Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"فريجيدير" عرض أردني يمسرح "الأرض اليباب" لإليوت

المخرج الحاكم مسعود اعتمد صيغة حركية موسيقية قدمت مستويات رمزية عن الموت والديمومة

غنام غنام ودلال فياض في مسرحية "فريجيدير" (خدمة الفرقة)

ملخص

ليست المرة الأولى تدور فيها أحداث مسرحية داخل ثلاجة لحفظ جثث الموتى، فالمسرح الأردني قدم قبل أشهر عرضاً بعنوان "ثلاجة الموتى"، تأليف علي الشوابكة وإخراج محمد الشوابكة وتمثيله. اليوم يقدم الحاكم مسعود عرضاً مماثلاً بعنوان "فريجيدير". بطولة الفنان الفلسطيني غنام غنام إلى جانب كل من رزان الكردي وفداء أبو حماد وحسام حازم إضافة إلى كل من محمد المغاريز وحمزة سبيتان. و"فريجيدير" هو اسم العلامة التجارية الأميركية للأجهزة المنزلية الكهربائية، وقد اشتهرت هذه الماركة أوائل القرن الـ20، حتى أصبح الأميركيون يطلقون على أي ثلاجة اسم "فريجيدير" بغض النظر عن الماركة التجارية لها.

تعد الرؤية الفنية التي قدمها الحاكم مسعود اقتباساً حراً عن نص "زمن اليباب" للكاتب الأردني هزاع البراري، إذ تروي مسرحيته حكاية فرح الفتاة التي تحرس جثث كل من والديها وحبيبها داخل ثلاجة لحفظ الموتى، رافضة تصديق رحيلهم، إلى أن يأتي رجل أرسله مدير البلدية، فيقوم بمصادرة الجثث وإنهاء حال الإنكار الطويلة التي تعيشها المرأة الشابة. نص هزاع البراري كانت قدمته أيضاً فرقة مسرح دبي الأهلي عام 2018، برؤية إخراجية للفنان الإماراتي سالم التميمي، أما الحاكم مسعود فحقق صيغة درامية موسيقية انتصر فيها لسينوغرافيا (صممها بالشراكة مع محمد المراشدة)، إذ حدد الديكور حركة الممثلين في خطوط متوازية على الخشبة (مسرح هاني صنوبر)، وبدا هذا الخيار الفني منسجماً مع العالم المتجمد الذي تجسده ثلاجة الموتى، والتي يؤدي موظفوها الخمسة حركة أقرب إلى الرجال الآليين بين عمق الخشبة (مسرح هاني صنوبر) ومقدمتها.

وفي النص الأصلي للعرض يبدو التناص واضحاً مع قصيدة "الأرض اليباب" للشاعر الإنجليزي الأميركي ت. س. إليوت (1888- 1965)، التي حمل الجزء الأول منها عنوان "دفن الموتى"، إذ تتألف هذه القصيدة، كما بات معروفاً، من خمسة أجزاء تقع في 433 بيتاً، وكما كانت قصيدة الشاعر الأميركي ملهمة لعديد من شعراء الحداثة الشعرية العربية، أتت هنا ملهمة أيضاً للمسرحيين العرب، ويأتي نص "زمن اليباب" مثالاً ساطعاً عن رغبة كل من مؤلف العرض ومخرجه لاكتشاف معادل موضوعي للعبة المسرحية، والخروج كما في الشعر من تمركز الحوار الدرامي حول ذات الكاتب، والتعويض عنها بصراع مع الغيب والأحداث والأشياء التي تجسد فكرة الديمومة ورفض فكرة "الموت الذي لا يموت". 

ثلاجة الموتى

هكذا تبدو كل جثة فكرة في ثلاجة الموتى، فالأحياء، كما تسوق المسرحية الأردنية، ضجيجهم لا يطاق، والقبور التي تعلوها ورود المعزين تحيط الأكفان والقطن بالجثامين المسجاة من تحتها. يجسد "فريجيدير" نوعين من العيش. الأول ينحو إلى الحياة الواقعية الصرفة، والثانية تبدو كحلم داخل حلم، فهناك ممن دخلوا عالم الراحة الأبدية قد عاشوا الحياة كمجانين، والمجنون برأي سيغموند فرويد يعيش حلماً طويلاً، أما العقلاء فلا تزورهم الأحلام إلا في منامات خاطفة، ومن هؤلاء أيضاً من ماتوا دون أن يعلموا أنهم ماتوا، إذ إن أحلامهم أنقذتهم من المجهول، وجعلتهم أقرب إلى أشباح خالدة بفضل إخلاصهم لفكرتهم عن الموت.

لا تبدو مسرحية "فريجدير" درساً في الفلسفة أو محاضرة عن أصل الوجود، بقدر ما ينحو صناعها منذ اللحظات الأولى لخلق عالم مواز عن جدلية الموت والحياة. سيحضر طيف المخرج والممثل خالد الطريفي (1955-2023) والذي أعاد العرض إعداد النص المقتبس عنه ليبدو وكأنه تحية لروح الفنان الأردني الغائب. جوقة من الحانوتية بأزياء سوداء في مواجهة فريجيدير (جسده الفنان غنام غنام) الذي لم يدخر جهداً في تقديم أداء حركي متقن جنباً إلى جنب مع الأداء الدرامي الخالص، فالرجل الستيني يصر على أن تبقى الجثث خارج ثلاجة الموتى، فلربما كان ثمة أمل بأن تكون لا تزال على قيد الحياة. جثث كثيرة ترد بأرقام إلى عمال ثلاجة الموتى، منها ما يذهب للتشريح بغية التحقيق في أسباب الوفاة، ومنها ما يحال إلى الأكاديميات ليتدرب عليها طلاب الطب، ومنها ما يستوقفه فريجيدير، إذ إنه لا يحب الطاعة الصامتة العمياء. تلك الآلية التي تحكم عمل موظفي الثلاجة.

ويعمل فريجيدير على خياطة بعض الجثث كي تبقى متماسكة، لكن عبثاً ينجح بخيوطه الوهمية أن يصلح جراح الفقد التي تنتابه، فجراح الفقدان والغياب لا خياط لها، ثم إن هناك من يبرع في تجارة أعضاء الجثث التي تصل طازجة بعد موتها مباشرة إلى هذه المشرحة. من هنا يبدأ حوار بين فريجيدير وشخصية فرح (دلال فياض) التي تحرس جثث والديها وحبيبها من التعفن والتحلل في النص الأصلي: "احرسي الثلاجة جيداً، بل يراقص كبير الموظفين فرح بزيها الأبيض، مذكراً بأن كل شيء هنا يموت. الزمان والمكان، والذاكرة تجف ثم تتلاشى. سيكون لموسيقى عبدالرزاق مطرية دور حاسم في العرض، إذ تداخلت الأصوات البشرية مع ثنائية البيانو والكمان لتكون ميلودي أقرب إلى موسيقى تصويرية بنقرات إيقاعية متصاعدة، لربما استلهم الممثلون بعضاً من إيحاءاتها الفجائعية لتصميم الحركة الجماعية لهم على الخشبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعود فريجيدير لإعلان رفضه فتح باب الثلاجة، فالميت المرتقب دخوله إلى هذا العالم المتجمد ليس شخصاً عادياً، إنه على ما يبدو صديق ورفيق درب وأحلام. منذ اللحظات الأولى للعرض سيردد فريجيدير ما يشبه لازمة "كل عام وأنتم بخير" العبارة التي اشتهر بها صديق دربه المسرحي خالد الطريفي، ولهذا يعود كبير الموظفين ليقول بصوت عال: " لن أسمح أن يتسلل الثلج الأسود إلى عروقي. سأبقى حارساً على ثلاجة وأعيش على هامش المشرحة". نداء أخير يرن صدى الكلمات في الفضاء المعدني المضاء بأرضيات زرقاء (رمزي بندورة)، فهل نحن أحياء نؤجل موتنا في ثلاجة أم موتى نرفض أن ندفن؟ سؤال يستحضر فكرة مسرحية "ثورة الموتى" للكاتب الأميركي أروين شو (1913-1984) والتي تروي حكاية ستة من الجنود الذين قضوا في الحرب العالمية الثانية، وعند قيام حفاري القبور بالشروع في دفنهم يتمرد الجنود الموتى على ذلك، ويثورون ضد حكامهم.

ويمضي فريجيدير إلى مونولوغه المؤثر مستذكراً صديق المسرح والحياة، فعندما يأتون بالجسد المسجى يتساءل بطل العرض مجدداً: "هل هو الجسد الذي يموت أم إن شيئاً في داخلي ينهار؟ أنت صوت الموت الذي قرر ألا يبقى". وهنا يطالب غنام غنام رفيق دربه بنبرة من الرجاء المؤثر: "ابق حتى ولو كنت ألماً، ابق وارم بحذائك نواحي المسرح المعتمة، ابق. هذا مسرحك، هذه لعبتك، هذا احتفالك". إذا هي مشرحة مؤجلة. "ينسى الموت عندما تذكر، وها أنت تذكر". عبارة يرافقها ظهور صورة بالحجم الطبيعي للفنان الراحل خالد الطريفي في عمق الخشبة، ومن ثم تعقبها تلويحة وداع من فريجيدير الذي يختم بجملة نهائية: "ابق أنت هناك حتى أنام أنا هنا. كل عام وأنت بخير".

مسرحية "فريجيدير" هي من الأعمال العربية القليلة التي تنتصر للمسرح كمشترك إنساني بعيداً من المعالجات المغرقة في مناقشة الهموم المحلية، ومن دون اللجوء إلى المباشرة الفنية لقراءة الواقع في بلد من البلدان، مما يجعلها مفتوحة لتقديم قراءات متعددة المستويات، إلا أنها تجسد في الوقت عينه مغامرة لتدجين الشعر على الخشبة، وهذا ما جعل من الإخراج مهمة صعبة، إذ ساندت الموسيقى الأحداث طوال زمن العرض "50 دقيقة"، وجاءت في بعض المواضع كتعليق مباشر على الصراع، فيما حدت الصيغة الهندسية الصارمة من حركة الممثلين وتلقائية ظهورهم واختفائهم على المسرح.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة