ملخص
فوز زهران ممداني في نيويورك يعبّر عن تحوّل المزاج الانتخابي الأميركي من الولاءات الحزبية إلى البحث عن التغيير الفوري الملموس، ما يفتح الطريق أمام أوكاسيو-كورتيز لتكرار التجربة على مستوى وطني. جوهر النجاح في السياسة الأميركية اليوم هو وضوح الرسالة، والنتائج السريعة، وتسمية الخصوم بالأسماء.
فوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك يعود لأمر بسيط: الناخبون لا يريدون أن يقال لهم إن التغيير يحدث، بل يريدون أن يشعروا به سريعاً. ولهذا يمكن أن ترى الحيّ نفسه [ناحية نيويوركية] يصوت للجمهوريين في دورة انتخابية، ثم للديمقراطيين في الدورة التالية، من دون أن يرمش له جفن. فهم لا يقعون في حب أي من الحزبين، بل يختبرون من يمكنه إحداث تغيير جذري.
ولهذا السبب، سواء أدرك ذلك أو لا، ربما يكون ممداني قد مهد للتو الطريق أمام المرشحة التي ستصبح الواجهة الرمزية لليسار في الجناح التقدمي من السياسة الأميركية، ألكساندريا أوكاسيو- كورتيز، أو "أي أو سي" AOC كما يسميها أصدقاؤها.
إذا أعدنا شريط الأحداث لصيف عام 2024، وكنت حينها جالساً في غرفة المراقبة لمتابعة أول مناظرة للرئيس جون بايدن ضد ترمب. كان قلبي ينفطر وأنا أشاهد حملتنا تهوي مع كل إجابة يغرق فيها مرشحنا في الاستطراد والتلعثم.
كان الأمر قاسياً على المشاهدة، ولكن من المستحيل تجاهله.
لقد أنجز بايدن كثيراً في البيت الأبيض، في الحقيقة أكثر مما ينجزه معظم الرؤساء في ولايتين، وما زلت أشعر بفخر كبير لوقوفي إلى جانبه وإلى جانب مرشحة الحزب التالية، كامالا هاريس التي كانت لتصبح رئيسة رائعة.
لكن الحقيقة هي أن كل شيء جاء ببطء شديد وبصورة غير محسوسة بالنسبة إلى جمهور أنهكته الأسعار وتراجع الرعاية الصحية والخدمات المتداعية. ولهذا بدأ الناس يبحثون عن نوع آخر من "التغيير"، تغيير تمثل في دونالد ترمب.
وهذا لا يجعل من ذلك الجمهور عنصرياً، أو متحيزاً ضد النساء، بل يجعلهم أناساً محبطين مما أصبحت عليه أحوالهم المعيشية إلى درجة أنهم كانوا على استعداد لتغطية أعينهم وآذانهم، والتغاضي عن أجزاء من برنامج ترمب الانتخابي على أمل أن ينجح في قلب "الطاولة" تماماً وتغيير الأوضاع.
البلد لم يكن يطالب بكلمات مهدئة، بل كان يطالب بأن يشعر الناس بتغيير جذري.
في حملة المرشحة كامالا هاريس تعلمنا الدرس نفسه، ولكن بصورة مكلفة للغاية. فالناخبون لا يشترون "الطاقة الإيجابية"، وكان لدينا منها ما يكفي، بل يشترون التغيير، ويفضلون أن يكون فورياً. فإذا لم يكن العرض ملموساً في غضون ستة أشهر، فإنه يتحول إلى مجرد نظرية، تخسر أمام أي شخص يعِد بشيء أكثر جرأة وأسرع تحقيقاً.
وهنا يأتي دور أوكاسيو-كورتيز. فممداني لم ينشئ ائتلافاً يسارياً وحسب، بل مهد الطريق أمامها لتوسيع هذا النجاح على المستوى الوطني.
وهناك ثلاثة دروس يجب الاستفادة منها في حال خوض أوكاسيو- كورتيز حملة انتخابية. أولاً: الجرأة من دون تحقيق نتائج تؤدي إلى الفشل. في مرحلة ما كانت الشعارات تزيد بفارق كبير عن تدشين المشاريع والإنجازات الفعلية. ويمكن للجمهور أن يشعر بذلك. ويجب عليها تقديم ثلاثة وعود في اليوم الأول، وعلى نتائجها أن تظهر خلال ستة أشهر، أي أن تكون أشياء ملموسة يشعر بها الجمهور على الفور.
وثانياً: وضوح الرسالة أهم من كثرة الشعارات. في يوم الانتخابات، كان الديمقراطيون يطرقون مئات الأبواب كل دقيقة، لكن جملة واحدة موجزة وواضحة عن خفض إدارة بايدن - هاريس سعر الإنسولين من أكثر من 600 دولار إلى 25 دولاراً كانت أكثر تأثيراً من خمسة شعارات مدروسة تتحدث عن توفير "فرص للجميع".
وأخيراً: إختر خصماً واضحاً واستهدف أمواله. ممداني سمّى الجشعين من أصحاب الإيجارات، والمتلاعبين بالأسعار، والعقود الحكومية المهدورة، بالأدلة لا بالشعارات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إن تحول دعم الناخبين من الديمقراطيين إلى الجمهوريين لا يعكس تقلباً أيديولوجياً، بل حاجة عملية ملحة. فبعض مناطق نيويورك التي بدأت تميل نحو ترامب عام 2024 عادت وصوّتت لمصلحة ممداني ليلة الثلاثاء الماضي.
وضواحٍ كانت تبدو محسومة سياسياً باتت تتحرك كأبواب متأرجحة لأن العائلات مشغولة بشراء الطعام ودفع الإيجار وانتظار المواعيد، لا بقراءة البرامج الانتخابية.
وإذا بدا أن الجمهوريين هم الوحيدون الذين يغيرون الواقع، فسيمنحهم الناخبون الفرصة. وإذا أثبت الديمقراطيون أنهم قادرون على التغيير على نحو أسرع ولمصلحة الناس، ستمنح لهم الفرصة. فالولاء يتبع الإنجاز، لا العكس.
إذاً، هل يمكن لأوكاسيو - كورتيز أن تترشح للرئاسة على أساس الموجة نفسها التي ركبها ممداني؟ إن ذلك التيار موجود بالفعل اليوم.
وحملة تضع المستأجرين أولاً، وتتواصل بلغتين، وتقوم على تبرعات صغيرة وثلاثة براهين عملية سريعة تقنع الناخب مباشرة ليست ضرباً من الخيال، بل النموذج الوحيد الذي رأيته يحقق اختراقاً حقيقياً خلال العامين الماضيين. والهجمات ستأتي لاحقاً.
لكن وصف "اشتراكي" لا يؤلم إلا إذا ظلت أجرة الحافلة مرتفعة والإيجار في تصاعد. إجعل الحياة أرخص وأسرع، وسيفقد هذا الوصف تأثيره.
هذا هو جوهر المسألة: الناخبون لا يعيشون قصة حب، إنهم ببساطة غير صبورين. وإذا استطاعت أوكاسيو - كورتيز أن تحدث تغييراً ملموساً خلال فترة قصيرة لا تتجاوز ستة أشهر، فالطريق مفتوح أمامها. الطاولة سيقلبها شخص ما حتماً، ومن وجهة نظري، امرأة شابة، فصيحة، تنتمي للطبقة العاملة، من حي ذا برونكس، تبدو رهاناً معقولاً.
بابلو أوهانا، هو مستشار سياسي بارز واستراتيجي حملات انتخابية، عمل في حملة كامالا هاريس الرئاسية للبيت الأبيض.
© The Independent