ملخص
الخطاب الشعبي ينقسم بين مخاوف الخيانة ومطلب الخلاص، فالفريق الأول يرى الهدنة تهديداً أمنياً، والثاني يراها واجباً إنسانياً، لكن الجميع يشترك في إدراك واحد، أن أي هدنة بلا ضمانات تنفيذية ومحاسبة للمنتهكين ستظل ورقة عابرة في حرب مفتوحة.
تشهد الساحة السودانية سجالاً محتدماً حول مقترح هدنة إنسانية مدة ثلاثة أشهر، تقدمت به الولايات المتحدة ضمن مبادرة "الرباعية الدولية" التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، في محاولة لوقف نزف الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) عام 2023. وبينما تبدي واشنطن تفاؤلاً حذراً بإمكان قبول طرفي النزاع المبادرة، ينعكس في الشارع السوداني مزاجاً متقلباً بين الترحيب المرهق بالحرب والريبة المتجذرة من المساعي الدولية التي يرى كثر أنها تفتقر إلى العدالة والحياد.
في موازاة المداولات السياسية تتفجر على وسائل التواصل الاجتماعي موجة واسعة من النقاشات، تراوح ما بين الأمل الإنساني والخطاب المتصلب، فثمة أصوات مدنية تنظر إلى الهدنة بوصفها "متنفس" لضحايا النزاع، وضرورة لفتح الممرات الإنسانية وحماية المستشفيات، معتبرة أن أي توقف عن القتال ولو كان موقتاً يعني إنقاذ أرواح. في المقابل تتصاعد لهجة رفض حادة من قطاعات مؤيدة للجيش أو من معسكرات ترى في المقترح محاولة لإعادة تموضع قوات "الدعم السريع"، أو مكسباً سياسياً تحت غطاء إنساني.
تظهر التفاعلات على المنصات انقساماً وجدانياً أكثر منه سياسياً، كتلة كبيرة ترفع شعار "بل بس" رافضة أي تفاوض مع "الدعم السريع"، مقابل أقلية تدعو إلى "سلام يشبهنا"، فيما تتنامى التعليقات التي تشكك في صدقية الأمم المتحدة ودور الوسطاء الإقليميين. ويبدو أن خطاب المبعوث الأممي رمطان لعمامرة، الذي وصف الهدنة بأنها "فرصة نادرة" لوقف القتال، لم ينج من هذا التشكيك، إذ قوبل بموجة تعليقات غاضبة ترى فيه تكراراً لصياغات دبلوماسية بعيدة من الواقع الدموي على الأرض.
في المحصلة تعكس تفاعلات الشارع السوداني مشهداً بالغ التعقيد، ويبدو أن مستقبل الهدنة، مثل مصير الحرب نفسها، لن يحسم في القاعات الدبلوماسية وحدها، بل في كيفية استعادة ثقة مجتمع أنهكته الحرب وشكك طويلاً في أن العالم يسمع صوته حقاً.
مدخل دبلوماسي
يقدم منشور مبعوث الأمم المتحدة رمطان لعمامرة عن الهدنة المقترحة مدخلاً دبلوماسياً تقليدياً، دعوة إلى اغتنام "فرصة نادرة" لوقف القتال وحماية المدنيين، وعرض تعاون دولي، لكن قراءة التعليقات على وسائل التواصل تكشف فوراً أن خطاب الأمم المتحدة يصطدم بجدار ثقة مهترئ لدى قطاعات واسعة من السودانيين، إذ تتكرر عبارة "بل بس" و"لا للهدنة" و"لا تفاوض" مع تهميش كامل لأي مقاربة وسطية. هذه ردود غاضبة ومشحونة بصوغ جماعي يعبر عن فقدان الأمل والمرارة من تاريخ طويل من الوعود التي لم تترجم إلى حماية فعلية. العاطفة هنا مختلطة، رغبة في الهدنة، وخوفاً من استغلالها كفرصة لالتقاط الأنفاس والعودة إلى الحرب أكثر شراسة.
كثر يعتبرون أي حديث عن "طرفي نزاع" تحيزاً لـ"الدعم السريع"، وهناك تصور أن المجتمع الدولي منحاز أو عاجز، مما يقلل من صدقية عروض الوساطة ويحولها إلى خطاب يستقبل بالشك أو السخرية، تعليقات مثل "كل أعضاء الأمم المتحدة خونة" و"ممثل الغرب المتحد" ترسم خطاباً سياسياً يرفض الوسيط حتى قبل تقييم الاقتراح.
