ملخص
لفت المتخصصون إلى أن العوامل الخارجية لعبت دوراً مكملاً، مع ضعف أسعار النفط وتباطؤ وتيرة خفض الفائدة الأميركية، مما زاد من حذر المستثمرين المؤسسيين.
قال متخصصون في الأسهم، إن موجة الانخفاض القوية التي شهدتها سوق الأسهم السعودية خلال الجلسات الأخيرة تمثل حركة تصحيحية طبيعية عقب موجة صعود استثنائية استمرت لأسابيع متتالية، مؤكدين أن التراجع الحالي لا يعكس ضعفاً هيكلياً في السوق بقدر ما يشكل "تهدئة ضرورية" بعد مكاسب متسارعة.
وأوضحوا لـ"اندبندنت عربية"، أن كسر المؤشر العام مستويات الدعم المحورية بين 11500 و11300 نقطة فاقم وتيرة التراجعات، تزامناً مع تراجع قيم التداول اليومية، مما اعتبر إشارة إلى اقتراب نهاية التصحيح واستعداد السوق لجولة صعود جديدة.
وأضافوا أن النتائج الفصلية المتباينة للشركات الكبرى، لا سيما في قطاعات البنوك والبتروكيماويات والعقار، أسهمت في تقليص الزخم الإيجابي، بينما أدى تأجيل قرار رفع سقف ملكية الأجانب إلى عام 2026 إلى خروج جزء من السيولة الأجنبية التي كانت تترقب دخولاً أوسع.
ولفت المتخصصون إلى أن العوامل الخارجية لعبت دوراً مكملاً، مع ضعف أسعار النفط وتباطؤ وتيرة خفض الفائدة الأميركية، مما زاد من حذر المستثمرين المؤسسيين، في حين فاقم سلوك المستثمرين الأفراد التراجعات بسبب التداول العاطفي وردود الفعل المبالغ فيها، مقابل تمسك المؤسسات والمستثمرين الأجانب بالمراكز الانتقائية في الأسهم ذات الأساسيات المتينة.
تقييمات مرتفعة
وأشار المتخصصون إلى أن السوق المالية السعودية تمر حالياً بمرحلة "إعادة توازن" بين التقييمات المرتفعة والسيولة المتحفظة، متوقعين أن يستعيد المؤشر العام "تاسي" زخمه تدريجاً مع استقرار أسعار النفط واقتراب دورة التيسير النقدي العالمية.
بحسب إحصائية جمعتها "اندبندنت عربية" استناداً لبيانات السوق المالية السعودية، فإن المؤشر العام "تاسي" فقد نحو ثلاثة في المئة خلال الأسبوع الماضي ليغلق عند 11302 نقطة، وهي أكبر خسارة منذ الأسبوع المنتهي في 10 أبريل (نيسان) الماضي أي خلال الستة أشهر الأخيرة، وذلك تحت وطأة هبوط قطاعي البنوك بنسبة 2.5 في المئة والمرافق العامة بنسبة ثمانية في المئة تقريباً بقيادة سهم "أكوا باور".
مسار هابط
كان مؤشر "تاسي" عاد ليتخذ مساراً هابطاً بعدما صرح، رئيس مجلس هيئة السوق المالية محمد القويز، قبل أيام بأن القرار المتعلق بزيادة ملكية الأجانب ستسبقه عدة إجراءات تنظيمية لن تتخذ قبل حلول العام المقبل 2026.
وهذه التصريحات أدت إلى إعادة تسعير سريعة لتوقعات المستثمرين بخصوص تدفقات السيولة الأجنبية، بعدما ارتفع مؤشر "تاسي" بأكثر من 1000 نقطة منذ منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، مدعومة بأنباء حول استعداد هيئة السوق المالية للسماح بتملك الأجانب لحصص غالبة في الشركات المدرجة بنهاية العام الحالي.
إعادة توازن
بدوره أوضح المستشار المالي في "المتداول العربي" محمد الميموني، أن موجة التراجعات الحادة الأخيرة في سوق الأسهم السعودية ناتجة من تداخل عوامل جوهرية، مشيراً إلى أن البداية كانت من داخل السوق، إذ أعلنت شركات قيادية (في البتروكيماويات والبنوك والعقار) نتائج ربع سنوية دون التوقعات، مما كبح الزخم الإيجابي.
وبين الميموني، أن هذا التأثير ضاعفته عوامل السيولة المتحفظة، إذ تراجعت السيولة المتداولة بنسب تراوح ما بين 20 و30 في المئة بسبب حال الحذر المؤسساتي وارتفاع العائد على أدوات الدخل الثابت. وأضاف أن العوامل الخارجية أسهمت أيضاً، بخاصة مع فقدان أسعار النفط لزخمها الصاعد، وتوقعات تأخر "الفيدرالي الأميركي" في خفض الفائدة.
