Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محمد رشاد يكتشف وجها آخر للإسكندرية في فيلم "المستعمرة"

عرض في مهرجان وهران السينمائي وأتاح للجمهور دخول مناطق الظل والهامش

من أجواء فيلم "المستعمرة" الذي عرض في مهرجان وهران (ملف الفيلم)

ملخص

 في فيلم "المستعمرة"، يخوض محمد رشاد مغامرة سينمائية من خلال تأليف وإخراج فيلمه الروائي الطويل الأول. وهو عمل لاقى اهتماماً خاصاً لدى عشاق السينما، بعد عرضه في برلين وفوزه بالجائزة البرونزية في مهرجان الجونة، ليشارك بعد ذلك مباشرة في مهرجان وهران السينمائي، حيث فاز بجائزة "الوهر" الفضية.

 يجعل فيلم "المستعمرة" الذي عرض في مهرجان وهران السينمائي، المنطقة التي يصورها تشبه أي مكان في العالم غير الإسكندرية التي نعرفها، إذ تعرض المشاهد الأولى لقطات لمنطقة تكاد تبدو صحراوية، تحمل اسم "المستعمرة"، وهي منطقة صناعية تقع بين القاهرة والإسكندرية، يقيم ويعمل فيها عمال المصانع. وفي ندوة ناقشت الفيلم بعد عرضه، أوضح محمد رشاد، ضيف مهرجان وهران، أن مشروعه تمثل في عرض الوجه الخفي لمدينة الإسكندرية، مناطق الظل والهامش التي لا يعرفها أحد ولم تعرض من قبل في الأعمال السينمائية والدرامية، ولعل هذا أكثر ما جذب التركيز على عمله: اكتشاف المدينة والتعرف عليها من زوايا جديدة ومختلفة.

شقيقان في مواجهة موت الأب 

 يبدأ فيلم "المستعمرة" بصرخة مفاجئة ترافق الشاشة السوداء قبل انطلاق عرض المشهد الأول، إذ تصيح سيدة مصرية "يا لهوي" ثم يظهر في الكادر، طفل اسمه مارو، لا يتجاوز عمره الـ12، يهدد أمه وشقيقه الأكبر حسام بالانتحار وقطع شرايين يديه، اعتراضاً على الذهاب إلى المدرسة، حيث يهددهما قائلاً إنه سيقتل نفسه إذا لم يسمحا له بالعمل فينصاع له كل منهما. يكاد هذا المشهد يكون الأكثر توتراً في الفيلم، إذ يتباطأ بعده إيقاع الأحداث وتخلو من أي انفعالات تمثيلية، ويتحول الفيلم إلى عرض طويل للقصة في محاولة العثور على أجوبة لأسئلة تنكشف تدريجاً وفق خط درامي ثابت.

لا يعرف المشاهد في البداية سبب محاولة الطفل للانتحار وإصراره على العمل، ثم تبدأ التفاصيل في الظهور شيئاً فشيئاً لنكتشف لاحقاً أن والدهما توفي في حادثة عمل غامضة، داخل مصنع يفتقر إلى شروط السلامة واحترام قوانين العمل، فيعرض عليهما المدير تسوية تتمثل في منح الابن حسام فرصة عمل كتعويض مادي، يثني العائلة عن رفع دعوى قضائية ضد المصنع.

 يمكن تصنيف فيلم "المستعمرة" على أنه اجتماعي واقعي، اعتمد فيه محمد رشاد على المشاهد الصامتة والحوارات القصيرة، أكثر من اعتماده على الحوارات الطويلة والتواصل الشفهي بين الشخصيات، ركز على تعابير الممثلين، وخصوصاً البطل أدهم شكر، الذي حاول التعبير بوجهه ولغة جسده أكثر مما عبر بالكلمات، فظهر وجهه شاحباً ومتعباً، حزيناً وقلقاً وهو يواجه الشكوك حول موت أبيه ولا يعرف إن كان عليه أن يسلم بمبدأ القضاء والقدر، وأن مثل هذه الحوادث تحدث في كل المصانع أم إن والده توفي بسبب إهمال المهندس المشرف على سلامة العمال وسير الآلات، وإلى جانب كل هذا يجد نفسه متورطاً في العمل بالمخدرات لمساعدة عائلته وإعالة والدته المريضة، ومحاصراً بأسئلة شقيقه ولومه لأنه استسلم لمدير المصنع ولم يأخذ بثأر أبيه.

 يقوم الطفل "زياد إسلام" بدور الشقيق الأصغر الذي يتسرب من المدرسة ويصر على العمل ومرافقة شقيقه، ويؤدي هذا الدور ببراعة في مشاهد عديدة، مثل عناده من أجل الوقوف في الباص ثم تمثيله لحالة التعب والإرهاق ونومه الوشيك وهو واقف. غير أن توظيف قضية عمالة الأطفال في الفيلم قد لا تبدو منطقية ولا مبررة بالكامل، إذ يطرح السؤال حول كيفية خضوع عائلة لقرار طفل يرغب بالعمل داخل مصنع توفي فيه والده، وقد يشكل وجوده فيه خطراً مباشراً على حياته، حتى لو هدد بالانتحار، فوجود طفل وحيد بين العمال البالغين، يبدو غريباً وشاذاً وخارجاً عن المألوف، وكذلك قبول المدير والمسؤولين به في ظل الغياب التام للرقابة، مما يثير تساؤلات جدية حول إدراج هذا الخيار في السرد.

