Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عاشوا "مرتزقة" وماتوا "غرباء"... عراقيون سقطوا بإغراءات روسية

ضاقت بالشباب السبل في بلدهم فاستدرجتهم شبكات التواصل الاجتماعي وجندتهم موسكو للقتال في الحرب الأوكرانية مقابل 2800 دولار شهرياً

على غرار شبان عراقيين آخرين أغرتهم الوعود برواتب مرتفعة وجوازات سفر روسية سافر محمد إلى روسيا من دون علم أسرته (أ ف ب)

ملخص

تعج تطبيقات التواصل الاجتماعي في العراق مثل "تيك توك" و"تيليغرام" بحسابات تعرض المساعدة على الشباب الراغبين في الانضمام إلى القوات الروسية، وتسعى قنوات "تيليغرام" التي تقدم العروض اليوم إلى استقطاب شريحة ديموغرافية شابة ومختلفة، ويعرض المشرفون على تلك القنوات مساعدة للحصول على تأشيرات روسية لشباب عرب.

قبل نحو ستة أشهر، نشر العراقي محمد عماد آخر مقطع فيديو له على "تيك توك"، بدا فيه بزي عسكري مبتسماً وسط حقل في أوكرانيا على الأرجح يتصاعد منه دخان، وأرفقه بكلمة "دعاؤكم" مع علم روسيا.

ومنذ ذلك الحين، فقدت عائلة محمد الاتصال به، وسمعت روايات متناقضة عن مصيره، أُسر، أصيب بجروح، عانى إنفلونزا، وحتى قتل بضربة مسيّرة أوكرانية في الحرب المستمرة منذ فبراير (شباط) عام 2022 والتي أوقعت مئات آلاف القتلى.

فعلى غرار شبان عراقيين آخرين يقاتلون حالياً في أوكرانيا بعدما أغرتهم وعود برواتب مرتفعة وجوازات سفر روسية، سافر محمد (24 سنة) إلى روسيا من دون علم أسرته، للانضمام إلى جيشها والقتال في أوكرانيا، وفق ما تروي والدته زينب جبار لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتقول جبار (54 سنة) بصوت مرتجف وعينين مغرورقتين بالدموع، "ذهب ولم يعد"، وتضيف من منزلها في مدينة المسيب الواقعة جنوب بغداد بينما تحمل صورة ابنها "نحن العراقيون شهدنا حروباً كثيرة، وتعبنا"، وتسأل بمرارة "ما علاقتنا بروسيا؟ ما علاقتنا بدولتين تتحاربان؟".

حين غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003 وأطاحت بحكم صدام حسين، كان محمد طفلاً صغيراً، شهدت بلاده بعدها موجات من انعدام الاستقرار، وأعواماً من الاقتتال الطائفي، تلتها سيطرة تنظيم "داعش" على مساحات واسعة من البلاد بين عامي 2014 و2017.

وألقت هذه الأزمات بثقلها على العراقيين، خصوصاً الشباب الذين استدعي كثرٌ منهم للجيش أو انضموا إلى فصائل حاربت تنظيم "داعش" في العراق، أو قاتلت في سوريا المجاورة دعماً لقوات الرئيس المخلوع بشار الأسد خلال سنوات النزاع.

وفي بلد كل شاب (بين 15 و24 سنة) من إجمالي ثلاثة عاطل فيه من العمل وينخر الفساد مؤسساته، توصلت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن شباناً كثراً أغرتهم عروض سخية بالنسبة إليهم مقابل القتال لمصلحة روسيا، يروج لها مؤثرون على شبكات التواصل الاجتماعي.

وتتضمن العروض راتباً شهرياً قدره 2800 دولار، أي ما يعادل نحو أربعة أضعاف ما يمكن أن يتقاضوه في صفوف الجيش العراقي، إضافة إلى مكافأة عند توقيع العقد تصل قيمتها إلى 20 ألف دولار.

 تجنيد عبر "تيك توك"

تواصلت وكالة الصحافة الفرنسية مع أقارب أربعة شبان من عائلات فقيرة سافروا للانضمام إلى الجيش الروسي، ثلاثة منهم في عداد المفقودين، أما الرابع فعاد لعائلته جثة.

وتحدثت إلى شاب عراقي يعمل تحت راية الجيش الروسي، وينشر تجربته بتفاصيلها عبر الإنترنت ويقدم مساعدة للراغبين في الانضمام إليه، وكتب في أحد منشوراته "تحت شعار أعطني جندياً عراقياً وسلاحاً روسياً وسوف نحرر العالم من الاستعمار والاستكبار الغربي".

وتعج تطبيقات التواصل الاجتماعي في العراق مثل "تيك توك" و"تيليغرام" بحسابات تعرض المساعدة على الشباب الراغبين في الانضمام إلى القوات الروسية.

عند بدء الحرب الروسية في أوكرانيا، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه يعتزم تجنيد 16 ألف مقاتل من الشرق الأوسط، وتفيد تقارير بأن نحو ألفَي جندي سوري نظامي توجهوا إلى روسيا في ذلك الوقت للقتال.

وتسعى قنوات "تيليغرام" التي تقدم العروض اليوم إلى استقطاب شريحة ديموغرافية شابة ومختلفة، ويعرض المشرفون على تلك القنوات مساعدة للحصول على تأشيرات روسية لشباب عرب، ويتلقون أسئلة وطلبات من سوريا ومصر والجزائر ودول أخرى.

 

 

واستخدمت أساليب مماثلة لتجنيد شبان من آسيا الوسطى ومن الهند وبنغلادش والنيبال، وفق ما لاحظ صحافيو وكالة الصحافة الفرنسية في هذه الدول، كما تنشر الحسابات التي تروج للتجنيد قائمة بالمصطلحات العسكرية الرئيسة مترجمة إلى الروسية، بينها "نفدت الذخيرة" و"أنجزت المهمة" و"لدينا ضحايا" و"طائرة مسيّرة مفخخة"، لتسهيل التواصل على المجندين متى وصلوا إلى الميدان.

وأورد أحد حسابات "تيليغرام" أنه يوفر كذلك مساعدات للعراقيين الراغبين في إرسال المال إلى بلدهم، واتصلت وكالة الصحافة الفرنسية برقم شاركته القناة، فأجاب متلقي الاتصال أن كل ما يلزم هو نسخة من جواز السفر وعنوان سكن ورقم هاتف، على أن يرسل لاحقاً دعوة للحصول على تأشيرة ومن ثم تغطية كلفة التذكرة.

أريد ابني

لكن بين التعليقات الواردة على مقاطع الفيديو الترويجية، يمكن معاينة تساؤلات من عائلات تبحث عن أبنائها المفقودين، وتعتقد عائلة محمد بأن الدعاية عبر شبكات التواصل الاجتماعي أغرت ابنها بالسفر إلى روسيا في وقت سابق من هذا العام.

على مدى أسابيع، ظهر محمد في مقاطع فيديو نشرها على "تيك توك" من روسيا، وتمكنت وكالة الصحافة الفرنسية من تحديد موقعه في أحد المقاطع المصورة في منطقة أوريول القريبة من الحدود مع أوكرانيا، ومنطقة كورسك حيث توغلت القوات الأوكرانية في روسيا لمدة ستة أشهر، ونشر آخر فيديو له على "تيك توك" في الـ 12 من مايو (أيار) الماضي.

وتروي والدته كيف اتصلت به متوسلة كي يعود للمنزل، وكانت تظن بادئ الأمر أنه يعمل في مخبز بمحافظة البصرة جنوب العراق، لكنه في الحقيقة "ذهب ليقاتل في حرب روسيا وأوكرانيا"، وتوضح "قال لي ’لدي حرب، ادعي لي‘".

وكانت تلك المكالمة الأخيرة بينهما، وتقول الأم بحزن شديد، "أريد أن يأتوا لي بابني، لا أريد أي شيء آخر، أريد أن أعرف إن كان حياً أو ميتاً".

وتقضي فاتن، شقيقة محمد، ساعات لا تحصى على شبكات التواصل الاجتماعي في محاولة لاقتفاء أثر عراقيين يدعون أنهم التحقوا بالجيش الروسي، علها تعلم شيئاً عن مصيره، وتشرح كيف سمعت روايات مختلفة عن مصير شقيقها من حسابات مختلفة، أكثرها قسوة كان من حساب تابع للشاب عباس حمدالله الذي يستخدم اسم عباس المناصر على مواقع التواصل الاجتماعي.

