا وراءهم كل شيء، هؤلاء الذين قاتلوا باسم الوطن أو الطائفة أو الفتوى، ثم وجدوا أنفسهم فجأة بلا قائد ولا هدف. عشرات الآلاف من الشبان الذين لم يعرفوا من العالم سوى البندقية، يعودون إلى مدن لا تعرفهم، ودول لا تملك خطة لاحتضانهم.
بين لحظة وأخرى، يتحول "المجاهد" أو "المتطوع" أو "المدافع عن المقدسات" إلى عبء أمني، فيُلقى في الظل أو يعاد توظيفه في حرب جديدة، لتبدأ الدورة من جديد. فالدول التي لا تبني جسور العودة إلى الحياة، تبني من حيث لا تدري معسكرات موت مؤجل. ومن لا يقدم للمقاتل طريقاً إلى العمل والتعليم والانتماء، يقدم له طريقاً آخر نحو ساحة حرب جديدة. الوحوش التي تُخلق لحماية النظام، لا تموت بموته، بل تعيش من بعده لتذكره بما فعله بنفسه.