 غير أن المخرج أجاب عن هذا التساؤل في الندوة نفسها التي أقيمت في مهرجان وهران، موضحاً أن هذه المشاهد، على رغم غرابتها، مستوحاة من الواقع، وأن هذا النوع من عمالة الأطفال يحدث فعلاً في مصر، حيث توجد مصانع تغيب فيها الرقابة إلى حد يسمح بعمل الأطفال في مهن تعد خطرة حتى على البالغين.

قوة الصورة في بناء المشهد

 يؤثث محمد رشاد فضاء التصوير بما يخدم رؤيته السردية والإخراجية عن عينة منسية من المجتمع، تلك الطبقة الكادحة من عمال المصانع الذين يعملون في ظروف صعبة ومقابل أجور زهيدة. وتظهر تفاصيل ظروفهم بدءاً من الحافلات القديمة التي يستخدمونها للوصول إلى العمل، مروراً بتصوير المصنع من عدة زوايا من الخارج إلى الداخل، وصولاً إلى اللقطات الطويلة للآلات الثقيلة التي ينهمك العمال في تشغيلها. وقد ذكر المخرج أنه استعان بعمال حقيقيين لأداء الأدوار المساعدة، وأن اختياره البطلين، كان مقصوداً أيضاً لكونهما غير محترفين، رغبة في تقديم أداء واقعي يناسب سياق الفيلم.

 من جهة أخرى يطغى اللون الرمادي على الصورة، وهو اختيار يوضح المخرج أنه الأنسب لأجواء المصانع وموضوع الفيلم، كي يتماشى مع شقاء العمال، ومع قصة الشقيقين اللذين وجدا نفسيهما في مواجهة الفقر واليتم والظروف القاسية عليهما العمل قسراً بدلاً من اتخاذ أي رد فعل قانوني. كان للون الرمادي إذن تأثيره القوي في جعل الصورة منسجمة مع أفكار الفيلم الذي صنفه النقاد ضمن الواقعية السوداء، فالفيلم في النهاية ليس ساخراً أو كوميدياً، وكانت أدوات صناعته في حاجة إلى أن تأتي متكاملة كي تحقق غايته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 تبدو الشخصيات الرئيسة في الفيلم قليلة ومحدودة، إذ تتكرر غالبية المشاهد بين الشقيقين ووالدتهما المريضة في البيت، فيما لا تتجاوز مواقع التصوير ثلاثة أو أربعة مواقع بين البيت المتواضع والمصنع، كما أن حضور المرأة في الفيلم كان محتشماً، واقتصر على تواصل البطل حسام مع عاملة مجهولة تتصل به من دون أن تكشف هويتها، عبر مكالمات قصيرة لا تقول فيها الكثير. وحتى لقاؤهما الأخير في المصنع وعناقهما الطويل بدا غير مبرر تماماً، إذ لم تجمع بينهما علاقة حب واضحة، أو تواصل فعلي يفسر هذا التقارب المفاجئ. وربما كان هذا الحضور المحدود للمرأة مقصوداً أيضاً، لأن السرد يتركز على عالم الرجال في بيئة صناعية يغلب عليها الطابع الذكوري.

 وفي مشهد لقاء حسام بزميلته في المصنع، وظف المخرج تقنية القطع المتطابق (Match Cut)، منتقلاً من لقطة الجزء السفلي من سروال حسام أثناء العناق إلى لقطة مشابهة يخرج فيها المال من المكان نفسه، بما يخلق رابطاً بصرياً مباشراً بين المشهدين. وفي مشهد داخلي آخر صور في بيت حسام، استخدم المخرج تقنية اللقطةـ المشهد بالكاميرا الثابتة، حيث تجري الأحداث والحوارات في لقطة واحدة يتحرك فيها الممثلون داخل كادر ثابت من دون قطع.

نهاية مفتوحة

ينتهي فيلم "المستعمرة" بنهاية مفتوحة، بعد فرار حسام إلى الجبل، يستلقي الطفل مارو على السرير وهو يحمل الخنجر ويفكر. ويظل السؤال معلقاً إن كان الطفل سيسلك مسار العنف نفسه، أم سيتمرد عليه، أم إنه يفكر في تنفيذ تهديده وإنهاء حياته؟ فالفيلم بدأ بمشهد طفل يهدد بالانتحار، وانتهى باستلقائه والخنجر في يده. تأتي النهاية منسجمة مع السياق العام للفيلم لأن الأخير من البداية لم يقدم أجوبة بقدر ما طرح تساؤلات، وكشف عن الواقع القاسي في البيئة الصناعية في مصر، وما قد يترتب عنها من تأثير عميق في الحياة الأسرية وصراعات الفرد الداخلية أثناء اتخاذه لقرارات مصيرية.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما