Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الذكاء الاصطناعي في الاستشارات المالية: تمكين أم مضاعفة الأخطار؟

ملايين الأشخاص والشركات يعتمدونه لكن متخصصين يحذرون من التحيزات المخفية وضرورة إشراف مستشار مختص

الذكاء الاصطناعي يغير قواعد اللعبة المالية لكنه لا يخلو من الأخطار. (اندبندنت عربية)

ملخص

يعتمد ملايين المستخدمين والشركات في بريطانيا والولايات المتحدة وأوروبا على الذكاء الاصطناعي لإدارة أموالهم واتخاذ القرارات الاستثمارية، إلا أن الدراسات تحذر من تحيزات خفية وأخطار محتملة تتطلب إشراف متخصصين ماليين.

أحدث الذكاء الاصطناعي (AI) والتقنيات الأخرى ثورة في مجال الاستشارات المالية، مما يجعلها أكثر مرونة ويسراً للجميع، واليوم يستخدم الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في إدارة الأخطار المالية وتقديم الاستشارات ضمن قطاع الخدمات المالية، سواء في المؤسسات الكبيرة أو للمستهلكين الأفراد.

لكن دراسة نشرت في مجلة (PLOS ONE)  بعنوان "الارتدادات المتحيزة: نماذج اللغة الكبيرة تعزز تحيزات الاستثمار وتزيد من أخطار محافظ المستثمرين الأفراد"، قادها البروفيسور كريستيان هيلدبراند وفيليب ويندر من جامعة سانت غالن والبروفيسور يوشن هارتمن من الجامعة التقنية في ميونيخ، كشفت عن أن نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) وهي أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة مدربة على كميات هائلة من البيانات النصية لفهم وتوليد لغة تشبه لغة الإنسان، وتشكل أساساً لكثير من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، لا تساعدنا فقط في اتخاذ قرار الاستثمار، بل يمكن أن تجعل محافظنا الاستثمارية أكثر عرضة للأخطار، مما عزز الدعوات بأهمية التحقق من النصائح المالية الصادرة عن الذكاء الاصطناعي مع متخصص مالي.

وتقول الدراسة "بالنسبة إلى ملايين المستثمرين العاديين تعد نماذج اللغة الكبيرة مصدراً لنصائح شخصية منخفضة الكلفة"، لكن الدراسة أظهرت أن هذا الوعد يأتي مع تحذيرات عن تحيزات خفية وأخطار دقيقة لن يكتشفها معظم الناس من دون بحث دقيق.

والأسوأ أن هذه النماذج مقنعة للغاية، إذ وجدت الدراسة أن معظم الذكاءات الاصطناعية تقدم نصائحها بلغة واثقة وودية، وتضيف تحذيرات قياسية مثل "قم دائماً ببحثك الخاص"، وهو ما قد يبدو مسؤولاً، لكنه لا يحمي الأشخاص الذين لا يملكون الوقت أو المهارات للتحقق من صحة المعلومات.

ووفقاً للدراسة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون حليفاً قوياً في توسيع الوصول إلى النصائح المالية للجميع، لكنها تذكرنا بأن التقنية نفسها التي تجعل حياتنا أسهل يمكن أن توجهنا بهدوء نحو الأخطار.

ولا يقتصر توجه ملايين الأفراد في العالم للذكاء الاصطناعي للحصول على نصائح مالية مجانية، فالشركات أيضاً تتجه بصورة متزايدة لاستخدامه في الاستشارات نظراً إلى قدراته على تعزيز الكفاءة، وتحسين عملية اتخاذ القرارات، وإدارة الأخطار بصورة فضلى، وتمكين تقديم خدمات عملاء فائقة التخصيص.

لكن كثيراً من الشركات في مختلف القطاعات يواجه اليوم تحديات كبيرة عند تنفيذ وتوسيع استخدام حلول الذكاء الاصطناعي، وتشمل هذه التحديات مشكلات واسعة النطاق مثل جودة البيانات وتوافرها، ونقص الكفاءات المتخصصة، وارتفاع كلفة التنفيذ، وصعوبة التكامل مع الأنظمة القديمة.

الثقافية المالية في دعم الاقتصاد والنمو

عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد "تشارترد" للأوراق المالية والاستثمار في الإمارات وضاح الطه، شدد على أهمية الثقافة المالية، مؤكداً أنها تشكل عاملاً أساساً في دعم الاقتصاد الكلي وتحقيق النمو. وأضاف في تصريحات لـ"اندبندنت عربية" أن الثقافة المالية مهمة جداً في مجالات الإنفاق والادخار والاستثمار، بخاصة في الدول النامية، وأن الشمول المالي يتطلب وجود تواصل فعال بين البنوك والمؤسسات المالية والأفراد. وأشار إلى أن العراق بصدد إعداد استراتيجية توعية استثمارية من المتوقع إطلاقها عام 2026، مشيراً إلى أن تراجع الثقة في القطاع المصرفي أدى إلى خروج نسبة كبيرة من الكتلة النقدية (80 إلى 85 في المئة) خارج النظام المصرفي، مما يجعل من الضروري تعزيز الثقافة المالية وإعداد هيكلية مناسبة للاستفادة من هذه الأموال. وأكد الطه أن الاستشارات المالية قد تتعلق بمشاريع كبيرة مرتبطة بالدول أو بمشاريع أصغر من ناحية المبالغ المستثمرة، مثل مشاريع الشركات أو المشاريع الفردية، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون مناسباً للمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر إلى القدرة على إعداد دراسات شاملة قبل البدء.

ومع ذلك شدد على ضرورة إجراء تعديلات أو "رتوشات صغيرة" على توصيات الذكاء الاصطناعي، لأنها قد تختلف من دولة إلى أخرى، وقد لا تتناسب فرضياتها مع ثقافة أو سياق بعض الدول. وأضاف الطه أن الموضوع ليس بهذه السهولة، وهناك حاجة إلى ضبط نتائج الذكاء الاصطناعي وإشراف متخصص، بخاصة مع الفوارق الكبيرة بين الدول المتقدمة والصناعية والدول الناشئة. وأوضح أن الاستشارات البشرية ودراسات الجدوى ستظل ضرورية، خصوصاً على مستوى البنية التحتية والاقتصاد الكلي، نظراً إلى اعتمادها على عوامل مستقبلية مرتبطة بالمنطقة أو الدولة، ومع ذلك من المرجح أن يلجأ القائمون على هذه الدراسات إلى الذكاء الاصطناعي لسد أي نقص في الدراسات التحليلية. وأشار الطه إلى أن إحدى النقاط الإيجابية لاستخدام الذكاء الاصطناعي تكمن في تقديم استشارات مناسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعاني الكلفة المرتفعة، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تقليل النفقات، لكنه شدد على أن نتائج هذه الدراسات والاستشارات تحتاج دائماً إلى مراجعة من قبل متخصصين لضمان دقتها وملاءمتها.

الذكاء الاصطناعي أداة مالية لملايين البريطانيين

على صعيد اعتماد الأفراد على الذكاء الاصطناعي للحصول على نصائح مالية، أصبح أكثر من 28 مليون بالغ في المملكة المتحدة يعتمدون الآن على الذكاء الاصطناعي للمساعدة في إدارة أموالهم، مما يجعل الشؤون المالية الشخصية الاستخدام الأول للذكاء الاصطناعي في البلاد.

ويأتي ذلك وفق أحدث مؤشر رقمي للمستهلكين أصدرته مجموعة "لويدز غروب المصرفية" (Lloyds Banking Group)، وهو أكبر دراسة في المملكة المتحدة حول القدرات الرقمية والمالية، وتصل هذه الدراسة هذا العام إلى عامها العاشر.

وتكشف الأبحاث لمجموعة "لويدز المصرفية" على أن الذكاء الاصطناعي أصبح بسرعة أداة مالية لملايين البريطانيين، إذ قال 56 في المئة من البالغين – أي نحو 28.8 مليون شخص – إنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الـ12 الماضية لمساعدتهم في إدارة أموالهم.

ومن بين هؤلاء ذكر أن منصة "تشات جي بي تي" هي الأكثر شعبية، إذ يستخدمها ستة من كل 10، ويستخدم أكثر من نصف الذين يلجأون للذكاء الاصطناعي هذا للتخطيط للموازنة والادخار أو للحصول على تعليم مالي عام، مما يجعله مورداً أساساً لهم.

وذكر أكثر من ثلث المستخدمين (37 في المئة) أنهم يستعينون بالذكاء الاصطناعي لأبحاث الاستثمار وتلقي التوصيات، فيما يلجأ ربعهم (26 في المئة) إليه لاستراتيجيات إدارة الديون، ويستخدم نحو أربعة من كل 10 (39 في المئة) الذكاء الاصطناعي للتخطيط المالي المستقبلي، مثل الحصول على معلومات حول المعاشات التقاعدية.

ويشير البحث إلى أن شخصاً واحداً من بين كل ثلاثة يستخدم الذكاء الاصطناعي مرة واحدة في الأقل أسبوعياً لمساعدته في شؤون المال، وهو معدل أعلى من استخدامه للحصول على نصائح صحية أو توصيات تسوق أو تخطيط السفر أو وصفات الطعام.

وتبرز دراسة مجموعة "لويدز غروب المصرفية" كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تمكين الناس من اتخاذ قرارات مالية أذكى وزيادة مدخراتهم وبناء مرونة مالية لمستقبلهم.

يقدر المستخدمون أنهم وفروا في المتوسط 399 جنيهاً استرلينياً (525 دولاراً) سنوياً بفضل الرؤى والتوصيات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلق الرئيس التنفيذي لقسم علاقات المستهلكين في مجموعة "لويدز غروب المصرفية"، جاس سينغ، قائلاً "يغير الذكاء الاصطناعي بسرعة الطريقة التي يدير بها الناس أموالهم، مع إمكان تمكين ملايين المستهلكين من الشعور بثقة أكبر والتحكم في شؤونهم المالية الشخصية. من الموازنة اليومية إلى التخطيط للمستقبل نرى بالفعل الناس يستخدمون هذه التكنولوجيا لاتخاذ قرارات أذكى وبناء مرونة مالية"، وأضاف سينغ "لكن مع تزايد دور الذكاء الاصطناعي في حياتنا المالية تصبح الثقة هي الحد التالي. يريد الناس التأكد من أن المعلومات التي يتلقونها دقيقة وآمنة ومخصصة بالفعل لحاجاتهم، ولهذا تؤدي البنوك دوراً حيوياً – ليس فقط في تقديم أحدث التقنيات، بل في دمجها مع الخبرة الموثوقة وفهم عميق لعملائنا"، وختم بالقول "بينما نواصل الابتكار، يتركز اهتمامنا على بناء أدوات يمكن للناس الاعتماد عليها حقاً، مما يساعد الجميع على الاستفادة من الثقة والوضوح التي توفرها الحلول الرقمية".

الذكاء الاصطناعي قد لا يكون مدركاً لمستوى الأخطار

قال المحلل المالي حسن الريس إن على المستثمرين إدراك أن استخدام الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات الاستثمارية لا يغني عن فهمهم الشخصي لأخطارهم وحاجاتهم المالية، فالتوقيت والمعلومات الدقيقة يؤديان دوراً حاسماً في دخول أو خروج الاستثمارات، فالذكاء الاصطناعي قد لا يكون مدركاً لمستوى الأخطار الذي يتحمله المستثمر، سواء كان منخفضاً أو متوسطاً أو مرتفعاً، كما قد لا يعرف طبيعة الأموال المستثمرة، إن كانت متاحة أو مقترضة، أو مخصصة لحاجات قصيرة أو متوسطة المدى مثل دفع الإيجار أو القرض العقاري أو تعليم الأبناء. وأشار الريس إلى أنه غالباً ما تفتقر الخدمات المجانية للذكاء الاصطناعي إلى العمق التحليلي والمتابعة المستمرة، لذلك ينصح باستخدام أدوات مخصصة للقطاع المالي، وقد تكون الخدمات المدفوعة أفضل لتقديم استشارات متقدمة ودعم مستمر، ويجب على المستثمر معرفة موقفه المالي بدقة وتحديد مبلغ الاستثمار الممكن تحمله، مع الانتباه إلى أن الاقتراض ضد الاستثمار يزيد الأخطار، وبمجرد وضوح هذه المعطيات يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة داعمة لتوفير المعلومات واستكشاف الاستراتيجيات، مع تأكيد أن المسؤولية النهائية عن الأرباح أو الخسائر تقع على عاتق المستثمر نفسه، سواء استخدم خدمة مجانية أو مدفوعة.

35 في المئة فقط من الأميركيين لديهم خطة مالية

يقول المنتدى الاقتصادي العالمي في "دافوس" في تقرير له إنه غالباً ما ينظر إلى النصائح المالية على أنها مخصصة للأثرياء فحسب، لكن الجميع يمكن أن يستفيد من الحصول على معلومات أكثر تخصيصاً حول الادخار والاستثمار للمستقبل. ويشير إلى إمكان مساعدة الذكاء الاصطناعي للمستشارين عبر تزويدهم بنصائح مالية شاملة، أو دعم الأفراد الذين يجرون أبحاثهم الخاصة حول خطط الادخار والاستثمار. ويقول التقرير إن النصائح المالية المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تخلق بيئة مالية أكثر إنصافاً، تمكن الجميع من بناء خطة مالية متينة ومستدامة.

ووفقاً لتقرير "دافوس" لا يزال الواقع صادماً حتى في الدول الغنية، إذ لا يمتلك سوى 35 في المئة من الأميركيين خطة مالية، وهو رقم مفاجئ في واحدة من أغنى دول العالم.

وتعزى الأسباب إلى ارتفاع الكلفة محدودية الوصول إلى المستشارين الماليين والشعور بعدم الراحة عند مناقشة الأمور المالية.

مستوى منخفض من الثقافة المالية في أوروبا

لا يقتصر الأمر على الأميركيين فحسب، ففي مسح أجرته المفوضية الأوروبية عام 2023، قال 82 في المئة من المشاركين إن لديهم مستوى متوسطاً أو منخفضاً من الثقافة المالية، على رغم أن 71 في المئة منهم يحددون أهدافاً مالية.

وعلى رغم السعي إلى تحقيق هذه الأهداف فإن الكلفة العالية للنصائح المالية، وصعوبة الوصول إلى المستشارين، وعدم الراحة عند مناقشة الشؤون المالية تخلق فجوة كبيرة.

اقرأ المزيد

المزيد من أسهم وبورصة