ملخص
اللقاء بين دونالد ترمب وفيكتور أوربان في البيت الأبيض جمع زعيمين يتقاسمان الإعجاب بفلاديمير بوتين والنزعة السلطوية، في مشهد يعزز موقع الكرملين ويثير قلق أوروبا. أوربان، الذي تواجه حكومته انتقادات أوروبية بسبب تآكل الديمقراطية وعلاقاتها الوثيقة بموسكو، بحث مع ترمب ملف العقوبات على الطاقة وأكد أن الرهانات كبيرة، فيما أعلن البيت الأبيض أن الزيارة ستثمر "مزيداً من الصفقات الجيدة" في قطاعات مختلفة.
بالنظر إلى وقوف الزعيمين على طرفي نقيض في قضية إستراتيجية تزهق الأرواح وتعيد تشكيل العالم - قضية قد تهدد وحدة أوروبا في مواجهة العدوان الروسي - كان يُفترض أن يكون اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض لحظة حافلة بالتوتر.
إلا أن إعجابهما المشترك بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان كفيلاً بإخماد أي شرارة خلاف بينهما في المكتب البيضاوي.
يحكم أوربان منذ زمن أطول من الرئيس الأميركي الـ47، غير أنه يشترك معه في النزعة السلطوية نفسها. فكما فعل ترمب، سعى إلى تقويض استقلال القضاء، فيما أحكم المقربون منه قبضتهم على جزء كبير من وسائل الإعلام المجرية، مستفيدين من امتيازات واسعة في قطاع الأعمال.
لكن المشكلة الأساسية التي يواجهها تكمن في أن المجر - كما سلوفينيا وجمهورية التشيك - تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة الروسية. فمن خلال هذه الدول تحديداً، أنفق الاتحاد الأوروبي ما يقارب 260 مليار يورو (230 مليار جنيه استرليني) على الوقود الروسي، منذ أن أمر بوتين بالغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022.
هذا المبلغ يزيد بمقدار 10 مليارات يورو (11.6 مليار دولار) عما قدمه الاتحاد الأوروبي للعاصمة الأوكرانية كييف من أسلحةٍ ومساعدات مالية خلال الفترة نفسها.
أما ترمب، الذي أسهم بقراراته في تعزيز الحملة العسكرية التي يقوم بها فلاديمير بوتين، وذلك بوقف الدعم العسكري والمالي الأميركي لأوكرانيا، فقد تمكن من تجاهل الانتقادات الموجهة إلى سياساته المؤيدة للكرملين، لأنه استطاع أن يشير إلى نفاق موقف الاتحاد الأوروبي تجاه موسكو.
وكانت بروكسل قد فرضت عقوباتٍ على صادرات الوقود الروسية، غير أنها استثنت الإمدادات المتوجهة إلى كل من المجر وسلوفينيا وجمهورية التشيك. ولا تزال بودابست مرتبطةً بعقدٍ مدته 15 عاماً، قامت بتوقيعه مع موسكو في سبتمبر (أيلول) عام 2021، ويقضي بشراء الغاز من شركة "غازبروم" الروسية.
يُشار إلى أن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وأوربان متوترة منذ أعوام. ففي عام 2018، فعّل البرلمان الأوروبي المادة السابعة ضد المجر، وهي الآلية التي تتيح لبروكسل تعليق حقوق التصويت لأي دولة عضو داخل الاتحاد. وجاءت هذه الخطوة غير المسبوقة بسبب تدخل حكومة أوربان في عمل القضاء، وسيطرتها على وسائل الإعلام، وترهيبها للمجتمع المدني.
وفي مطلع هذا الشهر، أكدت لجنة الحقوق المدنية في البرلمان الأوروبي أن تراجع الديمقراطية المتسارع الذي تشهده المجر بات يستدعي الآن فرض عقوباتٍ مباشرة على حكومتها. وكان الاتحاد الأوروبي قد جمّد بالفعل 6 مليارات و300 مليون يورو (7 مليارات و308 ملايين دولار) من أموال الدعم لبودابست، مطالباً أوربان بتخفيف قبضته على الحياة السياسية قبل الانتخابات المقررة العام المقبل.