يظهر انقسام الرؤية حول الوسائل، سلام أم سلاح، تمايزاً بين من يرفض الهدنة كاستسلام ويدعو إلى حل عسكري، وآخر يدعو إلى وقف فوري للحرب حفاظاً على المدنيين. هذا الانقسام يعكس اختلاف أولويات، الانتقام والتحرير مقابل الحماية والإنقاذ، وهو يضع أي مبادرة هدنة أمام اختبار داخلي حاسم، هل تحظى بقبول شعبي أم ينظر إليها كغطاء زمني لمزيد من العنف؟
تكشف التفاعلات حاجة ملحة إلى ثلاث مقدمات لأي هدنة قابلة للحياة وهي ضمانات تنفيذية ووجود مراقبة محايدة وآليات لتوصيل المساعدات الإنسانية بصورة ملحوظة، ومقاربة تواصلية توضح كيف تفيد الهدنة المدنيين فعلياً وتمنع استغلالها عسكرياً.
صدى داخلي
يكمن تعامل الجيش السوداني مع وسائل التواصل في مرحلة مقترح الهدنة الأخيرة كواجهة رسمية لإدارة السرد السياسي وقت الحرب، باستخدام مزيج من البث الرسمي والبيانات المختصرة وحشد المؤيدين عبر صفحات متباينة المستوى، من القنوات الرسمية وبيانات الوزراء إلى حسابات القيادات والصفحات المؤيدة على "فيسبوك" و"تيليغرام" و"إكس". هذا المزيج يستخدم لتحقيق هدفين متلازمين، تبرير خيار الاستمرار في القتال، وإبراز التزام ظاهري ببدائل "شرعية" (مثل التفاوض) لحشد دعم محلي وإقليمي.
أولاً، البث على صفحات الجيش والحكومة يركز على مفردات السيادة، إدانة "الدعم السريع"، ورفض أي ترتيبات تعرض على أنها تشرعن وجود قوة موازية. هذا الإطار يهدف إلى إيصال رسالة مركزية إلى الجمهور، الهدنة مقبولة بشرط "تجريد الدعم السريع من السلاح" وتسليم مناطق مدنية، وإلا فستعد الموافقة خيانة للأمن القومي، كذلك فإن تصريحات المسؤولين الإعلاميين تصاغ بصورة مقتضبة ومباشرة عبر قنوات رسمية وإذاعات، وفي بعض الحالات تستخدم مقابلات تلفزيونية لتعبئة القاعدة الشعبية ضد ما يصور كـ"تنازل مجحف".
ثانياً، تستخدم صفحات الجيش بثاً مصوراً قصيراً، ومشاهد استعراض عسكري، وتصريحات قيادية لتكريس شعور بالثقة والقوة، وتستعمل الحكومة منصات رسمية لعرض شروطها وتأكيد "الشرعية" وإعلان فتح قنوات قانونية للمساءلة، مما يستهدف جمهوراً دولياً وداعماً محلياً بصدقية مؤسسية. هذه المواد تدعم بحملات منسقة على "فيسبوك" للوصول إلى قاعدة مجتمعية واسعة، بينما توظف "إكس" للتواصل السريع مع الصحافة والمنصات الدولية، وتبقى "تيليغرام" منصة مفضلة للرسائل الموجهة مباشرة إلى أنصار "الدعم السريع".
ثالثاً، جمهور الإنترنت السوداني يعكس انقساماً واضحاً، أنصار الجيش يدعمون الخطاب القوي ويرون الهدنة مكسباً مريباً قد يستغل لإعادة تموضع "الدعم السريع"، بينما مدنيون ونشطاء إنسانيون يرحبون بأي وقف فوري لحماية المدنيين بشرط ضمانات رصد وممرات إنسانية، وهناك شريحة واسعة متشككة ترى أن أي هدنة من دون آليات رقابية صارمة قد تكون "غطاء" لجرائم جديدة، وتترجم هذه الانفعالات إلى موجات من التعليقات ومنشورات فيديو تركز على الضحايا وحملات "هاشتاغ" تحاول كسب السردية الأخلاقية.
رابعاً، نجاح الرسائل الرسمية يعتمد على قابليتها للاختبار، أي قدرة الجهات على تحويل التصريحات إلى إجراءات ملموسة (انسحابات، وتسليم أسلحة، وآليات رقابة مستقلة). في غياب ذلك تتحول رسائل الجيش والحكومة إلى صدى داخلي محدود، وتستهدف من قبل "الدعم السريع" في ساحات التواصل باعتبارها "بروباغندا" لا تغير من الواقع الميداني والإنساني.
حرب روايات
أما تعاطي قوات "الدعم السريع" مع وسائل التواصل الاجتماعي في مرحلة مقترح الهدنة، فيظهر تطوراً لافتاً في استراتيجيتها الاتصالية، إذ باتت المنصات الرقمية بالنسبة إليها ساحة موازية لميدان القتال، وأداة لإعادة صياغة صورتها أمام الداخل والخارج في لحظة مفصلية من الصراع، فإعلانها الموافقة على الهدنة عبر قناة "تيليغرام" من دون أي تفاصيل تنفيذية لم يكن إجراء تقنياً فحسب، بل خطوة رمزية محسوبة لاستباق الخطاب الدولي واحتلال موقع "الطرف المستجيب" للمجتمع الدولي قبل الجيش.
أولاً، في منشورات "الدعم السريع" على "تيليغرام" وصفحاتها الداعمة على "فيسبوك" و"إكس"، تتكرر مفردات مثل الإنسانية وحماية المدنيين والسلام العادل وفتح الممرات الإنسانية، في محاولة لتبني خطاب أخلاقي يخفف من وطأة الاتهامات الموجهة لها بارتكاب جرائم حرب. ويلاحظ أن النبرة الاتهامية ضد الجيش خففت موقتاً، واستبدلت بها لغة "المسؤولية المشتركة" و"الاستعداد للحوار"، مما يعكس توجهاً اتصالياً يستهدف تحسين الصورة أمام المجتمع الدولي أكثر من التأثير في الداخل.
ثانياً، مجموعة البث المصورة والمنشورات التي تزامنت مع إعلان الهدنة اتسمت بالتركيز على مشاهد المساعدات وتوزيع الغذاء وحوارات مع مدنيين متعاطفين، في محاولة لإعادة تأطير السردية الإعلامية من "ميليشيات متمردة" إلى "قوة منضبطة تسعى إلى الاستقرار".
ثالثاً، تظهر التعليقات على صفحات "الدعم السريع" ومنشورات الهدنة فجوة ضخمة بين الرسالة المعلنة والاستقبال الشعبي. معظم التفاعلات تتسم بالرفض، والسخرية، أو الاتهام بالمراوغة، تعاد كتابة التعليقات بشعارات مثل "بل بس" أو "لا هدنة مع القتلة"، وينقسم الشارع بين مؤيد للخطاب الإعلامي لـ"الدعم السريع"، ومنهم من ينظر إليه كجزء من "حرب ناعمة" هدفها كسب الوقت أو استعادة المبادرة السياسية بعد خسائر ميدانية.
رابعاً، يظل "فيسبوك" المنصة الأكثر اشتعالاً بالسجال، حيث تتحرك الحملات المؤيدة والمعارضة في دوائر مغلقة ذات طابع مناطقي أو عسكري، في المقابل يميل "إكس" أكثر إلى التحليل السياسي والنقد الدولي، بينما تتكاثر على "تيليغرام" قنوات موجهة بلغة تعبئة وتحشيد. الخط العام يظهر تفوق الخطاب المناهض لـ"لدعم السريع" كمياً وتأثيراً، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن حرب روايات متواصلة بين خطاب "الإنقاذ الإنساني" الذي يتبناه "الدعم السريع" وخطاب "المقاومة الوطنية" الذي يرفع لواءه أنصار الجيش.
ورقة عابرة
في الشارع السوداني ينظر إلى الهدنة بوصفها نافذة ضيقة للأمل وسط حرب أنهكت الجميع. الأصوات المتنوعة، من أم درمان إلى الفاشر، تعكس وعياً مركباً، فالرغبة في السلام تتجاور مع الخشية من تكرار الخديعة. يرى علي التوم (60 سنة) من حي صالحة أن "كل الشعب ينتظر الهدنة لإدخال المعونات"، لكنه يعبر عن خوف عميق من أن تكون الهدنة مجرد استراحة قصيرة قبل انفجار جديد، كما حدث في محطات سابقة. هذا القلق يعكس إحباطاً عاماً من عجز المجتمع الدولي عن فرض آليات مراقبة فعالة تمنع تجدد القتال بعد كل وقف موقت لإطلاق النار.
أما سعيدة محمد (55 سنة) من الفاشر وتقطن أم درمان، فتتحدث بمرارة أكبر، فهي ترى أن "’الدعم السريع‘ لا تلتزم الهدن وأنها تستغلها لإدخال السلاح وترتيب صفوفها"، معتبرة أن طلبها للهدنة ليس بدافع إنساني بل تكتيك عسكري. هذا الرأي المتشكك ينتشر على نطاق واسع بين مؤيدي الجيش ومستخدمي صفحاته الرسمية، حيث تقدم الهدنة باعتبارها "فخاً جديداً" من "الدعم السريع" لاستعادة أنفاسه بعد خسائره الأخيرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، يقدم حامد محمد (65 سنة) من الفاشر أيضاً، موقفاً أكثر توازناً، إذ يرى أن "الهدنة مطلوبة لجميع الأطراف، لأنها الفرصة الوحيدة لإنقاذ الأرواح"، داعياً إلى قبولها بشجاعة ووضعها تحت رقابة دولية صارمة. يعبر حديثه عن شريحة من السودانيين أنهكتهم الحرب، ولم يعودوا معنيين بحسابات السيطرة بقدر اهتمامهم بوقف الموت اليومي والجوع المتزايد.
الخطاب الشعبي إذاً ينقسم بين مخاوف الخيانة ومطلب الخلاص، الفريق الأول يرى الهدنة تهديداً أمنياً، والثاني يراها واجباً إنسانياً، لكن الجميع يشترك في إدراك واحد أن أي هدنة بلا ضمانات تنفيذية ومحاسبة للمنتهكين ستظل ورقة عابرة في حرب مفتوحة.
نافذة إنقاذ
تتقاطع الآراء المعروضة حول الهدنة الإنسانية في السودان على محورين أساسيين، الاعتراف بالحاجة الملحة إلى وقف نزف المدنيين، والريبة القوية من أن تكون الهدنة غطاء لتثبيت مكاسب عسكرية أو إعادة ترتيب قوة فاعلة على الأرض.
أولاً، الأصوات المدنية والمنظمات الحقوقية ترى في الهدنة "نافذة إنقاذ" فورية، لفتح ممرات إنسانية، ووصول الغذاء والدواء، وإتاحة مساحة لحماية المستشفيات واللاجئين، منطقهم إنساني بحت ومبني على واقع مأسوي يتطلب إجراءات سريعة لإيقاف معاناة الناس. دعوات شخصيات مثل رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك تلح على اعتبار الهدنة نقطة انطلاق لمسار سلام أوسع، وهو سيناريو مشروع إذا أرفقت الهدنة بضمانات ورقابة فاعلة.
ثانياً، هناك تيار من الكتاب السودانيين يحذرون من الهدنة ويشيرون إلى ثلاثة مخاوف عملية، استغلال الهدنة لتموضع عسكري (إدخال أسلحة وتجهيز صفوف)، وغياب إرادة سياسية حقيقية لدى أحد الأطراف لإنهاء الحرب، وتكرار نمط الاتفاقات الموقتة التي تنهار سريعاً وتؤدي لاحقاً إلى تفجر أكثر دموية. هذا المنطق قائم على خبرة سابقة ويبرز أن الهدنة وحدها ليست حلاً سياسياً بل إجراء تكتيكي قد يطيل أمد الصراع إذا لم تكمل بإجراءات تحويلية.
ثالثاً، تلتقي تصريحات دبلوماسية دولية مثل الدبلوماسي الأميركي السابق كاميرون هدسون وتحليلات متخصصي الميدان، إذ تظهر أن لكل طرف حوافزه الخاصة، "الدعم السريع" قد يستفيد من استعادة جزء من شرعيته أو تنظيم إمداداته، بينما الجيش له مصلحة في منع تعزيز مكاسب "الدعم السريع"، هذا التداخل يجعل الهدنة ساحة تفاوض ميدانية بقدر ما هي إنسانية.
وعلى رغم هذا التباين فإن هناك شبه إجماع على أن الهدنة مقبولة كأداة إنسانية طارئة، لكنها غير كافية بذاتها كحل سياسي. ولرفع فرص نجاحها ينادي كثر بربطها فوراً بشروط قابلة للقياس، وآليات رقابة دولية مستقلة، وجدول زمني لانسحاب وتسليم الأسلحة، وآليات محاسبة واضحة للانتهاكات، وضمانات دولية وفورية لتطبيقها. فمن دونها ستظل الهدنة مجرد وقف موقت للقتال قد يستغل لصياغة واقع جديد يزيد من تعقيد الحل النهائي، لذا فالسبيل الأمثل هو دمج الهدنة ضمن خريطة طريق سياسية ثابتة تعيد الدولة إلى مسار حكم مدني وتضع حداً نهائياً للمقومات العسكرية والسياسية للصراع.