وعلى رغم تلك التراجعات، أكد الميموني أن البيانات تشير إلى أن ما يجري هو تصحيح صحي طبيعي في مسار سوق صاعدة طويل، وليس بداية لدورة هبوطية.
ولفت إلى أن المؤشر حقق ارتفاعات تجاوزت 25 في المئة خلال العام الماضي، وأن حركة تصحيحية بحدود ثمانية إلى 12 في المئة تعد ضمن النطاق الطبيعي لجني الأرباح، وحذر في الوقت ذاته من أن استمرار التراجع دون مستوى 11600 نقطة قد يشير إلى تصحيح أعمق.
وفيما يخص سلوك المستثمرين، أوضح الميموني أن العاطفة تلعب دوراً محورياً، إذ يتخذ الأفراد قراراتهم بناء على الخوف الجماعي، بينما أشار إلى أن المستثمر المؤسسي يواصل انتقاء المراكز في الشركات ذات الأساسيات القوية. وشدد الميموني على أربع رسائل جوهرية للمستثمر، أهمها أن التراجع لا يعني نهاية الفرص، بل بداية الفرز، وأن الفرص تتولد وقت الخوف، داعياً إلى أهمية إدارة الأخطار وتنويع المحفظة.
وخلص الميموني، إلى أن السوق السعودية تمر حالياً بمرحلة إعادة توازن بين التقييمات العالية والسيولة المتحفظة، متوقعاً أنه مع استقرار أسعار النفط وتوجه "الفيدرالي الأميركي" لتخفيض الفائدة في النصف الأول من العام المقبل، أن تعود الثقة تدريجاً.
وأكد أن السوق السعودية تظل إحدى أكثر الأسواق الإقليمية متانة، وأن التراجع الحالي ليس سوى "استراحة محارب في مسار طويل من النمو والإصلاح الاقتصادي".
نتائج متواضعة
بدوره أشار نائب رئيس مجلس إدارة "مباشر هولدنغ" للاستثمارات المالية إيهاب رشاد، إلى أن من العوامل الرئيسة المؤثرة في تراجع السوق تتمثل في موسم النتائج المتواضعة، إذ أعلنت شركات قيادية مثل "سابك" و"أكوا باور" عن نتائج دون المتوقع، مما ضغط على قطاعي "البتروكيماويات" و"المرافق العامة"، وزاد من تدهور المعنويات العامة.
وأضاف رشاد، أن ما يحدث هو إعادة توازن بين التقييمات العالية والسيولة المتحفظة، مؤكداً أن السوق السعودية تظل متينة، وأن التراجع الحالي يمثل فرصاً انتقائية للمستثمر المنضبط الذي يبتعد عن التداول العاطفي ويركز على الشركات ذات الأساسيات القوية.
تصحيح صحي
المحلل المالي والمحاضر في التمويل والاستثمار يوسف يوسف، أوضح أن سوق الأسهم شهدت انخفاضاً قوياً خلال الأيام القليلة الماضية، مشيراً إلى أن وتيرة هذا التراجع تسارعت بعد كسر المؤشر لمستويات الدعم الرئيسة التي بدأت من 11500 ثم 11400 نقطة، ووصولاً إلى 11300 نقطة.
وبين يوسف أن التأثر الأخير للسوق لا يعود إلى عوامل خارجية بالقدر الذي يعود فيه إلى الأداء الاستثنائي الذي حققته السوق في الفترة الماضية، مؤكداً أن هذا الأداء كان يستلزم حتماً فترة "تهدئة والتقاط أنفاس"، وقال إن هذا الانخفاض قد يكون "تصحيحاً صحياً" ضرورياً للتحضير لموجة صعود جديدة.
وأشار يوسف إلى أداء المؤشر منذ مطلع أبريل (نيسان) 2025 حتى منتصف سبتمبر الماضي، إذ انخفض بنسبة 12.7 في المئة على مدار خمسة أشهر ونصف، ليتراجع من مستوى 11880 نقطة إلى 10366 نقطة.
وأوضح أنه بعد تلك الفترة، وتحديداً من منتصف سبتمبر وحتى أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، ارتفع المؤشر بنسبة 13.5 في المئة، وصولاً إلى 11780 نقطة، ليصبح على مسافة 100 نقطة فقط من المستوى الذي انخفض منه، لافتاً إلى أن هذا التعافي القوي الذي تحقق في شهر ونصف فقط بعد انخفاض استمر لخمسة أشهر ونصف كان يحتاج بالضرورة إلى تهدئة.
وأشار يوسف إلى أن انخفاض قيم التداول تزامناً مع انخفاض المؤشر هو "مؤشر إيجابي" يدل على أن موجة التصحيح قد تكون قد انتهت، وأن السوق ستبدأ في استعادة الزخم من جديد.
ولفت إلى أن الانخفاض الأخير سيطر عليه جزئياً التصريحات الصادرة عن هيئة السوق المالية بخصوص العمل على رفع ملكية الأجانب خلال العام المقبل، موضحاً أن السوق كانت تتوقع حدوث ذلك خلال العام الحالي، مما كان سيؤدي إلى تعديل نسب المؤشرات الدولية وضخ سيولة جديدة.
وشدد يوسف على ضرورة تنويع المحافظ واختيار قطاعات مختلفة، والابتعاد عن التداول العاطفي أو الانجراف وراء موجة الخوف والهلع. وأشار إلى أن الحديث عن وجود "فقاعة" في الأسهم التي تعتمد على الأسواق الدولية يثير التخوف، لكن السوق الأميركية ظلت تحقق قمماً جديدة لأكثر من أربعة أشهر.
3 عوامل أساسية
من جانبها، أوضحت المتخصصة المعتمدة لدى أكاديمية "كي ويلث" مها سعيد، أن الحركة الأخيرة لسوق الأسهم السعودية تقرأ بوضوح ضمن إطارها العددي، موضحة أن المؤشر العام سجل أكبر موجة هبوط أخيراً، بلغت نحو 3.4 في المئة حتى الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني). وأشارت سعيد إلى أن هذا الأداء لا يعني "ذعراً"، بل يظهر أن السيولة اليومية "أقل"، إذ يدور متوسط التداول حالياً حول 5.28 مليار ريال (1.4 مليار دولار).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبينت سعيد أن الضغط الحالي ناتج من مزيج من ثلاثة عوامل أساسية متداخلة: أولاً، نتائج شركات متباينة، إذ قدم قطاع البنوك أداء جيداً بينما واجهت البتروكيماويات ضغوطاً هيكلية، وأما عن ثاني تلك العوامل فأوضح أنها ضعف أسعار النفط، التي انخفض خام برنت منها بنحو 16 في المئة منذ بداية العام.
وأوضحت أن ثالث تلك الأسباب يتمثل في أن تأثير خفض أسعار الفائدة الأخيرين كان محدوداً على الأسعار الفورية، لكون السياق الأساس لم يكن داعماً بما يكفي.
وفي سياق التحليل الفني، أشارت سعيد إلى أن منطقة 11200–11300 نقطة تمثل مجالاً حرجاً "لالتقاط الأنفاس"، محذرة من أن الإغلاق الأسبوعي الواضح تحت 11 ألف نقطة سيكون أول جرس إنذار على تحول إلى موجة هبوط أعمق.
وفيما يخص سلوك المستثمر، أكدت أن المستثمر الفرد يلعب دور "المضخم" للحركة السلبية، حيث باع الأفراد صافياً قرابة 4 مليارات ريال (1.1 مليار دولار) في أكتوبر، بينما كان المستثمر المؤسسي الأجنبي مشترياً انتقائياً.
ولفتت إلى أن هذه المفارقة تؤكد أن التداول العاطفي يضخم الحركة نزولاً، وأن السوق لا يكافئ رد الفعل الأول، بل يكافئ الانضباط.
وخلصت سعيد إلى أن ما يحدث هو تصحيح منطقي تضخمه سيولة أخف ونتائج غير متجانسة ونفط أضعف.
ملكية الأجانب
أكد المدير التنفيذي لشركة "الصك" لتداول الأوراق المالية محمود عطا، إن السبب الرئيس لتكبد سوق الأسهم السعودية أكبر خسارة أسبوعية له منذ أكثر من ستة أشهر يعود إلى عوامل عدة في مقدمها تأجيل قرار رفع سقف ملكية الأجانب إلى عام 2026، وهو أدى لخروج سيولة كبيرة كانت قد تدفقت من المنطقة، لافتاً إلى أن القطاع المصرفي، بقيادة "مصرف الراجحي" كان الأكثر تضرراً كونه المرشح الأكبر للاستفادة من تحرير ملكية الأجانب.
وأكد عطا ضرورة العودة إلى الأساسيات، ومراجعة أداء الشركات ونسب النمو في الأرباح، منوهاً بأن الفرص تظل موجودة، فالسوق ستجد عند المستويات الحالية مشترياً لديه القدرة على تحمل مخاطرة أعلى من البائع، ومن ثم تبدأ السوق في الصعود مجدداً.