إلى ذلك، كان من المقرر أن يلتقي فلاديمير بوتين ودونالد ترمب في بودابست الشهر الماضي لإجراء محادثات حول وقف إطلاق النار في أوكرانيا. وقد أُلغيت هذه المحادثات - التي لم تُدع إليها كييف - بعد موجة تنديد واسعة بدعوة أوربان لبوتين، الذي يواجه مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب.
إلا أنه قبل فترةٍ وجيزة، اجتمع كل من ترمب وبوتين على أرضٍ أميركية في ولاية ألاسكا، فيما يواصل سيد البيت الأبيض لقاءاته المنتظمة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، الذي يواجه هو الآخر لائحة اتهام من "المحكمة الجنائية الدولية". وكان رئيس الوزراء أوربان قد قال لوسائل إعلام رسمية مجرية قبل الاجتماع المقرر مع بوتين، إن "جميع المفاوضات الدبلوماسية صعبة، لكنني أتوقع أن تكون المحادثات وديةً وسهلة".
وفي حديث أجراه مع وكالة الأنباء الرسمية "أم تي آي" MTI على متن طائرته المتجهة إلى واشنطن هذا الأسبوع، وصف أوربان ملف العقوبات على الطاقة بأنه "مسألة بالغة الجدية"، مؤكداً أن "الرهانات كبيرة"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أنه لا يتوقع أن تكون محادثاته مع ترمب حول هذا الملف صعبة.
وأضاف أوربان "أعرف الرئيس (الأميركي)، وهو يعرفني، ونحن على اطلاع جيد على الموضوع. كل ما علينا القيام به هو التوصل إلى اتفاق".
لكن المقصود بهذا "الاتفاق" تحديداً لا يزال غامضاً. فالبيت الأبيض اكتفى بتصريح فضفاض جاء فيه: "يمكن للشعب الأميركي أن يتوقع مزيداً من الصفقات الجيدة التي ستخرج بها زيارة رئيس الوزراء المجري أوربان، وتشمل قطاعات مختلفة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يُذكر أن ترمب كان قد فرض عقوباتٍ على الهند بسبب استيرادها النفط الروسي، وهدد باتخاذ إجراءاتٍ مماثلة ضد دولٍ أخرى. لذا، سيحرص أوربان على إبقاء المجر بعيدةً عن قائمة العقوبات. غير أنه يبدو واثقاً من أن الرئيس الأميركي لن يُقدم على أي خطوة من شأنها الإضرار به، إذ إن الضغط على المجر لوقف استيراد الوقود الروسي ليس ورقةً يرغب ترمب في استخدامها - خصوصاً أن الرجلين متفقان على مسائل كثيرة.
يُشار إلى أنه في ديسمبر (كانون الأول) عام 2023، استخدمت بودابست حقها في النقض (الفيتو) ضد حزمة مساعداتٍ من الاتحاد الأوروبي بقيمة 50 مليار يورو (58 مليار دولار) كانت مخصصة لأوكرانيا، قبل أن توافق - على مضض - على تمريرها، بعد ثلاثة أشهر.
وقد تبنى رئيس الوزراء المجري علناً مواقف الكرملين تجاه أوكرانيا، فوصفها بأنها "أرض غير مملوكة لأحد" واقترح اعتبارها "منطقة عازلة" تفصل بين "حلف شمال الأطلسي" (ناتو) وروسيا. ويؤكد أوربان أن عقوبات الاتحاد الأوروبي لم تضعف الكرملين، داعياً إلى وقف فوري لإطلاق النار، ومعلناً اقتناعه بأن أوكرانيا غير قادرة على تحقيق النصر.
هذه الآراء يشاركه إياها دونالد ترمب بالكامل. من هنا، فإن التقارب في وجهات النظر داخل المكتب البيضاوي لا يمكن إلا أن يكون خبراً سيئاً بالنسبة إلى أوروبا وأوكرانيا والغرب بأسره، لكنه في الوقت ذاته سيكون خبراً ساراً للغاية بالنسبة إلى الكرملين.
© The Independent