وعباس (27 سنة) في عداد شبان عراقيين يشاركون تجاربهم في الجيش الروسي على تطبيقي "تيك توك" و"تيليغرام"، ويعرض المساعدة للراغبين في الالتحاق، ويبدو أن منشورات عباس كانت استمالت محمد، ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية إن هذا الأخير طلب منه توجيهه وكان مصمماً على السير على خطاه.

وحلت معلومات عباس كالصاعقة على فاتن، بعدما أخبرها أن جثة أخيها في مشرحة تابعة للجيش الروسي، بعد مقتله بضربة من مسيّرة أوكرانية قرب باخموت، وبحسب عباس، فإن شقيقها أطلق النار على المسيّرة فيما كان مقاتلون آخرون برفقته يختبئون.

وتقول فاتن "إذا كان ميتاً، نريد جثته"، بينما يعتريها القلق من ألا تحصل العائلة على جثته لدفنه أو تتبلغ رسمياً ماذا حدث له، وتوضح "لا يتعلق الأمر بأخي وحسب، بل بكثر آخرين مثله، مؤسف أن يموت كل هؤلاء الشباب في روسيا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي مدينة الناصرية جنوب العراق، يقول عبدالحسين مطلق (74 سنة) إن ابنه علاوي سافر برفقة محمد إلى روسيا، وبقي على تواصل مع عائلته، يرسل لهم صوراً من التدريبات العسكرية إلى أن انقطع عنهم تماماً في الخامس من مايو الماضي.

ويؤكد الوالد "لا نفهم ماذا حصل"، مضيفاً "قلت له ’لن تستفيد، إنها منطقة غريبة وأناسها غرباء‘"، لكن علاوي أصر على إنهاء العقد مع الجيش الروسي، وفي أحد الفيديوهات التي أرسلها علاوي لعائلته، يظهر مع ثلاثة أشخاص آخرين بينهم محمد وهو يتوجه بالشكر لعباس المناصر لمساعدتهم في الوصول إلى روسيا.

هنا الموت

عام 2023، سافر عباس إلى موسكو عازماً، على حد قوله، مواصلة رحلته إلى أوروبا، على غرار آلاف المهاجرين العراقيين، لكن الإعلانات المنتشرة في شوارع روسيا والداعية للانضمام إلى الجيش أغرته بالبقاء، ويوضح "لا مستقبل لنا في العراق، حاولت بكل السبل هناك لكنني لم أنجح"، متابعاً "بالنسبة إلي، لا يتعلق الأمر بروسيا أو بأوكرانيا، أولويتي هي عائلتي"، ويشرح أنه انضم إلى جيش روسيا عام 2024 وبات اليوم يحمل جواز سفرها.

وعلى رغم الصعوبات التي يواجهها، يبدي عباس سعادته لقدرته على إرسال "نحو 2500 دولار شهرياً" إلى عائلته، وهو مبلغ بعيد المنال بالنسبة إلى غالبية الشباب العراقيين، وعلى حسابه على "تيليغرام"، ينشر عباس دعوات إلى الحصول على تأشيرات للراغبين في التجنيد، ويقول إن كلفة التأشيرة تصل إلى ألف دولار، تحصل وكالات السفر على الجزء الأكبر منها.

وبحسب موقع السفارة الروسية في العراق، تصل كلفة تأشيرة الدخول لمرة واحدة إلى 140 دولاراً، فيما يقول عباس إنه لا يتقاضى أية أتعاب مقابل خدماته، لكنه يحذر من "سماسرة" يستغلون الشبان العراقيين ويأخذون نسبة من المكافأة التي يحصل عليها المجند عند توقيع العقد، ولم تتمكن وكالة الصحافة الفرنسية من التحقق من صحة أقواله.

وبغض النظر عن قيمة المكافأة المالية، يشرح عباس أنه يحذر الراغبين في التجنيد من أن "احتمال الموت هنا" قائم، ويتابع "شهدنا حروباً وأزمات عدة في العراق، لكن هذه الحرب مختلفة، إنها حرب التكنولوجيا المتقدمة، حرب الطائرات المسيّرة"، ومع ذلك، يؤكد أنه لا يشعر بأي ندم إزاء خياره، حتى إنه وقع عقداً جديداً مع القوات الروسية لعام إضافي.

العار

منذ بدء الحرب، انضم آلاف المقاتلين الأجانب إلى القوات الروسية في أوكرانيا، المجموعة الأكبر منهم من كوريا الشمالية، وتفيد تقارير بأن متطوعين صينيين يقاتلون كذلك إلى جانب القوات الروسية.

وفي الجهة المقابلة من الجبهة، يقاتل نحو 3500 عنصر أجنبي إلى جانب الجيش الأوكراني ويتقاضون الرواتب نفسها كالجنود المحليين، وفق ما أفادت سفارة أوكرانيا لدى العراق وكالة الصحافة الفرنسية، وتتفاوت التقديرات حول عدد العراقيين الذين يقاتلون لمصلحة روسيا، لكن عددهم بالتأكيد بالمئات.

ويقول السفير الأوكراني لدى العراق إيفان دوفغانيتش إن هؤلاء "لا يقاتلون من أجل فكرة، إنما يبحثون عن فرصة عمل"، ولم ترد السفارة الروسية في بغداد على طلبات وكالة الصحافة الفرنسية للتعليق.

 

 

وروسيا ليست الدولة الأولى التي جذبت عراقيين للقتال في الخارج، فقد انضم كثر خلال النزاع الذي شهدته سوريا بدءاً من عام 2011 إلى فصائل عراقية موالية لإيران قاتلت في مناطق سورية عدة دعماً لحكم الأسد، لكن الدافع لم يكن مادياً، بل حصل ذلك بموجب قرار سياسي من جهات تدور في فلك طهران، أبرز حلفاء الأسد آنذاك، كما رأى كثرٌ القتال "واجباً دينياً" من أجل حماية المراقد الشيعية في سوريا.

والعلاقات بين روسيا والعراق جيدة إجمالاً، وسبق لموسكو أن زودت نظام صدام حسين خلال عقود بأسلحة وتدريب عسكري، وكثيراً ما حرصت بغداد على تأكيد موقفها "الثابت بالحياد" إزاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، مشددة على رفضها أن يقاتل شبابها في صفوف الجيش الروسي.

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، أصدرت محكمة جنايات النجف حكماً بالسجن المؤبد بحق مدان بـ"جريمة الاتجار بالبشر"، متهمة إياه بأنه "أقدم بالاشتراك مع متهمين آخرين على تكوين جماعات وإرسالها للقتال في دول أجنبية لقاء مبالغ مالية"، وقال مصدر أمني لوكالة الصحافة الفرنسية إن الدولة المقصودة هي روسيا.

وحذرت السفارة العراقية في موسكو مطلع الشهر ذاته من "محاولات استدراج أو توريط بعض العراقيين المقيمين في روسيا أو خارجها بذرائع مختلفة للمشاركة في الحرب".

ويعدّ كثر في العراق الملتحقين بالجيش الروسي "مرتزقة"، وقال عم أحد العراقيين المفقودين في روسيا منذ أشهر لوكالة الصحافة الفرنسية، إنه يأمل في أن تعاقب الحكومة العراقية أولئك الذين يستدرجون الشباب إلى روسيا.

وينظر إلى القتال كمرتزقة، كما يصفه بعضهم، على أنه "وصمة عار" في العراق، إلى حد أن عائلة مجند قتل في روسيا غادرت مسقط رأسها جنوب البلاد، خجلاً من مواجهة المجتمع.

وروى أحد أنسباء العائلة لوكالة الصحافة الفرنسية كيف أنها دفنت ابنها بعيد تسلمها جثته، تحت جنح الظلام من دون حضور أي من الأقارب، وتسلمت العائلة تعويضاً مالياً بقيمة أكثر من 10 آلاف دولار مع الجثة، على حد قوله، لكن كثراً في المجتمع المحلي رأوا أن الشاب أساء بفعلته إلى مجتمعه، وأضاف الرجل طالباً عدم الكشف عن هويته، "يحترق قلبي من فكرة أن يموت شاب في الخارج ومن ثم يدفن هنا بالسر".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير