ملخص
عدّ بحث صادر عن معهد أبحاث الأمن القومي أن الحاجة الملحة اليوم تتمثل في أن يتيح وقف إطلاق النار في غزة وبدء تطبيق خطة دونالد ترمب لإنهاء الصراع العمل على مواجهة التغييرات التي أحدثتها الحرب بعد مرور عامين عليها، وما خلقته من صراعات داخلية واستقطاب متزايد في الساحتين الاجتماعية والسياسية الإسرائيلية.
بينما دخلت إسرائيل أجواء انتخابات برلمانية وانشغلت جهات عدة في تحليل استطلاعات الرأي وتداعيات حرب "طوفان الأقصى" والأوضاع الأمنية على نتائجها، يشهد المجتمع الإسرائيلي مزيداً من الانهيار والشرخ الداخلي مع فقدان خريطة طريق لمستقبله وتحسين وضعيته في ظل ما آلت إليه الحرب.
هذه الانتخابات، وبحسب التوقعات، ستكون مختلفة عن أي انتخابات سابقة. الموعد الرسمي لها في 27 أكتوبر (تشرين الأول) من العام المقبلة، لكن الأجواء الحالية والتحركات الحزبية تشير إلى احتمال، ولو أنه احتمال غير كبير، تقديمها إلى يونيو (حزيران) المقبل، في ظل الصراعات الحزبية والحرب التي يشهدها الكنيست بين مختلف الأحزاب على مشاريع قوانين، بعضها يفسخ الائتلاف وآخر يخلق خلافات داخل الحزب الواحد.
إسرائيل عملياً دخلت العام الثالث من حرب "طوفان الأقصى" في عام انتخابات برلمانية من شأنها أن ترسم مستقبل هذه الدولة ووضعها الداخلي. فإزاء مشهد التدهور الاجتماعي - السياسي - الاقتصادي الداخلي، مقابل خطر استمرار التدهور الأمني، تتزايد حدة الصراعات والمعطيات داخل المجتمع الإسرائيلي التي تشير إلى أزمة داخلية في مختلف مجالات الحياة، في ظل عدم استقرار أمني، ليس فقط لاحتمال عدم الحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة والبدء في المرحلة الثانية منها، وإنما أيضاً لخطر الانزلاق إلى تدهور أمني خطر على الجبهة الشمالية تجاه لبنان وسوريا، والشرقية تجاه الأردن، إلى حد الدخول في حرب جديدة.
في الشمال، عاد الوضع بين السكان إلى ما كان عليه قبل عام على الأقل، فلا وجود لاستقرار اجتماعي ولا اقتصادي، ولا عودة إلى الحياة اليومية الاعتيادية المستقرة. فبينما لم تتجاوز نسبة العائدين إلى بيوتهم الـ50 في المئة بعد عامين من النزوح، عادت نسبة غير قليلة للتفكير في حزم حقائبها من جديد ومغادرة الشمال، بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها هذه المنطقة، والتهديدات الإسرائيلية بتوسيع وتصعيد العمليات في لبنان، من دون استبعاد إمكانية جولة قتال جديدة.
حتى إن بلدات الشمال، وبعد نحو سنة على توقيع اتفاق وقف النار مع لبنان، لم تتم إعادة بنائها كما خطط لها، وهناك بلدات بأكملها لا تزال على حالها بحاجة إلى إعادة إعمار من جديد. وكما هي الحال في الشمال، فإن الوضع مشابه في الجنوب ومناطق أخرى.
في ظل وضع كهذا، ستجرى الانتخابات البرلمانية التي تفتقد إلى أسس مركزية وضرورية داخل إسرائيل عموماً، والمجتمع الإسرائيلي خصوصاً، مما سيجعلها انتخابات مختلفة تشهد أجواء من عدم استقرار مقلق، وفق ما يرى أكثر من مسؤول سياسي.
المناعة الوطنية ورؤية المستقبل
إزاء الوضع الحالي، اهتمت جهات سياسية وبحثية بطرح مقترحات متعددة حول كيفية التعامل مع المرحلة التي تمر بها إسرائيل، التي دخلت عاماً انتخابياً في ظل حرب غير مسبوقة في تاريخ إسرائيل.
المدير السابق لمديرية الاستخبارات العسكرية والرئيس الحالي لمعهد أبحاث الأمن القومي تامير هايمن، عد الوضع الراهن في غاية الخطورة، كون إسرائيل تفتقد بعد عامين من الحرب إلى أمن قومي فعال، مما يتطلب منها العمل على بلورة سياسة أمن قومي جديدة. وبحسب هايمن، فـ"أمام ضبابية وضع الحرب التي تخوضها إسرائيل، حيث وقف إطلاق النار لا يزال هشاً، فهي بحاجة أيضاً اليوم إلى صياغة سياسة أمن قومي جديدة تتكيف مع التغيرات في النظام".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى هايمن أن "التغييرات التي طرأت على الساحتين الإقليمية والدولية ذات الصلة بإسرائيل لا تسمح بالاستمرارية، بل تتطلب تحولاً. لذلك، من المناسب إجراء مراجعة شاملة تنشر في نهايتها سياسة محدثة للحكومة الإسرائيلية، ويضع الجيش الإسرائيلي بناء عليها استراتيجية للتنفيذ".
ومن جهة أخرى يقول هايمن، "إلى جانب الدروس العسكرية التي تنشغل بها اليوم جهات عدة، يجب استخلاص دروس تتعلق بالمجتمع الإسرائيلي والمناعة الوطنية الداخلية من الحرب، إذ تدخل دولة إسرائيل عام انتخابات، مما يتطلب إجراء هذه الانتخابات بالتركيز على مسائل تتعلق بمستقبلها لا بماضيها. من المناسب استغلال الصدمة التي سببتها أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والحرب التي اندلعت آنذاك، لاقتراح رؤية جديدة لدولة إسرائيل".
الاستقطاب الداخلي
الخوف اليوم من انعكاس الأجواء التي تعيشها إسرائيل على الانتخابات، حيث تشير التوقعات أيضاً إلى أنها ستجري في ظل أجواء مشحونة بالماضي وتبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر، إضافة إلى تداعيات استمرار الحرب منذ أكثر من عامين من دون أفق حل قريب. وهو وضع من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من الشرخ والاستقطاب، بل قد يعكس حالة عنف خطرة وغير مسبوقة، كما يرى هايمن، الذي يحذر من أن "الخشية هي أن يتسم الخطاب الانتخابي بالعنف الداخلي، بعيداً من أي أمل في استغلال الأزمة التي تعيشها إسرائيل لبناء مستقبل جديد ومتماسك".
وعد بحث صادر عن معهد أبحاث الأمن القومي أن الحاجة الملحة اليوم تتمثل في أن يتيح وقف إطلاق النار بغزة وبدء تطبيق خطة دونالد ترمب لإنهاء الصراع العمل على مواجهة التغييرات التي أحدثتها الحرب بعد مرور عامين عليها، وما خلقته من صراعات داخلية واستقطاب متزايد في الساحتين الاجتماعية والسياسية الإسرائيلية.
وجاء في البحث أن "إسرائيل دخلت الحرب على خلفية صراع اجتماعي وسياسي هائل وقع عام 2023. الصراع حول طبيعة الحرب، وأهمية قضية الأسرى مقابل أهمية القضاء على (حماس)، إضافة إلى النقاش حول (اليوم التالي) في قطاع غزة، كلها عوامل تعمق الخلاف داخل المجتمع الإسرائيلي على أسس سياسية متباينة، وتزيد من حدة الاستقطاب"، وفقاً لما أكده هايمن.
العلاج الروتيني لن يوقف الانهيار
التحذيرات من تداعيات استمرار الوضع الحالي، عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي والسياسي، تشغل جهات إسرائيلية عدة وتتصدر جدول الأعمال السياسية والحزبية، ليطرح السؤال: ماذا بعد؟ وأي انتخابات برلمانية ستشهدها إسرائيل، وهل ستكون المعركة بين يسار ويمين أم بين "البيبيين" و"فقط ليس بيبي"؟ أو كما تساءل رئيس الحكومة السابق إيهود باراك: هل ستكون المعركة بين "إسرائيل الأولى" و"إسرائيل الثانية"؟ أم بين "إسرائيل اليهودية الصهيونية الديمقراطية" و"إسرائيل الديكتاتورية العنصرية- الدينية، الظلامية والفاسدة" التي ستقود إلى دمار الصهيونية ودولة إسرائيل؟
أسئلة عدة وخلافات عميقة وشرخ متزايد، "لقد تجاوزنا نقطة اللاعودة"، يحذر إيهود باراك، ويرى أن أي علاج روتيني لن يوقف الانهيار، "بل نحن نحتاج إلى علاج طارئ لمواجهة حكومة متمردة تتصرف بشكل مخالف للقانون والمصالح الوطنية، حكومة يرفرف عليها علم أسود. فمن واجبنا المدني تفعيل مبدأ 'الديمقراطية الدفاعية' واللجوء إلى العصيان المدني السلمي على نهج غاندي ومارتن لوثر كينغ، نضال يمتد مثل النبع المتدفق حتى يتم القضاء على حكومة الإهمال والفوضى".
وأما التهديد الرئيس لإسرائيل فهو ما سماه باراك، "جنون أنظمة الحكم وزرع الكراهية والانقسام والعمى الاستراتيجي واحتقار 'السلطة العليا' ونهب الخزينة. هذا ليس خطراً على إسرائيل فحسب، بل على وجودنا، وهو جانب مهم يدفعنا إلى الاستعداد بجدية للانتخابات القريبة".
الحاجة في هذه الانتخابات، التي ستجرى وسط هذا التدهور الخطر في الداخل الإسرائيلي، أن تكون حرة وأن يظهر عشية الاقتراع ما يشير إلى هزيمة متوقعة للديكتاتور، يقول باراك "في المكان الذي يكون فيه تدمير الدولة كما عرفناها على المحك، لن يتمكن أي شخص أو مؤسسة كان يمكنها العمل ولكنها لم تعمل من الادعاء بأنه لم يكن يوجد بند في القانون أو أي ادعاء آخر. يجب على المواطنين في المناصب القيادية التصرف، حتى لو لم يكن اليقين بنجاح عملهم. إذا تحرك الجميع فإن وحدة العمل أو الكتلة المتراكمة من الجمهور ستقلب الموازين، ولن يكون هناك دمار لنا ولا خطر على وجودنا".