Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شعر العامية المصري يشهر "السلاح" في مواجهة التهميش

ملتقى للتراث الشعري الشعبي وانتفاضة ضد الاستبعاد من جوائز الدولة

من ملتقى شعر العامية المصري في القاهرة (اندبندنت عربية)

ملخص

لا يقف شعراء العامية المصرية مكتوفي الأيدي إزاء ما يرونه انتقاصاً من شأنهم من جانب المؤسسة الرسمية، رغم حضورهم الفاعل في نسيج المشهد الإبداعي. وليست البيانات الغاضبة كافية ليخوض بها شعراء العامية حربهم ضد حراس الثقافة الكلاسيكية والأذرع المحافظة التي تحاول إقصاءهم، وإنما تمثل الأنشطة الجماهيرية الأسلحة الأكثر حيوية لشعر العامية المصري في انتفاضته لإثبات ذاته المتجددة.

هل ترى المؤسسة الثقافية الرسمية في مصر أن شعر العامية إبداع من الدرجة الثانية؟ لا يجرؤ أحد على قول ذلك صراحة بطبيعة الحال، لكن غصة مريرة يجدها شعراء العامية المصرية في صدورهم جيلاً بعد جيل، جراء ممارسات سلطوية وفوقية متراكمة إزاء شعر العامية، تثبت الرغبة في إزاحته وتهميشه والتعاطي معه بأقل مما يستحقه من تكريس واهتمام.

في كثير من الحصص، يذهب القليل، بل أقل القليل، من الالتفات، إلى شعر العامية المصرية. ففي حصة النشر مثلاً في سلاسل الكتب وفي المجلات والدوريات، يحدث ذلك، وفي حصة المؤتمرات والمهرجانات المحلية والعربية والدولية والتمثيل الإبداعي المصري في الخارج، وفي حصة الترجمة إلى لغات أخرى، وفي حصة المسابقات والجوائز والتكريمات، وغيرها.

لا للإقصاء

وجاء الإعلان الأخير من جانب المجلس الأعلى للثقافة التابع لوزارة الثقافة المصرية باستبعاد فرع "ديوان شعر العامية" من جوائز الدولة التشجيعية لعام 2026 ليغرس شوكة جديدة في جنوب شعراء العامية المصرية، ويشعل حماستهم أكثر حول ضرورة تكاتفهم للتعبير عن أنفسهم وإبراز اللون الإبداعي الذي ينتجونه على النحو الذي يليق به.

ولا تقصد وزارة الثقافة المصرية باستبعاد فرع "ديوان شعر العامية" من جوائز الدولة التشجيعية العام المقبل إلغاء هذا الفرع نهائياً، وفق ما أوضحه بيان المجلس الأعلى للثقافة في رده على عشرات البيانات والتصريحات الغاضبة التي أطلقها شعراء العامية المصرية مستنكرين القرار. فهذا الاستبعاد هو أمر موقت، في سياق نظام تناوب سنوي بتغيير فروع الجوائز دورياً، وسيعود "ديوان شعر العامية" كمجال للتنافس خلال دورات مقبلة.

وعلى رغم هذا التوضيح المؤسسي، لم يكف شعراء العامية المصرية عن انتقاداتهم وتعليقاتهم وبياناتهم، وتجددت الرغبة لديهم في تنظيم مزيد من الفعاليات المستقلة والموازية لشعر العامية المصري، على أن تكون ذات طابع جماهيري، وموزعة على المحافظات المصرية، خصوصاً في صعيد مصر والأطراف النائية، كتوضيح لقوة حضور شعر العامية المصري حتى في الهامش المنعزل، وكرد فعل عملي على محاولات التجاهل المستمرة لهذا اللون الإبداعي الذي ينطوي على الخصوصية الشعبية واللغوية.

رسالة وفلسفة

تحت هذه المظلة، تزداد أهمية عقد "ملتقى العامية المصرية" (8-10 نوفمبر- تشرين الثاني الجاري) في هذا التوقيت. فالملتقى الذي احتضنه "بيت الشعر العربي" في مركز إبداع الست وسيلة الأثري خلف الجامع الأزهر في قلب القاهرة، بالتوازي مع عشرات الساحات الأخرى في مختلف الأقاليم المصرية خارج العاصمة، يحمل رسالة ورمزاً كما يتضح من فلسفته في الحشد الجماهيري الجيد، والتوزع على المحافظات المتعددة، وكما يتجلى أيضاً من تركيز مؤسسيه على عبارات أيقونية دالة بعينها، تفيد بأن "الإبداع للجميع"، وليس حكراً على فئة أو تيار أو نمط، وأن "مصر كلها ستقول شعر عامية في وقت واحد!".

ولعل شعارات عاطفية مما يحملها ملتقى العامية المصرية 2025، من قبيل "إيدكم معانا نعمل حاجة تليق بتاريخ وعظمة بلدنا"، قد تجد ما يبررها نسبياً، نظراً إلى السياق الانفعالي المتأجج الذي ولد الملتقى من رحمه. ولكن على المستوى التنظيمي والتخطيطي الرصين، فتتمثل جهود مكثفة للأمين العام للملتقى الشاعر سعيد شحاتة وإدارة الملتقى، مستفيدين من خبراتهم السابقة في عقد ملتقيات متخصصة للعامية المصرية خلال الأعوام الماضية.

وهكذا، لم يقتصر ملتقى العامية المصرية 2025 الذي يحمل اسم الشاعر مجدي نجيب (1936-2024) على الزخم الكمّي من خلال الأمسيات الشعرية الموسعة بحضور مئات المشاركين، وإنما تلمس أيضاً التحقق النوعي عبر جلسات نقدية ومناقشات ثرية تطرقت إلى قضايا ومحاور من قبيل "المجايلة في القصيدة المصرية"، وشهادات عن الشاعر مجدي نجيب، إضافة إلى تكريم شاعري العامية المصرية ناجي شعيب ومحمود الطويل.

قصيدة التحدي

ويرى الأمين العام لملتقى العامية المصرية الشاعر سعيد شحاتة في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن شعر العامية المصرية بقدر ما يحمله من إدهاش وجماليات متطورة وصيغ ومعالجات مبتكرة تواكب مستجدات العصر وتنهل من الحياة البسيطة وملحمة الواقع الشعبي، بقدر ما يأتي هذا الشعر مشحوناً عادة بالتحدي والإصرار والمقاومة والجرأة.

ولذلك، يضيف شحاتة، فإن قصيدة العامية المصرية كفيلة بالوصول إلى المتلقي تحت أية ظروف، وقادرة على إزالة العوائق والتصدي لكل محاولات حصارها وقمعها وخنقها وتقزيم فعالياتها. وحتى مثل هذه المؤتمرات والملتقيات الأهلية والمستقلة، فإنها وفق الشاعر المصري، تتعرض في أحوال كثيرة للتضييق والعرقلة وتصدير الأزمات من جانب المؤسسات الرسمية والجهات المحافظة، ولكنها في النهاية تصمد وتنتصر وتعقد بحضور لافت، وتسعى إلى أداء دورها بكل ما أتيح لها من طاقة. وتلك الطاقة مستمدة من سر قصيدة العامية المصرية وسحرها، فهي القصيدة التي لا يمكن أبداً طمسها أو حجبها أو أسرها لأنها منحازة دائماً إلى الناس والوجدان العام والشارع النابض.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة